خاص

نوادل … “الله يجعلها مغفرة للذنوب”

شعروا بـالشمتة بعد فقدانهم العمل وعاشوا على مساعدات الزبناء ومنهم من حاول الانتحار

ما زال عمر، نادل بمقهى بالبرنوصي بالبيضاء، تحت وقع الصدمة، رغم التحاقه بالعمل، إذ عاش جحيما، حسب قوله، بعد قرار الدولة إغلاق المقاهي بسبب جائحة “كورونا” في مارس الماضي.
بدا عليه الانفعال والتوتر بشكل جلي، وعندما طلب منه زبون إعداد كوب قهوة “أومبورطي”، أمسك بقوة بآلة القهوة، كأنه يخشى أن يفقدها من جديد، وصادف ذلك، تداول أخبار عن تزايد حالات الإصابة بالفيروس، فردد بصوت حزين “الله استر إلا ما عاودوا إفرضوا علينا الحجر”
اعترف عمر أنه عاش وضعا مأساويا بعد أن فقد عمله نادلا بالمقهى، كما الأمر لمئات من النوادل بالبيضاء، منهم من غادر صوب مسقط رأسه وآخرون فضلوا البقاء في البيضاء، إلا أن أغلبهم دفع ثمن هذا القرار، خصوصا المتزوجين ومن لهم أبناء، إذ لم يكن مصرحا بهم في الضمان الاجتماعي، وغير مستفيدين من بطاقة “راميد”، كما أن أجرتهم الهزيلة كانت تكفيهم بالكاد لإنفاقها على حاجياتهم اليومية.
لخص عمر هذه المعاناة في عبارة “الله إجعلها مغفرة الذنوب”، وقال بحسرة إنه كاد أن يتحول إلى متسول، إذ لم يجد المال لإنفاقه على نفسه، فخطط لأن يتحول إلى بائع جائل، إلا أنه تردد لعدم درايته بعالم التجارة، كما أن السلطات في بداية الحجر كانت متشددة مع الباعة الجائلين، فالتزم بيته الذي يقتسم كراءه مع بعض أصدقائه.
وقال عمر بنوع من المرارة، إن بعض أصدقائه وزبناء المقهى، ساعدوه ماديا لتجاوز محنته، في كل مناسبة يجود عليه أحدهم بمبلغ مالي لتدبر أمره كل أسبوع. كان يشعر بالحزن الشديد كلما تسلم “الصدقة”، إذ لم يتوقع يوما أن يمد يده للناس، وما زاد في معاناته، استفادة بعض أصدقائه، من تعويضات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وقتها أدرك أنه في حال عاد إلى العمل، وجب عليه القطع مع الحقبة السابقة، وإلزام مشغله بتسجيله في هذه المؤسسة.
على نقيض عمر، كان محمد زميله في المناوبة، أكثر حظا منه، عندما أدرك بفراسته أن الأمور ستكون أسوأ بسبب فرض الحجر الصحي، فقرر مغادرة البيضاء صوب مسقط رأسه بسوس، قبل صدور قرار منع التنقل بين المدن. كانت هذه الخطوة بالنسبة لمحمد إيجابية جدا، إذ وجد نفسه بين أحضان عائلته، التي كانت وفرت له مصاريفه اليومية، واستغل الحجر لمساعدة والده في بعض الأعمال الفلاحية لكسر الملل. يشعر محمد بالمرارة، ليس فقط على نفسه، لأنه فقد عمله لأشهر بسبب “كورونا”، لكن لمصير العديد من أصدقائه النوادل بمقاه عديدة، خصوصا المتزوجين ومن لهم أطفال، إذ شدد على أنهم عاشوا الويلات، ومنهم من فكر في الانتحار بعد أن عجز عن توفير مصاريف عائلته خلال الجائحة.
كانت أهم غصة في حلق نوادل صادفتهم “الصباح”، عدم التصريح بهم لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وإهمال الاستفادة من بطاقة “راميد”، إذ اعتبروها “شمتة العمر”، معترفين في الوقت نفسه أنهم يتحملون المسؤولية بعدم إلزام أرباب العمل بتوفير هذه الخدمات لهم، إذ لم يتوقعوا يوما أن سيصادفوا وضعا أسوأ مما عاشوه في زمن “كورونا”، ما دفع أحدهم إلى التأكيد: “هادي دارت لينا الراس، وعلى الدولة تعاونا وتفرض على الجميع يديكلاريو بالناس اللي خدامة عندهم”.

مصطفى لطفي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق