fbpx
افتتاحية

حرب ابتزاز

ما يفعله بعض أساتذة التوظيف الجهوي، هذه الأيام، مخجل في حق أنفسهم، مربين وأطرا تعليمية ومؤتمنين، نظريا، على مستقبل البلد، ومخجل في حق مسارهم وتاريخهم، الذي يصرون على تشييده على أسوار راشية من البهتان والابتزاز ولي عنق الحقيقة.
فمنذ توقيع مجموعة من خريجي الجامعات على عقود للالتحاق بالتدريس في إطار سد الخصاص في الموارد البشرية، وهم يروجون للإشاعات والمبررات المتهافتة، تارة باسم الحق الدستوري في الوظيفة العمومية، وتارة باسم الحق في الاحتجاج والتظاهر والإضراب، وأحيانا باسم عيوب النظام الأساسي لأساتذة التعاقد، والحال أن الحقيقة هي غير هذا الكلام كله، ويعرفها هؤلاء في المقام الأول، لكن يتغاضون عنها، لسبب في نفس يعقوب.
إن الحقيقة التي يجب أن يعرفها الجميع، هي أن مجموعة من حاملي دبلومات الإجازة في مختلف التخصصات دخلوا، ذات يوم، إلى موقع وزارة التربية الوطنية بمحض إرادتهم، وحملوا بلاغ الإعلان عن الترشح لاختبارات شغل مناصب في التعليم، عن طريق التعاقد بمحض إرادتهم، ثم قبلوا بالشروط الملحقة بالإعلان بمحض إرادتهم، وجمعوا الوثائق المطلوبة لاجتياز الاختبارات الكتابية بمحض إرادتهم، وتوجهوا إلى مراكز الامتحان بمحض إرادتهم، وحين نجحوا في جميع مراحل امتحانات الولوج، وقعوا على قرارات التحاق وعقود تعاقد بمحض إرادتهم أيضا، لكن مباشرة بعد ذلك خرجوا إلى الشارع يحتجون على أن “التعاقد فُرض عليهم”.
إنه ملخص الحكاية بكل اختصار، والباقي كله تفاصيل يختبئ وراءها عدد من الأساتذة لتقديم أنفسهم في جبة ضحايا لسرقة حق ليس لهم، لأنه لا توجد أي وثيقة رسمية صادرة من الدولة، تقول إن هذه الاختبارات لها علاقة بالوظيفة العمومية.
إن ما يجري، ليس له غير اسم واحد هو الابتزاز، الذي جربته هذه الفئة من الأساتذة ولوت ذراع وزارة التربية في 2018، واستعملت التلاميذ دروعا بشرية في حربها على الدولة وقاطعت الدروس والأقسام لعدة أشهر، وها هي، اليوم، تستعمل الأسلوب نفسه والبلاد تعيش حربا ضروسا على فيروس قاتل.
سيكون من العيب أن نُذكر أستاذا ومربيا بأن العقد شريعة المتعاقدين، لكن من حقنا أن نستغرب كيف يفكر هؤلاء في الاحتجاج بهذه الطريقة في الشارع، في الوقت الذي كان مطلوبا منهم أن يسلكوا طرقا أخرى في “النضال”، مع مراعاة حق التلاميذ في التعلم ومتابعة دروسهم في موسم استثنائي يأتي مباشرة بعد سنة بيضاء تقريبا.
نستغرب، أيضا، كيف يختار أساتذة، بأنانية مفرطة، أن يضيفوا أتعابا إضافية إلى تعب إخوانهم، من عناصر الأمن وسلطات عمومية لم تعد لها الطاقة والإمكانيات لفرض تدابير قانون الطوارئ، وبلغت من العياء ذروته، مثلها مثل العاملين في قطاع الصحة والجيش والدرك، وأيضا الأساتذة المرابطين في أقسامهم لإنجاح هذه الفترة العسيرة.
نستغرب هذا الإصرار على “النفير”، في الوقت الذي اختارت قطاعات أخرى أشكالا احتجاجية تراعي الظرفية العصيبة، إذ لن تكون هذه الفئة أحسن من أطباء اختاروا إضرابا محدودا، مع الحفاظ على العمل في أقسام الإنعاش والعناية المركزة ومصالح “كوفيد 19”.
فشتان بين العقلاء، ومجموعة من الباحثين عن “بطولات” تافهة، في زمن “يلعب فيه كورونا الـ10” علينا جميعا.
قليل من الوطنية.
لا يفسد للمحبة ودا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى