fbpx
خاص

“كوكتيل” أحلام

بخفة الفراشات، تخلع رجاء بومهدي بذلة سيدة الأعمال و»بنت لمدينة»، وترتدي وزرة وحذاء بلاستيكيا (بوط) وقفازين، وتنغمس في غسل البطاطس والجزر واللفت والخص والبقدونس والقزبر، وتضعها، بعناية، في قفف من دوم تحمل أسماء نساء فلاحات، معدة للبيع على موقع إلكتروني أنشأته لهذه الغاية تحت اسم «فيجيتيبل.ما». أحب الأوقات إلى رجاء حين تكون رفقة «مي زروالة»، و»مي خدوج»، و»مي فاطمة»، و»مي حليمة»، وغيرهن من نساء «الدوار»، إما منهمكات في زرع وجني خضروات وفواكه وبقوليات وتجفيفها وتصفيفها وعرضها للبيع، أو منشغلات في تهييء فصول جديدة لأطفالهن بين 4 و6 سنوات (مرحلة التعليم الأولي)، في أول معادلة تزاوج بين خروج المرأة إلى العمل في الحقول وإثبات ذاتها كفاعلة في المجتمع القروي، وبين ضمان مقعد دراسة للأبناء وعدم الزج بهم في متاهات الهدر المدرسي. بالنسبة إلى رجاء بومهدي، فإن إثبات المرأة القروية لذاتها وقدرتها على العمل والعطاء والمساهمة في تنمية ذاتها ومحيطها، لا يضاهيه سوى إدماج الأطفال الصغار في دورة التدريس الأولي، وتهييء فضاءات للتعلم والتعليم وسط الدوار، وبالضبط قرب أمهاتهم.
إنه الحلم الذي حملته رجاء، قبل خمس سنوات، في حقيبتها إلى دوار أولاد الصغير بمنطقة ولاد الهواري بسطات، حيث رأى والدها النور في نهاية عشرينات القرن الماضي، قبل أن يحمله والداه و(هو ابن أربعين يوما) ويرحلا به إلى البيضاء.
في هذه المدينة الغول، ولدت رجاء غرة فبراير من سنة ما، وتابعت دراستها بمؤسساتها، قبل أن تتجه إلى فرنسا التي أكلمت بها تعليمها العالي، ثم بعدها إلى لندن التي قضت بها ستة أشهر، فكرت خلال في الاستقرار النهائي، لكن فكرة «جنية» كانت تلمع باستمرار في رأسها: العودة إلى الدوار لإعطاء معنى جميل للحياة. أكثر ما كان يؤرق رجاء بدوارها، مشاهد الأطفال دون سن التمدرس القانوني (بين 4 و6 سنوات) الذين كانوا «يذبلون» وسط الحقول دون تعليم، فكانت أول مبادرة، قبل أربع سنوات، تأسيس جمعية اسم «ولاد سيدي بنداود للتنمية البشرية»، والبحث عن تمويلات من جهات مختلفة، ضمنها المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، لإنشاء أنوية لفصول مجهزة للتعليم الأولي. كانت الفكرة «ثورية» في ذاك الوقت، وفوق ذلك تدافع عنها امرأة وسط قرية، فكانت أن وضعت أمامها متاريس من العراقيل، استطاعت رجاء وصديقاتها من بنات الدوار تجاوزها، وإنشاء قسم مجهز عرضت صوره على مواقع التواصل الاجتماعي.
استمر العمل على هذا النحو، واتسع الحلم وتولدت عن الفكرة الأولى أفكار أخرى للابتكار الاجتماعي، آمنت بقدرة «الدوار» على تغيير حياة نسائه وأطفاله، وإحداث الأثر المطلوب ومنحهن أملا في الاستقرار وابتسامة لغد أفضل. اليوم، لم يعد دوار «الصغير»، أو «ولاد سيدي بنداود»، أو دوار «الهواري»، مجرد أماكن نكرة في خارطة سطات، بل حكاية تستحق أن تروى، وقصة نجاح باهرة تحدثت عنها رجاء بومهدي، بحب كبير، الصيف الماضي، بواشنطن أمام ممثلي وممثلات عشرات الدول في لقاءات للتبادل واكتساب الخبرات احتضنتها الخارجية الأمريكية تحت «ريادة النساء في شمال أفريقيا والشرق الأوسط».
يوسف الساكت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى