fbpx
مقالات الرأي

الفرجاني: كيف يبصر الإنسان في عزلته النور داخل العتمة؟

لم أكن فخورا في العزلة؛ لكني كنت معتمدا عليها. العتمة في حجرتي كانت كضوء الشمس بالنسبة لي. هذا ما أكده لنا بوكوفسكي في عالم يعج بالصراخ، فلا العزلة فيه حياة ولا الظلمة نور. هذا التناقض الرنان لا تزورنا أنغامه إلا بعد إحساسنا العميق بجمالية الوحدة، وفي كنهها نرقص من وطأة ألم الضجيج.
العزلة بمفهومها المستنير ليست أن تكون وحيدا في المكان، بل أن تكون وحدك في داخلك فتسمع ما وراء الضوضاء، ليصير وجودك لهم في الجمع وحيدا وفي وحدتك أنت كل الوجود. لكن ماذا لو اتحدت العزلة والظلمة ليسودا غرفتنا الذهنية المليئة بصخب الحياة؟

كوننا لا نجد أنفسنا إلا في ضوء ما داخل الظلمة نفسها، فمن البديهي أن نكسر جميع المصابيح الخارجية وذلك من أجل اكتشاف الظلام الحقيقي فينا، لنجد السكن الأصلي للذات في ذاتها، فنستكين بعزلتنا مستسغين الضوء المتوارى خلف الظلام الموجود في أعماقنا. وهنا نكون قد حررنا فكرة العزلة من سجن النمطية الذي يقيدها من أن تجعل من الفكرة التائهة الجادة فكرة قابلة للتحقق. وهذا ما أسر مخيلة رالف والدو إمرسون إذ كتب: “في الصباح، هناك العزلة…تلك الطبيعة قد تتحدث إلى المخيلة، بطريقة لا تفعلها مطلقا في وجود صحبة”.

وراء أفكارك وشعورك يتخفى سيد مجهول يريك السبيل، اسمه الهو وفي جسمك يسكن، بل هو جسمك، وصوابه أصوب من صواب حكمتك. هنا فريديريك نيتشه نسب بنوة التحليل النفسي إلى سلطة أبوة العتمة، ليصبح الظلام حقيقة والنور وهم خدّاع. وهذا لا يتحقق إلا بنظر الذات بلاوعيها لا وعيها، فيصير اللاوعي وعيا والمجهول معلوما، فتنسلخ العزلة من تهمة الانطواء إلى حرية ممارسة الفكر دون وعي جمعي، فتجعل من معتنقها متحررا من شخص الحشود إلى شخص الذات. وفي هذا السياق وجب التمييز ما بين العزلة والوحدة، إذ يعتبر التفكير من الناحية الوجودية، شأنا منعزلا وليس وحيدا، فالعزلة هي الموقف البشري الذي أُبقي فيه على صحبة نفسي. أما الوحدة فتأتي عندما أكون وحدي وبلا صحبة، ولكني أرغب فيها ولا أستطيع أن أجدها. وهذا ما جاء على لسان أرندت، فهاته الأخيرة في عزلتها جعلت من ذاتها الداخلية صديقتها باعتبارها الشخص الوحيد الذي لا يمكنه الابتعاد عنها، فيما عدا من خلال التوقف عن التفكير. فإذا فقدنا قدرتنا على العزلة، فإننا إذا نفقد تدريجيا قدرتنا المباشرة على التفكير. ونجازف بأن نحاصَر من الحشود، فنتخلى عن موعدنا الأهم وهو الصحبة مع أنفسنا.

العزلة قانون وعدالة نفسية وهذا المسار الذي اتبعه بو، والذي اعتقد فيه أن شيئا شريرا تخفى في مكنون نفس رجل الحشود، لتؤكد أرندت طرحه قائلة: “إن أي شخص لا يعرف أن التواصل الصامت الذي نفحص من خلاله ما نقول وما نفعل لن يبالي بالتناقض مع نفسه، ويعني هذا أنه لن يكون قادرا أبدا أو راغبا في محاسبة نفسه على ما يقوله وما يفعله، ولم يمانع بارتكاب أي جريمة؛ نظرا لأنه يعتمد على كونها تنسى في اللحظة القادمة”. وأضافت أيضا: “أن تعاني من الخطأ خير لك من أن ترتكب الخطأ؛ لأنك تستطيع أن تبقى صديقا للشخص الذي يعاني. فمن سيرغب أن يكون صديقا لقاتل أو أن يحيا معه؟ وحتى أي قاتل آخر سيرفض ذلك”.

من هنا صار رؤية الأشياء بوضوح تام، فلا حقيقة لما يوجد خارجا إذا ما فقدت معناها داخلا. فكل ما نراه ما هو إلا إنعكاس لنور عتمتنا. وما دامت العزلة فكر وتأمل روحي فمن الواجب علينا احترام طقوسها حتى يتأتى لنا الوصول إلى ما في ثنايا النفس من سلام داخلي ينعكس جليا على كل ما يحيط بنا، ويساهم بشكل أو بآخر في بناء أفكار خلاقة؛ فالمجتمع الذي يتكون من أشخاص منخرطين في نشاط التفكير يؤدي وظيفته وعمله بحرية وديمقراطية تامة. وهذا هو النشاط الذي يتطلب العزلة، فالعيش سويا مع الآخرين يبدأ من العيش سويا مع أنفسنا.

حسناء الفرجاني: كاتبة ومدونة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق