fbpx
مقالات الرأي

احلي: الطبيعة القانونية لإصابة الاجير بفيروس كورونا المستجد

في ظل انتشار فيروس كورونا بالمغرب في اغلب المدن على غرار العديد من الدول ، وبعد استئناف اغلب المقاولات لأنشطتها بعدما كانت مجموعة منها مغلقة بشكل مؤقت، إضافة الى تلك المقاولات التي استمرت بالعمل طيلة مدة حالة الطوارئ الصحية المعلن عنها، فاحتمال إصابة الاجراء في هذه المقاولات بفيروس كورونا في اطار قيامهم بعملهم المنوط بهم، وفقا لعقود الشغل التي تربطهم مع مشغليهم سواء كانت هذه الإصابة بفعل شغلهم او بمناسبته. رجوعا الى التشريع الوطني المغربي، خاصة القانون رقم 18.12 المتعلق بالتعويض عن حوادث الشغل ، فهذه الإصابة لا تخرج عن اعتبارها، اما حادثة شغل او مرض مهني. ليطرح التساؤل حول الطبيعة القانونية لإصابة الاجير بفيروس كورونا نتيجة قيامه بمعمله او بمناسبته؟ وبطريقة أخرى هل هذه الإصابة تعتبر حادثة شغل او مرض مهني؟
في الآونة الأخيرة نجد انه قد تعددت الكتابات حول هذا الموضوع وقد تباينت الآراء في ذلك في ظل انعدام اجتهادات قضائية لحدود الان في هذا الموضوع.

لكن قبل الغوص في تحديد الطبيعة القانونية لإصابة الاجير بفيروس كورونا بفعل عمله او بمناسبته، يتطلب أولا ان نقوم بتعريف كل من حادثة الشغل والمرض المهني، وكذا تحديد المعيار الأساسي للتمييز بينهما ولو بشكل موجز ودقيق.

فحادثة الشغل يقصد بها تلك الحادثة التي كيف ما كان سببها ترتب عنها ضرر للأجير وان كانت ناتجة عن قوة قاهرة، شريطة ان تكون نتيجة القيام بعمله او بمناسبته. اما المرض المهني فهو مرض يصاب به الاجير اثناء القيام بعمله او بسببه، وللتميز بين حادثة الشغل والمرض المهني يمكن الاستناد على معيار أساسي، وهو عنصر الفجأة، لاعتبار الواقعة انها حادثة شغل لابد وان يتسم ذلك الفعل المتسبب فيها بالفجأة، وهذا يعني ان حادثة الشغل تقع فجأة، على عكس المرض المهني الذي لا يقع فجأة، اذ لا يعرف ضرره على الاجير الا بعد مرور مدة معينة قد تكون طويلة او قصيرة حسب الأحوال.
اما بخصوص الطبيعة القانونية لإصابة الاجير بفيروس كورونا نتيجة عمله او بسببه، نعيد التأكيد ان في ذلك نقاش قانوني وفقهي كبير، واكيد سيكون نقاش قضائي عندما تعرض بعض القضايا من هذا النوع على القضاء.

وبعد الاطلاع على اغلب ما كتب في هذا الموضوع، نجد ان الفقه القانوني قد استقر بأن إصابة الاجير بفيروس كورونا تعتبر حادثة شغل. لكن في اعتقادنا المتواضع لا يجب الجزم في اعتبار هذه الإصابة انها حادثة شغل او مرض مهني، لأن الطبيعة القانونية لإصابة الاجير بفيروس كورونا تختلف من حالة لأخرى، ومن اجير لأخر حسب ظروف كل قضية على حدة، ففي بعض الحالات قد تكيف إصابة الاجير بأنها حادثة شعل، وفي بعض الحالات الاخرى قد تكيف مرضا مهنيا، وفي جميع الأحوال يتحمل مسؤوليتها كل من المشغل و مؤمنه، ومتى كانت هذه الإصابة لا علاقة لها بالشغل فتكيف بأنها مرضا عاديا يتحمل مسؤوليتها الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وفق ظهير 1972 المتعلق بنظام الضمان الاجتماعي، متى كان الاجير المصاب مصرح به في الصندوق.

مبدئيا، يمكن ان تكون إصابة الاجير بكورونا نتيجة قيامه بعمله او بمناسبته حادثة شغل، لان شرط الفجأة الدي اشرنا اليه سابقا متحقق، عندما نأخذ بعين الاعتبار فترة الحضانة للفيروس التي تتراوح بين يوم و15 يوم، أي لا تتجاوز 15 يوم وعادة ما تستمر ل5 أيام، خاصة وان الإصابة بالفيروس المذكور تتم بشكل آني عند لمس مكان او شيء ما، ثم لمس الانف او الفم ….وبعد مرور فترة الحضانة التي اشرنا اليها تظهر اعراض الإصابة بالفيروس. كما ما يعزز هذا الطرح، فإن حادثة الشغل كما اشرنا سابقا هي حادثة ترتب ضرر للأجير كيف مان سببها، وان كانت ناتجة عن قوة قاهرة بشرط ان يكون ذلك بفعل الشغل او بمناسبته.

لكن استثناء، تعتبر إصابة الاجير بالفيروس المذكور مرضا مهنيا، على اعتبار ان المرض المهني هو مرض لا يظهر ضرره على الاجير الا بعد مرور مدة معينة قد تكون طويلة او قصيرة، ويكون هذا المرض نتيجة للوسائل المستعملة في الشغل او بسببه، ولنفس السبب الذي استندنا عليه لاعتبار إصابة الأجير بكورونا حادثة شغل، فقد تكون هذه الإصابة مرض مهني اذا تم اعتبار فترة حضانة الفيروس التي تتراوح بين يوم و 15 يوم لا تدخل في عنصر الفجأة كأساس للتمييز بين حادثة الشغل والمرض المهني، لكن هذا لا يكفي لاعتبار إصابة الأجير بكورونا مرض مهني، بل لابد وان يكون سبب الإصابة بالفيروس له علاقة بالشغل وبالمواد التي استعملها الاجير، وهو ما يظهر جليا بالنسبة لبعض الفئات كالأطباء والممرضين ورجال الامن بالمستشفيات…، اللدين يكون لهم ارتباطا مباشرا مع مرضى كوفيد 19، فتعتبر اذن اصابتهم بالفيروس في الأحوال المشار اليها مرضا مهنيا، وهو تقريبا الاتجاه الذي سار عليه التشريع الفرنسي في مؤخرا وفق المرسوم رقم 1131-2020 الصادر بتاريخ 14 شتنبر 2020 المتعلق بالاعتراف بطابع الامراض المهنية بالنسبة للأمراض الناتجة عن عدوى SARS-COV2 (فيروس كورونا) بالنسبة للأشخاص العاملين بالقطاع الطبي وما شابههم، اذ بالرجوع الى هذا المرسوم قد حدد على سبيل الحصر الأماكن التي يمكن ان تلتقط فيها المصاب العدوى وذلك على شكل قائمة موزعة على جدولين.

ومتى كانت إصابة الاجير بكورونا لا علاقة لها بالوسائل والمواد المستعملة في الشغل لا يمكن اعتبارها مرضا مهنيا، كما لا تعتبر حادثة شغل، وبالتالي تبقى مرضا عاديا يسري عليه التشريع الخاص بالضمان الاجتماعي وفق ظهير 1972 المتعلق بنظام الضمان الاجتماعي، إذا كان الاجير مسجل في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.

لكن ما تجدر الإشارة اليه، فقد يقول البعض انه لا يمكن اعتبار إصابة الاجير بكورونا مرض مهنيا، لان المشرع في ظهير 31 ماي 1943 قد قام بتعداد مجموع من الامراض المهنية في اللوائح الملحقة بالظهير المذكور، وان فيروس كورونا غير موجود ضمن تلك اللوائح. لكن ما نود التنبيه اليه في هذه الخصوص، تلك الامراض التي تم تعدادها في اللوائح الملحقة بظهير 1943 ليست على سبيل الحصر، وانما فقط على سبيل المثال، يمكن ان نضيف اليها امراض أخرى من قبيل فيروس كورونا، وهو ما استقرت عليه محكمة النقض في القرارات الأخيرة الصادرة عنها وعلى الخصوص: قرار محكمة النقض عدد 318 الصادر بتاريخ 25 ابريل 2000 في الملف الاجتماعي عدد 456 /5/1/1999، وكذا القرار عدد 453 الصادر بتاريخ 21 شتنبر 1987.

لكن في الأخير، نؤكد على دور القضاء الذي تبقى له كلمة الفصل في اعتبار إصابة الاجير بفيروس كورونا بفعل عمله او بمناسبته، بانه حادثة شغل ام مرض مهني؟

احلي محمد: باحث بجامعة محمد الخامس بالرباط

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى