خاص

تجميـل الرجـال … الفحولـة في خطـر

صالونات حلاقة تقدم خدمات نسائية للزبائن وخبراء يؤكدون تأثيرها على الميول الجنسي والفحولة

“كيراتين”، “تانينو”، “سوشوار”، “مانيكير”، وغيرها من الخدمات التي اعتادت صالونات التجميل النسائية تقديمها لزبوناتها بأثمنة مختلفة، أصبحت اليوم تعتلي قائمة خدمات التجميل التي تقدمها محلات “الباربر شوب” وصالونات الرجال، ذلك أن الحلاقة بالنسبة إلى معظمهم لم تعد مجرد عادة أسبوعية أو شهرية لقص الشعر، بل أضحت تستلزم استعمال العديد من المستحضرات التجميلية للعناية بالوجه والبشرة والأظافر، أملا في الحصول على مظهر أنيق وجذاب. في هذه الورقة سنسلط الضوء على أبرز الخدمات التي تقدمها هذه المحلات، والدوافع الاجتماعية والمهنية والنفسية للجوء العديد من الشباب إليها، من منظورهم الخاص، ووجهة نظر اختصاصيين وخبراء.

شهدت صالونات حلاقة للرجال إقبالا ملحوظا في السنوات الأخيرة، بفضل خدمات التجميل التي أضحت تقدمها لزبنائها بشكل تنافسي، في ظل تزايد طلباتهم على مستحضرات العناية بالبشرة والشعر، التي لم تعد حكرا على النساء فقط، بل وجدت لها مكانا في رفوف هذه المحلات، رغم أن بعضها قد يتجاوز الضرورة ويصبح من المبالغات.

بين الضرورة والمبالغة

في الوقت الذي يلجأ فيه عدد من الرجال إلى هذه الفضاءات من أجل الحصول على قصة شعر معينة أو وجه خال من الشوائب والرؤوس السوداء، أو لحية مثالية وشارب مهذب، يحرص البعض منهم على العناية بأظافره وأقدامه، وإزالة الشعر الزائد بالشمع أو الخيط، والخضوع لجلسات ترطيب الوجه بالبخار، بشكل دوري، وغيرها من أساليب العناية بالبشرة، التي يعتبرونها من الضروريات، مهما بلغت أثمنتها.
ويقول حميد، مصفف شعر يملك صالون حلاقة وتجميل مشترك بحي المعاريف بالبيضاء، إن طلبات الزبائن تختلف حسب أعمارهم وشخصياتهم وطبيعة اشتغالهم، فهناك من يرغب في الحصول على قصات مشابهة لنجوم كرة القدم أو فنانيهم المفضلين، ومن يسعى إلى تغيير “ستايله” بشكل كلي، أو الاعتناء ببشرته ولحيته للظهور بشكل مثالي أمام أرباب عمله أو زبنائه، ومن يتردد على الصالون لحلاقة شعره ولحيته فقط، دون أن تستهويه باقي خدمات التجميل “المبالغ فيها”.

قصات شعر حديثة

أفاد حميد، في حديثه مع “الصباح”، أن معظم الشباب يقصدون صالونه من أجل الحصول على قصات شعر حديثة تعكس أناقتهم وشخصيتهم، مشيرا إلى أن الأكثر طلبا عليها هي قصة “الديكراديه”، التي يتم فيها حلق جوانب الشعر وتخفيفه بشكل تدريجي، مع تصفيف الغرة باستعمال “السوشوار” والكريمات كي تظهر بشكل مميز، أو تركها على حالتها الطبيعية مع عدم تصفيفها.
وأوضح خبير التجميل أن لكل رجل قصة شعر تناسبه، حسب شكل وجهه وسنه وطبيعة شعره، مؤكدا أنه لا يتردد في اقتراح الأنسب منها لكل زبون في حال ترك حرية الاختيار له، رغم أن بعضهم قد يصمم على الحصول على تصفيفات يأتون بنماذجها من الانترنت، ويقول “يستطيع أصحاب الوجه البيضاوي الحصول على أي قصة تسمح بظهور شعرهم بشكل طبيعي أثناء النمو، بفضل شكل وجههم المتوازن، أما أصحاب الوجه المستدير، فيجب الحرص على تصفيف شعرهم بطريقة تظهر طول الوجه وليس عرضه، لذلك يجب مراعاة عدم طول شعر الجانبين لكي لا يبدو الوجه أصغر، فيما يسمح الوجه المستطيل والمربع بتنفيذ الكثير من القصات الكلاسيكية، مثل الشعر القصير الممشط للخلف أو على الجنب، مع مراعاة عدم تقصير الجانبين، لعدم إظهار الشكل المستطيل للوجه أو الفك البارز لأصحاب الوجه المربع أكثر من اللازم”.

“كيراتين” و”تانينو”
يؤكد حميد أن العناية بالشعر لم تعد محصورة على قصة شعر و”بروشينغ”، بل أضحت تستلزم الخضوع لحمامات زيت وعلاجات مركزة لتقويته، تماشيا مع متطلبات العصر وتطور أساليب العناية بالشعر، موضحا “هناك من يطلب علاج شعره الخشن بالكيراتين، من أجل الحصول على شعر ناعم، أو البوتوكس، الذي يحتوي على مواد مركزة كزيت الكافيار والفيتامينات والكولاجين، من أجل علاج الشعر التالف وملء أي مناطق خفيفة، بهدف جعل مظهره أكثر امتلاء ولمعانا، أو الـ”تانينو”، وهو بروتين يحتوي على الأحماض الأمينية التي تتغلغل بداخل الخصلات وتصلح الشعر التالف، أو الـ”ليساج” البرازيلي، الذي يعد تقنية لتنعيمه وتغذيته، وتختلف أثمنتها حسب طول الشعر،إذ تتراوح بين 300 درهم و700. في المقابل، هناك الزبناء الذين يطلبون تجعيد شعرهم، تناسبا مع تسريحة ما يريدونها لأنفسهم”.

الأفارقة وعقدة الشيب
لطالما اعتبرت صباغة الشعر حلا نسبيا ومقبولا لمن يشكون ظهور الشيب في سن مبكر أو متأخر، لكن، وخلافا للسابق حين كان الرجل يطلب لونا مشابها تماما للون شعره، فإن الإقبال على الصباغات الكيماوية تحول إلى “موضة شبابية”، لا تقتصر فقط على الشعر بل حتى اللحية، كما باتت الخيارات تشمل ألوانا جريئة تخاف حتى بعض النساء من تجربتها.
وأوضح حميد أن عديدا من الشباب يطلبون صباغة شعرهم ولحيتهم كي يظهرا بشكل كثيف، سواء باللونين الأسود أو البني، فيما يفضل بعضهم صباغة بضع خصلات من شعرهم بالأصفر أو الرمادي (ليميش)، أو الحصول على ألوان صيفية كالأخضر والأزرق والوردي، خاصة المراهقين والشباب الذين لا يتجاوز سنهم 19 سنة، ورواد بعض المهرجانات كـ”البولفار”.
وأكد المتحدث ذاته، أن معظم زبنائه المتقدمين في السن يلجؤون إلى صباغة الشعر بغرض تغطية الشعر الأبيض فقط، وأكثرهم من ذوي البشرة السمراء والأصول الإفريقية، الذين يأتون في الغالب لطلب هذه الخدمة دون غيرها، ويواظبون على تجديدها باستمرار لأنهم “يكرهون الشيب”.

“مانيكير” و”كوماج”
يقول وسيم، وهو أحد زبائن صالون حميد المعروف باستقطاب عشاق قصات الشعر الفريدة، إنه يتردد على فضائه الخاص بالحلاقة والتجميل، أسبوعيا، من أجل الحصول على الخدمات ذاتها، والتي تشمل تحديد اللحية وقص أطرافها، أو ما يسمى بـ”الطراساج”، ثم صباغتها بلون مشابه للونها الطبيعي، وترطيبها، لتجنب جفاف بشرته بعد الحلاقة، مع تقليم الحواجب، وعمل “المانيكير”، وماسكات العناية بالبشرة، ناهيك عن قصة الشعر “الديكراديه”، بكلفة إجمالية لا تتجاوز 450 درهما.
ويعلل العشريني، الذي يشتغل في مجال الموضة، اختياره لهذه الخدمات قائلا ” إن طبيعة عملي تحتم علي الظهور بمظهر أنيق ومثالي، لذلك ألجأ إلى “الكوماج” وجلسات العناية بالبشرة، من أجل التخلص من الشوائب والرؤوس السوداء، والحفاظ على نضارة بشرتي، مع تقليم الحواجب لضبط الشعر الزائد الذي ينمو عشوائيا، لا غير، كما أقوم بصباغة اللحية كي تظهر بشكل كثيف، بالنظر إلى أن نمو الشعر فيها غير متساو، ثم العناية بأظافر يدي لتظهر بشكل أنيق”، مشيرا إلى أن “اللجوء إلى هذه الخدمات لا ينقص من الرجولة شيئا، بقدر ما يعكس مستوى النظافة الشخصية للرجل”.

خدمات تشمل المثليين
يؤكد حميد أن بعض الخدمات التجميلية كالعناية بالأظافر وإزالة الشعر الزائد، لم تعد تقتصر على النساء فقط، بل أضحت من الأمور التي يطلبها الرجال، خاصة خلال فصل الصيف، مشيرا إلى أنها غير محصورة بفئة عمرية أو اجتماعية معينة، وأن معظم المواظبين عليها هم أشخاص يشغلون مناصب مهمة في عملهم، أو يشتغلون في مجالات الإشهار والموضة والفن، لأنهم يحرصون أكثر من غيرهم على الظهور بمنظر مثالي.
ويشير محدثنا إلى أن حدة اللجوء إلى مثل هذه الخدمات، خاصة “البيديكير” وإزالة الشعر بالشمع والخيط، تختلف حسب الميولات الجنسية، إذ لا تتجاوز زيارات الرجال الذين يطلبونها لغرض الاهتمام بالنظافة الشخصية مرة أو مرتين في الشهر، وتقتصر على تقليم أظافر اليد وإزالة شعر الصدر والوجنتين بالخيط أو الشمع، لأن “الموس” والشفرات تسبب لهم البثور أو تترك السواد بعد الحلاقة، أما الزيارات الأسبوعية التي يحرص فيها الزبون على الخضوع لجلسات إزالة شعر الجسد كليا، مع ترطيب اليدين والقدمين وتغذية الأظافر وإزالة الجلد الميت، فتكون في الغالب من قبل مثليين يشتغلون في مجالات متعددة.

ميولات أنثوية
من جهته، أرجع محسن بنزاكور، متخصص في علم النفس الاجتماعي، لجوء الرجال للخدمات النسائية بصالونات الحلاقة إلى عوامل اجتماعية ونفسية، مشيرا إلى أن بداية اقتحام الرجال للعالم النسائي كانت من خلال اللباس والموضة، وتحديدا عبر الألوان النسائية، بعد أن لجأ بعض المغنين إلى ارتداء الألوان التي كانت خاصة بالنساء، بعد أن شهدت المجتمعات، قبل ذلك، اقتحام المرأة لحياة الرجل، من خلال ارتداء السترات الرجالية وربطة العنق، وقص شعرها وامتهان المهن الرجالية، لتتطور الظاهرة بشكل أكثر جرأة تماشيا مع تطور المجتمعات، ويجد الرجال بذلك مبررات أكثر للميولات الأنثوية التي لديهم.
ويوضح بنزاكور أن احتمال ميول الرجل للمرأة من الناحية البيولوجية موجود، لكن المجتمع هو الذي يؤقلمه، ويقوم بعملية التنشئة الاجتماعية التي تميز لديه الجانب الذكوري، لهذا حرصت بعض الثقافات على الفصل بين النساء والرجال من خلال تسريحة الشعر وطريقة المشي وأمور أخرى، ما يدل على أنها عوامل اجتماعية أكثر منها بيولوجية، مضيفا “في بعض الأحيان قد يكون هناك اختلاط بين ما هو نفسي وما هو اجتماعي، ذلك أن بعض الحالات تتخفى وراء ما نسميه العمل والمظهر للجوء للخدمات التجميلية، بغرض التعبير عن الميولات الأنثوية الموجودة بداخلها، والتي ليست بالضرورة ميولات جنسية، بعيدا عما نسميه الطابو، فاللجوء للشمع الذي يعد منهجية وأسلوب تجميل نسائي، بينما هناك أساليب ذكورية من أجل إزالة الشعر ، بدعوى أنه يمكن من المباعدة بين أوقات الحلاقة، هي مبررات غير حقيقية، لأن الفرد قد يلجأ لليزر مثلا”.

انفتاح على المثلية
يؤكد عالم الاجتماع، في حديثه مع “الصباح”، أن لمثل هذه السلوكات تأثيرا على المستوى السلوكي والجنسي للرجل، واحتمال انفتاحه على السلوك الأنثوي أكثر من السلوك الذكوري، مضيفا “الإشكال هنا ليس في المظهر، بل ما لهذا المظهر من آثار على “الليبيدو” أو الرغبة الجنسية التي تكون لدى الإنسان بطريقة طبيعية، والتي تحتاج إلى نوع من الخشونة والفحولة، التي يتم التخلص منها من خلال اللجوء لخدمات التجميل النسائية، ذلك أن ما يبحث عنه الرجل لدى المرأة (النعومة والدقة في التفاصيل) سيكون موجودا في جسده، وبالتالي سيضطر للبحث عن المقابل، ويدخل عالم المثلية”.
وفي السياق ذاته، تساءل عالم الاجتماع عن مجالات العمل التي تفرض على الرجل أن يلجأ لهذه الخدمات، باستثناء الدعارة، مشيرا إلى أن مهن الإشهار أو المودلينغ، تخصص لأصحابها استوديوهات بأماكن التصوير للعناية بالمظهر حسب المعايير المطلوبة، لكن الأمر تجاوز الضرورة المهنية إلى عادة اجتماعية وتطبع في السلوك”.

بنزاكور : هل تنازل المغربي عن فحولته؟
يرى بنزاكور أن المبالغة في الخضوع للخدمات التجميلية (النسائية) تبدأ حينما يكون هناك تشبه بالنساء، الذي يعتبر أمرا مرفوضا في الثقافة المغربية، لأن له بعدا دينيا ( لعن الله المتشبهين بالنساء والمتشبهات بالرجال)، ويقول “حينما يكون الإنسان أمام الضرورة، يمكنه اللجوء إلى هذه الوسائل مع الحفاظ على التوازن النفسي، لأنه يقوم بها للحاجة فقط دون إعجاب بها، لكن حينما يتجاوز الضرورة إلى الإعجاب بالذات والتفاصيل الجمالية التي تشترك مع الأنثوية، هنا يصبح الأمر خطيرا، لأن المظهر الخارجي له دور أساسي في “الليبيدو” والفحولة.
ويستطرد حديثة قائلا “من الناحية النفسية فإن تجاوز الضرورة للجوء لمثل هذه الوسائل يمس فحولة الرجل، فيصبح لديه نوع من العجز الجنسي أو البرود الجنسي، بمجرد أنه يتمثل بالمرأة من حيث لا يدري، سواء من خلال المشية أو قصة الشعر أو العطور أو الصباغة أو غيرها، لأن القدوة أو المثال بالنسبة إليه تكون هي المرأة وليس الذكر، في الوقت الذي اقتضت فيه الضرورة في المجتمع المغربي أن يكون هناك حضور للفحولة لدى الرجل، وتجاوز كل ما يمكن أن يضيف نوعا من الإثارة على المستوى الجمالي والجسدي، وبالتالي فتخطي هذه الرؤية يدفعنا للتساؤل، هل تنازل الرجل المغربي عن فحولته مقابل اقتحام العالم النسائي، للحصول على “اللوك”، أو المظهر الخارجي الذي يرغب فيه؟

إنجاز : يسرى عويفي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق