خاص

سطايل … استراحة محاربة

المرأة الحديدية للقناة الثانية تغادر السفينة بعد مسار مهني حافل

حين أعلنت القناة الثانية مغادرة سميرة سطايل، مديرة الأخبار بالقناة، بعد 30 سنة من الخدمة، اعتقد كثيرون أن نجمها أفل، لكن من يعلم قوة شخصيتها، يدرك جيدا أن “المرأة الحديدية” ستعود يوما أكثر قوة، ولو في مجال آخر… حملت ضدها لافتات فصدمت، وواجهت أقوى “نسور” “بيجيدي” بشراسة، ولم تستسلم أبدا منذ التحاقها بالقناة في 1991 صحافية ومقدمة، قبل أن تبصم على مسار حافل، حيث تفوقت مهنيا وإنسانيا بشهادة كل المقربين منها…
سطايل امرأة جريئة فضلت الآن التواري مؤقتا عن الأنظار، لأنها محاربة وكل محارب يحتاج إلى استراحة.

من “بيبي سيتر” إلى المرأة الحديدية

بدأت حياتها المهنية بربورتاج عن السيدا والدعارة قبل أن تحاور الكبار وتترأس مديرية الأخبار بدوزيم

يلقبونها في “دوزيم» وخارجها، بالمرأة الحديدية، في إشارة واضحة إلى قوة شخصيتها وقدرتها على اتخاذ القرارات التي تؤمن بها، رغم لا شعبيتها، وجرأتها التي كانت ظاهرة منذ بداياتها الأولى في عالم الصحافة والإعلام، حين كانت من الأوائل الذين تحدثوا عن «طابو» الدعارة والسيدا، في ربورتاج «les fleurs du mal» أثار الجدل في حينه، على القناة الأولى التي دخلتها سطايل وعمرها لا يتجاوز 23 سنة.
لم تكن الطفلة سميرة، التي رأت النور في بورغ لارين، بالضاحية الباريسية، لعائلة مهاجر مغربي من الجيل الأول، مكونة من 6 إخوة، تعتقد في يوم من الأيام، أن مهنة المتاعب ستغريها. لكن لقاءها بعرابها أوبير ماشتو، الصحافي الفرنسي المعروف حينها، والذي اشتغلت لديه مربية أطفال (بيبي سيتر) كان نقطة فاصلة في حياتها المهنية، بعد أن فشلت في دراستها بالمعهد الفرنسي للجيوبولتيك، واكتفت بدراسة اللغات في جامعة باريس 7 والمعهد الوطني للغات والحضارات الشرقية (إينالكو). فبفضل تشجيعه، ستلتحق بالمدرسة العليا للإخراج السمعي البصري، قبل أن تحظى ببعض الدورات التدريبية في قنوات فرنسية شهيرة مثل «تي إف 1» و»كنال بلوس» و»أنتين 2»، ثم بعدها «دار البريهي»، التي ستقضي بها مدة تدريب قصيرة حين كانت تمضي عطلتها الصيفية في المغرب، لتفاجأ بطلب إدارتها الالتحاق بها بشكل رسمي، حسب ما أكدته سميرة في حوار سابق لها مع مجلة “جون أفريك”، كان ذلك في 1987.
استطاعت سيطايل، في غضون شهور قليلة، أن تثبت كفاءتها، فحظيت بفرصة تقديم النشرة الإخبارية باللغة الفرنسية على شاشة الأولى، قبل أن يتم اختيارها، من بين العديد من الإعلاميين المغاربة المتميزين، لتساهم في بروز القناة الثانية «دوزيم» التي أسستها مجموعة “أونا” في 1989، وأرادها الملك الراحل الحسن الثاني أن تكون أول قناة خاصة بالمغرب، تتنشق هواء الحرية والاختلاف.
بقناة عين السبع بالبيضاء، سيبرز اسم سطايل ويسطع، بعد أن قدمت العديد من البرامج أثبتت من خلالها أنها محاورة قوية لا يشق لها غبار. ولعل أشهرها برنامجها “pour tout vous dire»، الذي ظلت تقدمه إلى 2001، حين عينت على رأس مديرية الأخبار، أو برنامجها الشهير “l’homme en question» أو غيرها من البرامج الحوارية مع شخصيات سياسية بارزة ومهمة على الصعيد العربي والدولي أيضا، من وزن نيلسون مانديلا وشيمون بيريز وفرانسوا ميتيران وهيلاري كلينتون وبانكي مون وخوسي ماريا أثنار…
في 2008، ستعين سميرة سيطايل نائبة المدير العام المكلفة بالنشرات الإخبارية بالقناة الثانية، وهو المنصب الحساس الذي ظلت تديره بقبضة من حديد، إلى أن استقالت من مهامها أخيرا، بعد مسار حافل بالنجاحات وبالعلاقات الوازنة التي خولتها أن تكون من بين “البروفيلات» المقربة من مركز السلطة في البلاد، هي التي عينها الملك محمد السادس في 2016 رئيسة لقطب الإعلام والاتصال بلجنة القيادة لتظاهرة «كوب 22» العالمية التي نظمت بمراكش.
نورا الفواري

الساخي: مهنية ومعطاءة

> عملت عن قرب مع سميرة سطايل، فكيف تقيم هذه المرحلة من مسارك المهني؟
> استفدت من فترة تدريب، في الوقت الذي كنت فيه طالبا في معهد الصحافية، تحت إشراف سميرة سطايل، وذلك من خلال برنامج pour tout vous dire. كانت تجربة مميزة، قدمت لي من خلالها سطايل الدعم والمساعدة، واستمر الوضع ذاته بعدما التحقت بالقناة رسميا، إذ اشتغلت في بادئ الأمر في موقع القناة، قبل أن ألتحق بقسم الأخبار الذي كانت مشرفة عليه. لم تكن سطايل تقدم الدعم والمساندة للصحافيين فقط، بل حتى للمتدربين الذين كانوا يشتغلون معها، وهو الأمر الذي كان يميزها.

> ما هي أهم النصائح التي كانت تقدمها للصحافيين عموما؟
>  شخصيا، وفي الوقت الذي التحقت بقسم الأخبار، كانت تحرص على تقديم النصح لي، سيما في ما يتعلق بالكتابة، فقد كانت متمكنة من الأمر، إلى جانب نصائح حول طريقة الإلقاء سواء بالعربية أو الفرنسية، والأكثر من ذلك، وضعت في الثقة للإشراف على تغطية أحداث مهمة بالمغرب والخارج. كانت سيطايل تمنح الفرصة للشباب لإثبات أنفسهم، والنقطة الأهم، أنها كانت تبرز مواهب الصحافيين، وتساعدهم على اخراجها، سيما إذا لمست الجانب المهني في الصحافي. وأريد الإشارة إلى أن سيطايل، هي من اقترحت اسمي لتقديم البرنامج الثقافي الذي أقدمه في الوقت الراهن، رغم أنني كنت ضمن فريق قسم الأخبار، اذ وجدت أنه البرنامج الأنسب الي.

> اشتغلت مع صحافية تتقن إجراء الحوارات، فهل استفدت من خبرتها في هذا المجال؟
> أثبتت سطايل طيلة مسارها المهني، أنها من أفضل “المحاورين” في المغرب، وبطبيعة الحال، كانت تحرص على إعطاء ملاحظات حول بعض الحوارات التي كنت أجريها، والشيء ذاته بالنسبة إلى باقي الصحافيين، ولا أعتقد أنها كانت تبخل على أحد بالنصائح، سيما أنها معطاءة ومتمكنة في مجال الصحافة. ومن جهة أخرى، وفي الوقت الذي يروج البعض أن شخصية سطايل صعبة، أريد التأكيد أنها على العكس، ومن خلال اشتغالي معها أؤكد أنها مرهفة الإحساس وإنسانية بدرجة كبيرة، ووقفت إلى جانب الكثير من الصحافيين في المحن التي مروا منها، ولم تتردد في تقديم يد المساعدة لأي شخص كان في حاجة إليها.
الساخي * صحافي بالقناة الثانية
 أجرت الحوار: إيمان رضيف

مصارعة طواحين “بيجيدي”

إلى جانب مهامها المهنية والإعلامية كانت لسميرة سطايل معارك جانبية ذات طابع إيديولوجي مع التيار المحافظ الذي يمثله حزب العدالة والتنمية، الذي بدا أن المرأة القوية في القناة الثانية كانت على طرف نقيض مع توجهاته المحافظة والتي لم يكن يتورع عن الجهر بها والنزول بها إلى الشارع منذ الفترة التي كان فيها خارج تدبير المسؤوليات الحكومية.
واشتهرت سطايل بمواجهة الإسلاميين، معتبرة أن الإعلام مستقل عن أية جهة حكومية وغير حكومية، وهو ما أزعج رئيس الحكومة السابق عبد الإله بنكيران، الذي فشلت كل محاولاته في الدفع بالقناة الثانية في اتجاه خط وتوجه العدالة والتنمية.
وأبدت سطايل معارضتها لمشروع “بيجيدي» مبكرا منذ 2003 حين حملت، في حديث مع قناة فرنسية، مسؤولية أحداث 16 ماي الإرهابية إلى حزب العدالة والتنمية.
وأكدت سطايل للقناة الفرنسية “أن جميع الإسلاميين يتشابهون”، معتبرة أن “هناك من يسلكون طريق العنف وآخرين يدافعون عن العنف على الصفحات الأولى لصحفهم، ويجب مواجهتهم”.
واعتبرت سيطايل أن “العدالة والتنمية مسؤول عن الانفجارات، أسوة بالانتحاريين الثلاثة عشر الذين تم التغرير بهم من طرف أشخاص يمكن أن يكونوا من هذا الحزب”، كما قالت “سأقف ضد خطاب العدالة والتنمية، لأنه لا يتلاءم مع المغرب الذي أريد”.
وشبهت سطايل، خلال هذا اللقاء التلفزيوني، حزب العدالة والتنمية بحزب الجبهة الوطنية الفرنسي العنصري الذي يتجاهله الإعلام الفرنسي، معتبرة أن “العدالة والتنمية حزب لا يحمل مشروعا مجتمعيا ولا رسائل إلى المغاربة، بل يلعب على خيط العروبة والإسلام ويستفيد منه”، مشبهة إياه ب”القطار الذي يصل متأخرا”.
ولم تكن تخفي مديرة الأخبار السابقة، قلقها بسبب استعمال الدين من طرف حزب العدالة والتنمية للنيل من مبادئ الحرية والمساواة وتقييد الحق في الإبداع والاجتهاد والتفكير.
وبلغت مناقراتها مداها مع عبد الإله بنكيران الذي سبق أن قال في أحد تصريحاته إن عليها أن تستقيل من منصبها، فردت عليه بتدوينة كتبت فيها “بالنسبة إلى رجل يحلم بأن يرى النساء المغربيات محتجزات في المطبخ، فإنه ليس غريبا عنه أن يسهر على رؤيتي وأنا أقبع بالبيت”.
كما سبق لها أن وصفت حزب العدالة والتنمية بأنه “يحاول التحكم عن طريق فرض إيديولوجيته على البرمجة التلفزية في القناة”، مشيرة إلى أنه “في حال تمت أدلجة برمجة القناة الثانية، فإن هذا الأمر يلقي بالقناة إلى الهاوية”.
عزيز المجدوب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق