خاص

اليوسفـي … رحيـل الحكيـم

حياة غنية بالعواطف الإنسانية والمواقف المبدئية والنضال والتضحيات

يتلخص مسار الراحل “سي عبد الرحمان اليوسفي” (كما يحرص المقربون منه على مناداته) في ساعات قليلة، حين جاء الملك محمد السادس فجأة، مساء السبت 15 أكتوبر 2016، وبدون سابق ترتيب، للاطمئنان على وضعيته الصحية بالطابق الثاني لمستشفى الشيخ خليفة بالبيضاء. اكتشفت الأجيال الجديدة، بعد الزيارة الملكية، شخصية قائد سياسي، إذ كلما عادت لقراءة مساره السياسي والنضالي الطويل، تكتشف حلقات جديدة وتفاصيل غنية بالعواطف الإنسانية والمواقف المبدئية، فاليوسفي، كما يرثيه المقربون، الآن، إنسان يؤمن بأن السياسة أخلاق، والعطاء للوطن لا يساوم أو يقاس بالمناصب، والتضحيات ضريبة الدفاع عن القيم.

يتلخص مسار الراحل اليوسفي في ثلاث مراحل، الأولى منذ ولادته في العيد العالمي للمرأة في 1924، ودوره المحوري في حركة مقاومة الاستعمار، ثم معارضته الملك الراحل الحسن الثاني وسياسته، والثانية في 1998 حين قبل بقيادة ما اصطلح عليه بـ”حكومة التناوب”، وتعيينه وزيرا أول لحكومة التناوب، والثالثة ما بعد رسالته الشهيرة “عدم احترام المنهجية الديمقراطية”، ومغادرته المغرب غاضبا وحزينا في الوقت نفسه.

اليوسفي والنضال والإعدام

انخرط اليوسفي في العمل السياسي منذ 1943 وعمره لا يتجاوز 19 سنة، وانتمى لحزب الاستقلال بالرباط، حيث تابع دراسته في ثانوية مولاي يوسف وأسس خلية نضالية، وطارده الاستعمار وبقي فارا من الاعتقال، بين آسفي ومراكش إلى أن استقر في البيضاء وعمل سرا في صفوف المقاومة وتنظيم الطبقة العمالية، ومع نفي الملك الراحل محمد الخامس إلى مدغشقر اهتم اليوسفي بتنظيم المقاومة وجيش التحرير، إلى حين حصول المغرب على الاستقلال.
اعتقل اليوسفي مرات عديدة، منها في 1959 مع محمد بصري مدير “التحرير” بتهمة التحريض على العنف والنيل من الأمن الوطني للدولة والأمن العام، ثم في 1963 بتهمة التآمر، وصدر في حقه حكم بالسجن سنتين مع وقف التنفيذ، وأعفي عنه في 1965، فسافر إلى فرنسا للإدلاء بشهادته، باعتباره طرفا مدنيا في محاكمة مختطفي المهدي بن بركة، وبقي هناك 15 سنة في منفى اختياري.
وحكم على اليوسفي غيابيا في جلسات محاكم مراكش (1969-1975)، إذ طالبت النيابة العامة بإصدار حكم عليه بالإعدام، ثم صدر حكم العفو عنه في 1980 فعاد إلى المغرب.
انتخب كاتبا عاما للحزب بعد وفاة عبد الرحيم بوعبيد في 1992، ثم استقال من وظائفه السياسية بعد إعلان نتائج الانتخابات التشريعية في 1993، احتجاجا على ما وقع فيها من تلاعب، وذهب إلى “كان” ، قبل العودة بعد ضغوط من زملائه وفي سياق الأجواء السياسية الجديدة في البلد والرغبة التي أبداها الملك الراحل الحسن الثاني لإشراك المعارضة في الحكم.

حكومة التناوب

بعد مفاوضات متعثرة ومتقطعة قبل عبد الرحمن اليوسفي عرض الملك الراحل الحسن الثاني بقيادة ما اصطلح عليها بـ”حكومة التناوب”، وعين وزيرا أول في 1998 إلى 2002، وهي الفترة التي شهدت مرور المغرب من أزمة اقتصادية، نجح اليوسفي في التخفيف من وطأتها. لم تسلم تجربة اليوسفي مما أسماه “جيوب مقاومة التغيير”، التي وضعت كل المتاريس لمنع الحكومة من الإصلاح، وقال في مذكراته إن “الجميع يدرك أن من تمكن من بناء مصالح أثناء العهود السابقة أو لا يزال، ويرى في التغيير والتجديد تهديدا لمركزه الاقتصادي أو مركزه السياسي، سيكون منخرطا في بنية هذه الجيوب”.

الاعتزال

أعلن اليوسفي اعتزاله العمل السياسي وقدم استقالته من حزبه في رسالة إلى مكتبه السياسي في 2003، ثم انطلقت مرحلة جديدة حظي بها باعتراف وطني ودولي بشخصيته ونضاله، فوشحه الملك محمد السادس بوسام ملكي رفيع في أكادير، وفي 2003 وشحه العاهل البلجيكي بوسام ملكي أيضا، بالمقابل اعتذر عن طلبات وطنية ودولية كثيرة لتكريمه والاحتفاء به بقوله: “ما قمنا به واجب وطني ونضالي، وفعل الواجب يسقط التكريم”. وعرضت عليه مناصب في مؤسسات مغربية وأجنبية، لكنه تشبث باستقالته من العمل السياسي.

خالد العطاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق