fbpx
خاص

البلدية وساحة السراغنة… صخب موقوف التنفيذ

بدت ساحة سيدي محمد بن عبد الله بدرب البلدية غارقة في الهدوء، الذي خيم على مختلف الفضاءات التابعة لدرب السلطان، باستثناء الشريان الرئيسي، اللتين يخترقها ويتعلق الأمر بزنقة آيت إيفلمان وقيسارية الحفاري اللذين ظلتا محافظتين على حركيتهما.
الساحة المعروفة تاريخيا باحتضانها أشهر محلات الجزارة ومطاعم الشواء، ظل نشاطها مقتصرا فقط على الجزارين الذين استسلم بعضهم لخدر النهار، في انتظار الزبائن القلائل الذين يفدون عليهم، لاقتناء حاجياتهم من اللحوم.
ولأول مرة تفتقد الساحة مشهد أدخنة الشواء التي تشكل جزءا من هويتها البصرية، وكذلك روائحها المميزة التي تستوقف العابرين منها، وتجعلهم يسلمون قيادهم لأحد مطاعمها. كل شيء تبخر أمام الإجراءات الاحترازية، خوفا من استشراء وباء كورونا، لتغلق المطاعم أبوابها، وتظل محلات الجزارة.
أمام أحد المحلات الذي اعتاد استقبال زبائنه ب”الصف”، لم يكن هناك سوى بضعة أشخاص، حرصوا على الوقوف متباعدين لأخذ حاجياتهم، وكل واحد ينظر إلى الآخر نظرة شك وريبة، وكأنهم فعلا مصابون بالوباء.
كان الجزار منهمكا في تقطيع اللحم، ووضعه في آلة الفرم الكهربائية، أو تهييء النقانق، قبل أن يسلمها للزبائن، ويحرص على تسلم الأوراق النقدية عبر تغليف يده بكيس بلاستيكي سرعان ما يتخلص منه بعد كل عملية.
ساد الحذر والتوجس بمختلف المحلات المجاورة، إذ كان الزبائن يسارعون الخطى للانسحاب من الساحة بمجرد ما يتسلمون مقتنياتهم، فيما حرص آخرون على تجاذب أطراف الحديث وهم يتحدثون بسخرية عن الوباء، وكأن الأمر لا يعنيهم.
وغير بعيد عن فضاء البلدية، وتحديدا بساحة السراغنة، غرقت هذه الساحة هي الأخرى في مشهد غير معتاد، باعتبارها أحد أكثر الفضاءات صخبا وحركية بالعاصمة الاقتصادية، لتعمها الكآبة ويرخي الخوف بظله على مختلف أرجائها.
وأغلقت المقاهي التي تجاور الساحة وتشكل جزءا من معالمها أبوابها لأول مرة، وهي التي اعتاد بعض المقاهي فيها فتح أبوابها طيلة ساعات النهار والليل دون توقف. وهكذا وجد متشردو الساحة أنفسهم ملوكا للفضاء، لا يتقاسمه معهم أحد، ليختار بعضهم الانبطاح على كرسي بالحديقة التي تتوسطها، فيما اختار آخرون الاحتماء بالأقواس وافتراش قطع كارتونية، متأملين المشهد بنظرات لا تخلو من حزن واستجداء لكل عابر على قلتهم.
وحدهم باعة الجرائد حافظوا على أمكنتهم بساحة السراغنة، مسنودين ببضعة باعة جائلين وطاولات بيع الفواكه، فيما افتقدت الساحة صخبها ومظاهر الحياة إلى أجل غير مسمى.
عزيز المجدوب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى