الصباح السياسي

محاكمة رؤساء الجماعات الترابية … الفزاعة

عزل رؤساء ومتابعة آخرين أمام محاكم جرائم الأموال وتحريك التفتيش يثير غضب الأحزاب

أثار قرارات العزل والمحاكمات المتواصلة لعشرات المنتخبين الجماعيين، الكثير من الجدل حول دور سلطات الداخلية ومسؤوليتها في تتبع ومراقبة عمل المجالس، انطلاقا من مهمتها الرقابية في الوصاية.
وإذا كان الجميع مع تفعيل القانون، وتعزيز آليات المحاسبة، في إطار مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، فإن ما يثير تساؤلات العديد من الفاعلين السياسيين والمتتبعين للشأن المحلي، هو دور سلطة الوصاية في المراقبة القبلية والبعدية لعمل المجالس المنتخبة، من خلال التأشير على الميزانيات وجدول أعمال الدورات والمشاريع المبرمجة.
ب.ب

حملة تطهيرية في الجماعات

تقارير مالية وتوصيات لجان تواجه تهمة التأخر والانتظار سنوات قبل معاقبة المخلين بالقانون

تحولت تقارير الوالي، زينب العدوي، المفتشة العامة للإدارة الترابية التابعة لوزارة الداخلية، وإدريس جطو، الرئيس الأول للمجلس الأعلى للحسابات، وقضاة المجالس الجهوية، إلى سلاح فتاك يخيف 32 ألف منتخب، وآلاف الموظفين الذين رفضوا تطبيق القانون بحماية المال العام من النهب وتحويل المشاريع التنموية، إلى مشاريع ذاتية لمراكمة الأموال والاغتناء غير المشروع.
ورفعت تقارير العدوي وجطو وقضاته في مختلف المجالس الترابية، أوراق حمراء في وجه كبار المنتخبين، من خلال إحالة ملفاتهم على القضاء، خاصة إذا ثبت أن هناك خروقات إدارية ومالية بالنسبة للبعض، والاكتفاء بتوجيه الورقة الصفراء في حق الذين لم ” يختلسوا” المال العام، ولم يساهموا في تبديده، واكتفوا فقط بارتكاب أخطاء في التسيير.
والتمس قادة أحزاب، من مراقبي صرف المال العام، عدم التعامل بانتقائية في إحالة الملفات على القضاء، واستعمالها ورقة انتخابية سلبية، لأن أمر المحاسبة يتم منذ السنة المالية الأولى بعد التصويت على ميزانية المجالس الترابية، وليس على بعد سنة من إجراء الانتخابات.
كما انتقد القادة أيضا، التعامل السيئ مع الأعيان القدامى الذين عمروا منذ عشرات السنين في مناصبهم رؤساء جماعات، معتبرين أن تطبيق الفصل الدستوري، ربط المسؤولية بالمحاسبة، كان يجب أن يتم في الفترة الأولى من تدبيرهم للشؤون المحلية، أما وقد اقترب موعد الانتخابات، فإن أمر إحالة ملفاتهم على القضاء، يعتبر بمثابة ” تصفية حسابات”، على اعتبار أن الأعيان القدامى شكلوا شبكة من المسؤولين، الذين قدموا لهم الحماية القانونية والإدارية، حتى لا يتم فضحهم بأنهم تبادلوا معهم المنافع المادية، إذ تساءل الفاعلون السياسيون أين كان المحاسبون حينما راكم رؤساء البلديات، الأموال الطائلة بطرق غير مشروعة؟ ولماذا صمتوا لعشرات السنين، وأغمضوا أعينهم على الاختلالات المالية والإدارية؟ ومن سمح لهم بعدم تحريك أي متابعة ،حينما توصلوا بمعطيات أن رئيس جماعة كان فقيرا، وجمع أموالا بطريقة غير مشروعة، عبر إجراء صفقات عمومية مشبوهة، بينها الاستيلاء على الأراضي التي كانت مخصصة لمحاربة دور الصفيح، والضغط على الفلاحين لبيع أراضيهم بأسعار بخسة، لأنهم يعلمون مسبقا أنها ستدخل المدار الحضري لإعادة بيعها بأضعاف مضاعفة وربح الملايير في رمشة عين، وبيع أرقام “براكات” لهؤلاء النازحين الجدد من البوادي.
والأخطر في المغرب أن تقع المتابعات قبل الانتخابات، ما يخلط الأوراق لدى الناخبين الذين تقدموا بشكايات ضد المنتخبين، ولم تبت فيها الإدارة، خاصة أن عيون مصالح وزارة الداخلية لا تنام، وتعرف كل صغيرة وكبيرة عن أي منتخب، فلا داعي لجر رئيس لأنه ينتمي لحزب ( أ) كي يفوز مرشح حزب ” ب”، هذا ما التمسه قادة الأحزاب مرارا، وسيكشفونه أمام رئيس الحكومة، ووزير الداخلية أثناء فتح مشاورات تعديل القوانين الانتخابية، التي تتطلب جهدا في وضع تصور جديد، يختلف عن بعض المطالب السطحية التي تعتقد أن تغيير نمط الاقتراع من اللائحة إلى الفردي سيساعد بعض الأحزاب على اكتساح نتائج الانتخابات، بل قد ينقلب السحر على الساحر، ويساعد خصومها.
وأضحت المجالس الترابية تشكل عبئا ماليا ثقيلا على خزينة الدولة، بالنظر إلى الإمكانيات المرصودة للتدبير، وصرف تعويضات بالملايين إلى آلاف المنتخبين في مختلف المجالس، والذين يتجاوز عددهم 32 ألف منتخب، يستنزفون ميزانيات الجماعات من خلال التعويضات التي يتقاضونها واستغلال سيارات الدولة واستغلال سفريات الخارج.
وتثير مقاعد المجالس شهية المنتخبين والأحزاب في الوقت الذي يشكو المواطنون ضعف الخدمات التي تقدمها لهم، إذ تؤكد التقارير السنوية أن ما تعرفه المجالس الجهوية، ومجالس الأقاليم والعمالات، والمقاطعات والبلديات والجماعات القروية، من فوضى وعجز عن تدبير الشأن المحلي، يتطلب ثورة هادئة ترتكز على تغيير القوانين، وتقليص عدد المنتخبين من 32 ألفا إلى 12 ألفا، وإعادة النظر في عمل موظفي الجماعات الذين يتجاوز عددهم 150 ألفا، من أجل ضمان النجاعة والفعالية في العمل، وتجاوز حالات الشلل التي تواجهها المؤسسات المنتخبة، جراء التأخر في إنجاز المشاريع التنموية، والتي أشعلت فتيل الاحتجاجات الشعبية في العديد من المناطق، أهمها الريف وجرادة وتنغير وسيدي إفني وزاكورة.
كما تعيش مجالس الجهات والعمالات والأقاليم والبلديات فوضى عارمة في التسيير والتدبير، بسبب الصراعات السياسية التي تتسبب في عرقلة إنجاز المشاريع، والتلاعب في الصفقات والطلبيات العمومية، وخير دليل ما تعرفه العديد من الجماعات من تلاعب في مجال برامج مكافحة مدن الصفيح، أو مئات الهكتارات المخصصة للمناطق الصناعية التي تحولت بقدرة قادر إلى عمارات سكنية، وتحويل مشاريع سياحية على البحر إلى إقامات وفيلات للسكن.
وخلال السنوات الأخيرة، توالى سقوط رؤساء مجالس جهوية تباعا، إذ يتابع العديد منهم أمام محاكم جرائم الأموال بتهمة تبديد المال العام، وسوء التدبير، فيما يخضع آخرون للتحقيق والتفتيش من قبل مصالح الداخلية والمجلس الأعلى للحسابات.

قطع الطريق على الفاسدين

مع اقتراب موعد الانتخابات، باتت الأحزاب مطالبة بإعادة النظر في كيفية اختيار مرشحيها، وتحديد معايير صارمة، بغية قطع الطريق على العناصر التي يمكن أن تسيء إليها في المجالس، وتكوين المرشحين للانتخابات، قبل حلولها بسنتين، وتوزيع دليل المنتخب، قصد تسليح المنتخبين بالثقافة القانونية الخاصة بتدبير الشأن المحلي، وكيفية التعاطي مع بنود الميزانية وتدبير الصفقات، وتسطير برامج حسب الأولويات، وشروط تدبير العلاقة مع المعارضة وسلطات الوصاية.
كما تطرح العديد من الهيآت ضرورة تعديل القوانين الانتخابية، وتقليص وإبعاد شبح البيروقراطية، لتسهيل مأمورية الرؤساء وتجاوز الخروقات الإدارية، وتعزيز آليات الرقابة، لتجاوز حالات التعثر و”البلوكاج” الذي يهدد عمل المجالس.

أحمد الأرقام

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق