fbpx
حوادثمقالات الرأي

ناوي: “كورونا” وعقود الكراء

الجائحة وتدابير الدولة الصارمة للحد منها حدث خارج عن إرادة المتعاقد (2/1)

بقلم: ذ. سعيد ناوي*

أدى ظهور فيروس كورونا “كوفيد19″ في يناير الماضي، وانتشاره السريع من الصين إلى مناطق أخرى من العالم، إلى أزمة صحية واجتماعية عالمية. وفي 30 يناير الماضي، اعتبرت منظمة الصحة العالمية “كوفيد 19” أنه حالة طوارئ صحية دولية، ثم في 11 مارس الماضي، وصفته منظمة الصحة العالمية بأنه جائحة، بالإضافة إلى التأثيرات الصحية لـ”كوفيد 19″،هناك عواقب اقتصادية ومالية يمكن أن يكون لها تأثير عميق على العلاقات التعاقدية.

منذ بداية الأزمة، واجه العديد من التجار والشركات صعوبات في تنفيذ عقودهم، من بينها عقود الكراء بسبب الإغلاق الكلي أو الجزئي للمحلات التجارية، وفرض الحجر الصحي على المستهلكين، وتقييد حركة السير والجولان داخل الوطن وخارجه.
فقد اضطرت الحكومات إلى اتخاذ تدابير استعجالية استثنائية، من أجل مواجهة انتشار العدوى والتحكم في آثارها الاجتماعية والاقتصادية.
وهكذا، بتاريخ 20 مارس الماضي، قررت الحكومة إغلاق بعض المحلات التجارية، ما أثر سلبا على نشاطها وعلى مردوديتها، بل منها اتخذت تدابير مؤقتة من أجل الحد من تداعيات الإغلاق على مصير استمرارها داخل النسيج الاقتصادي الوطني. واضطرت بعض الشركات إلى منح عطل استثنائية لمستخدميها، أو تعجيل عطلهم السنوية، أو تخفيض أجورهم، أو إلغاء بعض العقود محددة المدة، ما سيضطر هذه الشركات إلى عدم الوفاء بالتزاماتها، خاصة في ما يتعلق بأداء الواجبات الكرائية المترتبة عن كراء المحلات الممارس فيها النشاط التجاري المتوقف بسبب تداعيات الوباء.
فهل يمكن تعليق أداء الواجبات الكرائية التي بذمة التاجر أم الإعفاء منها أو تدخل الحكومة عبر الصندوق المحدث لذلك، من أجل تعويض أصحاب المحلات التجارية التي فقدت مداخيلها الدورية. فقد كانت سابقة محمودة تلك التي قام بها عاهل البلاد، بسبب تداعيات الوباء، بإعفاء مكتري المحلات الحبسية من أداء واجبات الكراء طيلة مدة سريان حالة الطوارئ الصحية. وأن هذا القرار يسري أيضا على المحلات المخصصة للسكن، ما عدا تلك التي يستفيد منها الموظفون.
فهل يمكن اعتبار فيروس كورونا “كوفيد 19” قوة قاهرة تبيح للشركات المرتبطة بعقود كراء أو التاجر عموما تعليق أداء واجبات الكراء أو المطالبة بالإعفاء منها، طيلة فترة الطوارئ الصحية التي سنتها الحكومة؟
بالنظر إلى مدى وسرعة انتشار “كوفيد 19″، فإن العواقب الخطيرة والقاتلة المحتملة له، ولكن أيضا التدابير الصارمة وغير المسبوقة للغاية، التي اتخذتها العديد من البلدان، فضلا عن تأثيرها الضار على الاقتصاد، من المحتمل جداً أن تكون المحاكم المغربية مستعدة لتأخذ في الاعتبار الصعوبات، التي تواجهها الأطراف في عقد كراء تجاري قد تتأثر به، طبقا للظروف الخاصة للقضية.
لذلك من الضروري تحليل ما إذا كان وباء “كوفيد 19” أو التدابير التي اتخذتها الدولة للحد من انتشاره وعواقبه، يمكن أن تشكل حالة قوة قاهرة في وجود عقد كراء تجاري، وإذا كان الأمر كذلك، تحديد الآثار المترتبة عن هذا العقد.
– الأساس القانوني لمظاهر القوة القاهرة
يمكن تعريف القوة القاهرة بأنها “حدث غير متوقع لا يقاوم، خارج عن إرادة المدين بالتزام معين أو عن إرادة المتسبب في ضرر معين (قوة الطبيعة، الغير، من قبل الأمير)، يعفيه من التزامه أو يعفيه من مسؤوليته…”.
تنص المادة 269 من قانون الالتزامات والعقود، على أن “القوة القاهرة هي كل أمر لا يستطيع الإنسان أن يتوقعه، كالظواهر الطبيعية (الفيضانات والجفاف، والعواصف والحرائق والجراد وغارات العدو وفعل السلطة)، ويكون من شأنه أن يجعل تنفيذ الالتزام مستحيلا. ولا يعتبر من قبيل القوة القاهرة الأمر الذي كان من الممكن دفعه، ما لم يقم المدين الدليل على أنه بذل كل العناية لدرئه عن نفسه. وكذلك لا يعتبر من قبيل القوة القاهرة السبب الذي ينتج عن خطأ سابق للمدين”.
ومن خلال قراءة هذا النص يتبين أن للقوة القاهرة ثلاثة مظاهر أساسية إذا توفرت يمكن إعفاء المدين من التزامه التعاقدي.
– المظهر الأول: أن يكون الحدث غير متوقع من المتعاقد أثناء إبرام العقد
عدم القدرة على التنبؤ على وجه التحديد، يشكل مظهرا آخر للقوة القاهرة. إن “كوفيد 19” هو شكل جديد من الفيروسات، لا يوجد له لقاح حتى الآن، فإن هذا الشرط سيتحقق في جميع الاحتمالات في جميع العقود المبرمة قبل 16 مارس 2020.
– المظهر الثاني: أن يكون الحدث خارجا عن إرادة المتعاقد
ظهور وانتشار “كوفيد19″، الذي اعتبرته منظمة الصحة العالمية حالة طارئة للصحة العامة الدولية، يمكن اعتبار الجائحة أو تدابير الدولة اللاحقة كإغلاق المحلات التجارية غير الضرورية، حدث خارج عن إرادة المتعاقد. وقد اعتبر القضاء الفرنسي أن إغلاق محل تجاري من طرف السلطة العامة بموجب قرار على أنه حدث خارج عن سيطرة المدين.
– المظهر الثالث: أن تنتج عن الحدث آثار لا يمكن تجنبها
اعتمادا على الظروف، قد يكون لمظهر “كوفيد19” و/ أو تدابير الدولة اللاحقة أثر منع أداء الالتزام التعاقدي. في الواقع، ثبت أن “كوفيد19” له نتائج قاتلة محتملة، وأسفر عن سلسلة غير مسبوقة من التدابير الاستثنائية، وتقييد الحركة، وفرض الحجر الصحي وإغلاق المحلات التجارية غير الضرورية وتقييد حركة المستهلكين، وإغلاق الحدود في وجه الجالية المغربية والأجانب والتنقل بين المدن. مما يجعل آثار هذه الإجراءات وخيمة على مستوى المداخيل، حيث يصبح التاجر والمؤسسات التجارية عاجزة عن الوفاء بالتزامات تجاه المتعاقدين معهم.
وبالتالي، إذا كانت استحالة تنفيذ الالتزام التعاقدي مؤقتة فقط، فإن الالتزام المعني سيتم تعليقه فقط، دون قيام مسؤولية المدين. وبعبارة أخرى، فإن الالتزامات التي لا يمكن الوفاء بها سيتم تأجيلها ويجب الوفاء بها بمجرد أن يسمح الوضع بذلك (على سبيل المثال عندما تمر ذروة الوباء والترخيص بالتنقل أو فتح محلات تجارية معينة). ومع ذلك، سيتم استبعاد التأثير المعلق عندما يبرر التأخير إنهاء العقد.
من ناحية أخرى، في حال العجز النهائي، سيتم إنهاء العقد تلقائيا، دون أن تكون مسؤولية المدين قائمة في هذا الصدد، ويكون للأطراف الحق، إذا لزم الأمر، في المطالبة باسترداد ثم تنفيذ التزاماتهم التعاقدية بالفعل، إذا تحققت هذه المظاهر الثلاثة، أعفي المدين من الوفاء بالتزاماته التعاقدية، لأن الحدث يشكل قوة قاهرة تنعدم فيها إرادة المتعاقد. وتبقى السلطة التقديرية للقاضي قائمة في تقييم هذه الظواهر وتحديد طبيعتها والحكم بإعفاء أو تعليق أداء الالتزام.
* محام مقبول لدى محكمة النقض
دكتور في الحقوق وأستاذ زائر بجامعة الحسن الثاني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى