خاص

البنوك والتأمينات والأدوية والمحروقات والإسمنت … قلاع محصنة ضد المنافسة

البنوك والتأمينات والأدوية والمحروقات والإسمنت تستفرد بالزبون وتفرض قوانينها

تبددت الآمال في أن يشكل مجلس المنافسة، بتركيبته الجديدة وسلطاته التقريرية الواسعة، حدا للتجاوزات وضمانة لاحترام شروط المنافسة من قبل كل المتدخلين. ويتبين أن الهيأة عاجزة عن ولوج بعض القطاعات التي تفرض إرادتها على الجميع في تحد صارخ للمجلس. تستعرض “الصباح” نماذج لبعض القطاعات التي تظل في منأى عن أي مساءلة، لتستفرد بالزبون وتفرض عليه شروطها في ظل علاقة إذعان.

إنجاز: عبد الواحد كنفاوي

البنوك… استفراد بالزبون

لا تختلف العمولات المقتطعة على الخدمات البنكية بشكل كبير بين المؤسسات البنكية، إذ أن كلفة مسك حساب بنكي تكاد تكون مشابهة بين مختلف المؤسسات البنكية، بسبب التمركز الذي يميز القطاع البنكي، ما يجعل المنافسة محدودة بين مختلف الفاعلين البنكيين، علما أن العمولات تمثل القسط الأكبر من الأرباح التي تحققها.
وأشار بنك المغرب، في هذا الصدد، إلى أن مؤشر أسعار الخدمات البنكية ارتفع بوتيرة أعلى مرتين من مستوى التضخم. وأكد البنك المركزي أن تعريفات الخدمات ارتفعت، خلال أربع سنوات الأخيرة بنسبة 11 %، وذلك رغم إقرار المجانية لـ 22 خدمة بنكية.
وتفرض المؤسسات البنكية تقنيات ومقتضيات تنظيمية سنتها بنفسها وتوافقت عليها لضمان الحصول على المزيد من العمولات، من قبيل ما يعرف بتاريخ القيمة، أي التاريخ الذي تحتسب فيه العملية التي يقوم بها الزبون، الذي يتغير حسب مصلحة المؤسسة البنكية، فإذا تعلق الأمر بتحويل لفائدة الزبون فإن قيمة التحويل لا تسجل إلا بعد مرور 48 ساعة على العملية. وهكذا، فإنه إذا كان الزبون لا يتوفر على رصيد في حسابه قبل عملية التحويل ويستفيد من تسبيقات مالية، فإنه عندما يسحب، في اليوم نفسه الذي تتم فيه عملية التحويل البنكي، فإن المبلغ يحتسب من قبل البنك عبارة عن تسبيق مالي على الحساب وتقتطع عليه عمولات، لأن عملية التحويل لم تحتسب بعد. كما أن البنوك عندما تحتسب معدل الفائدة على القروض الممنوحة لزبنائها، فإنها تعتمد على حساب خاص بها، إذ تعتبر أن السنة لا تتضمن سوى 360 يوما، في حين أن أيام السنة تصل إلى 365 سنة، خلال السنة البسيطة و 366 يوما في السنة الكبيسة، وينتج عن ذلك أداء الزبون نسبة فوائد أعلى من التي يتم الاتفاق بشأنها.
في السياق ذاته تعتمد كل البنوك المقتضيات ذاتها المتعلقة بالحسابات تحت الطلب، إذ لا توجد أي مؤسسة تؤدي فوائد على هذا الصنف من الحسابات، التي يودع بها الزبناء مداخيلهم جارية بدون مقابل، لتعيد إقراضهم ما سبق أن جمعته من لديهم بأسعار فائدة مرتفعة، كما تقتطع من حساباتهم الجارية غير المؤدى عنها عمولات مقابل تدبيرها. الأدهى من ذلك أن الزبون عندما يتعذر عليه سحب نقود بواسطة البطاقة البنكية ويضطر إلى اللجوء لصندوق مؤسسته البنكية من أجل الحصول على السيولة، يتعين عليه سحب شيك الصندوق وأداء 18 درهما مقابل ورقة الشيك، رغم أن أمواله مودعة لدى مؤسسته البنكية، تتصرف فيها دون أي مقابل. وإذا تأخر الزبون في أداء أحد الأقساط الشهرية لقرض استفاد منه، فإن مؤسسته البنكية توجه إليه إشعارا وتقتطع من حسابه مبلغ 40 درهما، والمفروض أن لا تأخذ المؤسسة البنكية سوى التكاليف الحقيقية المترتبة عن إرسال وثيقة داخل المغرب.

التأمينات… أسعار مماثلة

يلاحظ، بالفعل، أن هناك اختلافا بين الأسعار المعلنة من قبل شركات القطاع، خاصة ما يتعلق بالمنتوجات التكميلية. لكن عندما يتعلق الأمر بالتأمين على المسؤولية المدنية للمركبات يختفي الفرق وتتوحد مختلف الشركات على سعر محدد حسب نوع المحروقات وعدد الأحصنة والاستعمال، إضافة إلى الحمولة ومعامل التخفيض والزيادة (CRM). وهكذا، إذا كانت مركبتان تتوفران على الشروط ذاتها، فإن التعريفة السنوية المطبقة من قبل مختلف الشركات في ما يتعلق بالمسؤولية المدنية تكون مشابهة. الأدهى من ذلك أن شركات التأمين يربطها تعاقد تحت اسم اتفاقية التعويض المباشر، تقضي بأن يتم تعويض المؤمنين في الشركات الموقعة على الاتفاقية بشكل سريع في حدود مبلغ معين، إذ في حال وقوع حادثة بين سيارة مؤمنة عند شركة تأمين «أ» مع سيارة مؤمنة عند شركة «ب»، وكانت السيارة الأولى هي المخطئة، فإن شركة «ب» تؤدي مبلغ التعويض للمؤمن عندها بشكل سريع على أن تستخلص المبلغ من الشركة «أ». وتهدف هذه الاتفاقية إلى ضمان السرعة في أداء التعويض، إذ كان زبناء شركات التأمين يشتكون من طول فترة معالجة ملفات التعويض، فاهتدت الشركات، بعد تحرير القطاع، إلى التوقيع على اتفاقية في ما بينها لتعويض زبنائها في وقت قياسي. لكن العنصر غير الواضح في الاتفاقية أن الانخراط فيها والاستفادة من امتيازاتها يقتضيان بعض الشروط غير المعلنة، التي تفسر سبب تشابه تعريفة تأمين المسؤولية المدنية على السيارات، إذ هناك توافق على تحديد سعر معين على هذا الصنف من التأمينات يتعين على كل الشركات الالتزام به تحت طائلة الحرمان من العضوية في الاتفاقية.
لذا نجد أن تعريفات جميع شركات التأمين الموقعة على الاتفاقية متشابهة، ويكفي للتأكد من ذلك اللجوء إلى مختلف شركات التأمين وطلب السعر الذي تقترحه للتأمين على المسؤولية المدنية لسيارة معينة، ليتضح أن السعر لا يختلف مهما تغيرت الشركات.
الأمر الذي يخالف قانون حرية الأسعار والمنافسة الذي يمنع التفاهم بين شركات قطاع معين حول سعر محدد. وأكد مصدر من مجلس المنافسة أن القانون واضح في هذا الباب، وإذا ثبت أن هناك بالفعل تفاهما، فإنه يتعين اتخاذ تدابير زجرية في حق الشركات المخلة بالقانون، لأن التوافق على سعر محدد يضر

بمصلحة المستهلك.

لكن شركات التأمين تؤكد أن هناك منافسة بينها، وأنه يوجد فرق في سعر العروض المقدمة من قبلها. مما لا شك فيه أن التعريفات تختلف، لكن تلك المتعلقة بالتأمينات التكميلية، في حين أن تأمينات السيارات، خاصة المسؤولية المدنية على المركبات، التي تمثل ثلثي رقم معاملات الشركات لا يوجد أي فرق فيها بين الشركات، ويمكن التأكد من ذلك بسهولة، من خلال المقارنة بين عروض مختلف الشركات في ما يتعلق بهذا الصنف من التأمينات.
وأكد أحد وكلاء التأمين، في تصريح لـ»الصباح» أنه لا يوجد أي فرق بين تعريفات المسؤولية المدنية على المركبات، وأن الفرق في ما يتعلق بعروض التأمين الأخرى يمكن أن يختلف من شركة إلى أخرى بفارق يتراوح بين 50 درهما و150.

الأدوية… التنافس المتمركز

رغم أن أسعار الأدوية مقننة، فإن التمركز الذي يعرفه سوق صناعة وتسويق الأدوية، يمكن الفاعلين في القطاع من الضغط على السلطات العمومية بما يساير مصالحهم. وتوظف شركات الأدوية كل الوسائل من أجل الحفاظ على مكتسباتها وتنميتها. وأثبتت دراسة أنجزها مجلس المنافسة، في عهد رئيسه السابق عبد العالي عمور، أن القطاع يشهد تمركزا قويا، استنادا إلى المعايير المعتمدة دوليا في هذا المجال، خاصة تلك المستعملة من قبل السلطات الأمريكية لمحاربة التمركز. وأكد معدو الدراسة أن خمسة فاعلين الأوائل في صناعة الأدوية يهيمنون على 44 في المائة من حصة السوق، و أن 8 فاعلين يسيطرون على 64 في المائة ، مقابل 35 في المائة في الولايات المتحدة الأمريكية، في حين أن 20 شركة من أصل 40، تسيطر على 95 في المائة من حصة السوق، كما أن شركة واحدة تسيطر على أزيد من 10 في المائة من سوق الأدوية بالمغرب.
وأكدت الدراسة أنه يصبح التفاهم مع هذا التمركز، واردا بين الفاعلين، لتحديد الأسعار وتقسيم الحصص، خاصة ما يتعلق بأدوية الأمراض الخطيرة المكلفة.

المحروقات… الملف الملتهب

يكتسي ملف المحروقات أهمية خاصة لأن ارتفاع أسعارها بشكل مبالغ فيه يؤثر أفقيا على كل القطاعات، وذلك لأن آثارها تكون مباشرة على كلفة النقل، فتنعكس بشكل مباشر على أسعار كل المواد والمنتوجات التي ترتفع كلفة إيصالها من موقع الإنتاج إلى المستهلك. كما أن أصحاب السيارات يتحملون كلفة إضافية من الزيادات المبالغ فيها، ما يؤثر على توازناتهم المالية.
وأكد تقرير اللجنة البرلمانية حول المحروقات أن هامش ربحها عرف زيادة بقيمة 96 سنتيما في اللتر بالنسبة إلى الغازوال و76 سنتيما في ما يتعلق بالبنزين، وذلك مقارنة بمستواه قبل التحرير، ما يعني أن الشركات ضاعفت أرباحها بعد التحرير.
واضطرت الحكومة، بعد النقاش الذي صاحب صدور التقرير، إلى تسقيف هامش ربح الشركات وإدراج أسعار المحروقات من جديد ضمن لائحة المواد المقننة أسعارها، ووجهت طلبا إلى مجلس المنافسة من أجل إبداء رأيه في الموضوع، فكان سلبيا، إذ اعتبر القرار غير ذي جدوى، فكان أول قرار يتخذه، في هذا الملف، يصب في مصلحة شركات التوزيع.
وما يزال ملف المنافسة في قطاع المحروقات في طور البحث، ولم يصدر المجلس بعد قراره بهذا الشأن.

الإسمنت… أسعار لا تعكس الأزمة

رغم الأزمة التي تضرب قطاع البناء والأشغال العمومية والإنعاش العقاري، أكثر القطاعات المستهلكة للإسمنت، فإن أسعار هذه المادة، ما تزال تتحدى الأوضاع، وتصر الشركات على الإبقاء على أسعارها في مستوياتها. وهكذا نجد أن بعض فروع المجموعات الدولية بالمغرب تحقق هامش ربح يتجاوز بكثير ما تحققه الشركات الأم، إذ وصل الهامش المسجل في إحدى المجموعات المشهورة في المجال إلى أزيد من 45 في المائة، في حين لم يتعد لدى شركتها الأم 20 في المائة. ويتراوح كيس الإسمنت «CPJ» 45 من حجم 50 كيلوغراما، المستعمل في الإسمنت المسلح والخرسانة الموجهة للأشغال الكبيرة، 74 درهما لدى بائعي مواد البناء بالتقسيط بالبيضاء، في حين يصل الكيس من صنف «CPJ» 35، المستعمل في الأشغال البسيطة، إلى 72 درهما. وأكد عدد من بائعي مواد البناء بالتقسيط أن الأسعار لا تختلف، وتكاد تكون مماثلة. ويمثل هذان الصنفان حوالي 90 في المائة من رقم مبيعات شركات الإسمنت.
وارتفع سعر صنف “CPJ « 45، من 860 درهما للطن، أي 43 درهما لكيس من حجم 50 كيلوغراما، عند بائعي مواد البناء بالتقسيط، خلال 2000، إلى 1480 درهما، أي 74 درهما لكيس من حجم 50 كيلوغراما، ما يمثل زيادة بنسبة 72 %.
وإذا كانت الزيادة يمكن تبريرها إلى غاية 2011 بالارتفاع الملحوظ للطلب، إذ انتقل الاستهلاك الوطني من 10 ملايين طن إلى 16 مليونا، لكن منذ ذلك الحين عرف الطلب تراجعا ليتقلص الاستهلاك إلى 14 مليون طن، لكن الأسعار ظلت في مستوياتها، علما أن هناك عددا من الشركات التي أحدثت، خلال هذه الفترة، مكنت من رفع حجم الإنتاج بضعفين، ليصل، حاليا، إلى 21 مليون طن.
ويطرح هذا الوضع السؤال حول حقيقة المنافسة داخل القطاع، إذ من المفترض في ظل سوق يعاني الركود أن تلجأ الشركات إلى مراجعة أسعارها وتقليص هامش ربحها من أجل إنعاش المبيعات، لكن التمركز يميز القطاع، إذ أن مجموعة واحدة تهيمن على 55 في المائة من حصص السوق، يجعل من الصعب على الشركات الأخرى تخفيض أسعارها. ويفرض هذا الواقع على مجلس المنافسة فتح بحث من أجل التحقق من مستوى المنافسة داخل هذا القطاع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق