ربورتاج

الداخلـة … “القصايـر” وراء ستـار

بنات متحررات يتمتعن بأنوثة طاغية وبعضهن يعشقن ״الويسكي״ والجنس

الداخلة مدينة خالية من أماكن السهر والترفيه. مطاعمها، تقفل في منتصف الليل، ليفتح معها “الكرابة” جرابهم المليئ بجميع أنواع الكحول المهرب. كل شيء متوفر في هذه المدينة ذات الوضعية الحساسة، من “الجوانات” إلى “الطاسة” والكوكايين. لكن “الفيشطة” لا تحلو إلا في السر ومن وراء ستار. وليس أمام أعين المتلصصين. خلف جدران بعض البيوت والمنازل، تمارس جميع أنواع الممنوعات . لكن بنات الداخلة، لديهن إصرار على أن الأمر متعلق بأسلوب حياة حداثي ومتحرر. “الصباح” تجولت في بعض حانات ومطاعم وسط المدينة، كما حضرت ليلة “زهو ونشاط، وخرجت بالورقة التالية:

نورا الفواري: (موفدة “الصباح” إلى الداخلة)

يتعايش سكان الداخلة مع إيقاع حياة رتيبة، تكاد تتكرر فيها السيناريوهات نفسها كل يوم. “صحاب الداخل”، يبدؤون نهارهم في وقت مبكر، يلتحقون بوظائفهم أو أشغالهم، في إطار بحثهم اليومي عن “طرف ديال الخبز”، في حين يحب “صحراوة” النوم إلى ساعة متأخرة من اليوم، ولا يفتحون محلاتهم إلا في حدود الرابعة مساء. بعد العمل، يلتقي الجميع في المقهى أو في المطاعم أو الحانات، المحسوبة على رؤوس الأصابع، والموجودة في بعض الفنادق، دون غيرها.

“الكرابة مون أمور”

لا توجد في الداخلة فضاءات للترفيه أو السهر. لا سينما. لا مراكز للتسوق أو مولات. لا مقاهي شيشة ولا كباريهات. هناك فقط مطاعم تقدم “الشراب” وتضطر إلى إقفال أبوابها في منتصف الليل، وتتوقف عن استقبال الزبائن ابتداء من العاشرة والنصف، تاركة المجال مفتوحا ل”الكرابة” الذين يبيعون، خفية، جميع أنواع الكحول، أغلبها مهرّبة.
الدخول إلى حانة أو مطعم في الداخلة ليس بالأمر الهين. فأنت تتعرض لعملية مراقبة دقيقة من “ساسك” إلى “راسك”، قبل أن يطمئن إليك حارس الأمن في المدخل ويسمح لك بالولوج، خاصة إذا لم تكن من الزبائن المعتادين. يقول أحمد، نادل في أحد المطاعم الشهيرة بالداخلة، وهو يتحدر من إفران وقدم إلى المدينة بحثا عن عمل قبل سنة ونصف، في حديث إلى “الصباح”: “وضعية المدينة حساسة. لذلك نتخوف كثيرا من وقوع فوضى أو مشاكل تتسبب في إقفال المطعم أو نزع ترخيص الكحول عنه. لذلك تلح صاحبته، وهي فرنسية الأصل، على أن تتم مراقبة كل من يرغب في الدخول والتأكد من أنه لا يبحث عن افتعال مشكل أو نزاع، وما أكثرهم هنا”. قبل أن يضيف، “هناك بعض الزبائن الذين يقرعون الكؤوس طيلة الليل، وحين يأتي وقت دفع الفاتورة، ينقلبون، ويبدؤون في الصراخ، فنضطر إلى تهدئة الأمور حتى لا تتحول إلى ما لا تحمد عقباه، ونطلب منهم مغادرة المكان بدون دفع الحساب، وهو ما يستجيبون له فورا، في حين نؤدي الفاتورة من جيبنا ومالنا الخاص”.

“الطاسة”… “الغبرة” و”الحشيش”

أحد الفنادق الشهيرة في المدينة، والذي كان واحدا من بين قلائل جدا لديهم تصريح بتقديم الكحول، اضطر صاحبه إلى إغلاق الحانة التابعة له، والتي كان عليها إقبال كبير من السكان، حتى يتخلص من “الستريس” و”صداع الراس”، وهو يمني النفس، كل ليلة، أن تمر كل الأمور على خير، ولا يقع ما يمكن أن يتسبب له في مشاكل حقيقية مع السلطات، التي لا تتساهل في مثل هذه النوعية من المواقف، لأن الأمر يتعلق بأمن واستقرار مدينة ليست ككل المدن.
تتزود المطاعم والحانات في الداخلة بكحولها من أحد المطاعم الشهيرة بالمدينة، الوحيد الذي لديه ترخيص ببيع الكحول إلى المطاعم والحانات الأخرى، وحتى إلى المواطنين العاديين الذين يشترون منه ب”الهبل”، يقول أحد مصادرنا. أما من لا تأتيه “الطاسة” على هواه، فهناك جميع أنواع الممنوعات متوفرة في الداخلة، بما فيها “الحشيش” و”الغبرة” التي أصبح لها زبائن متنوعون يقبلون على شرائها. يكفي أن يكون الشخص على معرفة بمزود معين حتى “يقضي الغرض” وتأتيه بضاعته إلى حيث يوجد، بكل السهولة الممكنة، يؤكد المصدر نفسه، مضيفا “ما كاين والو فهاد المدينة. بنادم خاصو يدوخ بشي حاجة. ما يمكنش تعيش هنا ساحي طول الوقت. لذلك فالسلطات تتغاضى عن الكثير من الأمور باش يدوز الما”.
في جميع المطاعم التي زارتها “الصباح”، لا وجود للكثير من الصحراويين. أغلب الزبائن من “الداخل”، فبعض أهل الداخلة، خاصة من الأعيان والقبائل المعروفة، يفضلون “القصارة” في منازلهم.

تحرر وممنوعات

“الصباح” كانت حاضرة في إحدى تلك السهرات الليلية الخاصة، التي لا يحضرها من هب ودب، بل فقط الأصدقاء المقربون وذوو الثقة، فالأمر يتعلق بأعراض ناس، محافظون خارجيا، متحررون إلى أبعد الحدود . جميع أنواع المخدرات والكحول موجودة في تلك الفيلا البعيدة عن وسط المدينة، إضافة إلى أنواع “راقية” من “القطعة”، المكونة من اللحوم المدخنة والأسماك الغريبة التي لم يسمع أحد عن اسمها من قبل، والمحار و”الكافيار”، إضافة طبعا إلى الجمال المشوية. يشرف عدد كبير من الخدم على كل صغيرة وكبيرة من أجل راحة الساهرين، بمن فيهم أولئك الذين لا يحبون الخمر ويأتون فقط من أجل لذة أخرى، والذين خصص لهم ركن “يتييو فيه” (يشربون كؤوس الشاي الصحراوي الثقيلة واللذيذة).
الجنس اللطيف حاضر بقوة في هذه الليلة من ألف ليلة وليلة. أغلبهن “بنات الداخلة”، بملاحفهن الثمينة وماكياجهن الموضوع بعناية وعطور العود الراقية التي تهب نسماتها على المكان، فتزيده سحرا وألقا، منهن من تسترخي، في أنوثة طاغية، على الكنبات، ومنهن من تفضل أن “تتربع” على “لبدة” تقليدية فخمة، يتبادلن الحديث بينهن ويتغامزن ويتلامزن. عيونهن كعيون صقر يبحث عن فريسته من بين الرجال الحاضرين. فبعض الصحراويات “زهوانيات”، وهن من يخترن شركاؤهن، وليس العكس، خاصة حين يصل “الويسكي” إلى الرأس وتصل معه الشهوة و”الليبيدو” إلى القمة. (بنات الداخلة يفضلن المشروبات “القاصحة” على النبيذ أو الجعة).
النكات البذيئة والكلام النابي سائدان على الحوارات التي تجمع بين ضيوف هذه الحفلة، وحتى لو كان نصف الكلام غير مفهوم، فهناك عبارات وحركات لا يخطئ اللبيب في فهم معانيها. بين حين وآخر، تنهض واحدة من مكانها وتبدأ في الرقص على إيقاع “الكدرة” أو بعض الأغاني الخليجية القديمة، وقد تصل بها نشوة الكأس وحلاوة النغم، إلى التخلص تدريجيا من “ملحفتها”، ثم من جزء كبير من ملابسها. حينها، تتفتق قريحة شاعر من الساهرين، فيلقي في حقها قصيدة عشق وغزل ب”الحسانية” يطرب لسماعها الحاضرون، قبل أن يقع المحظور، فتجدها بين أحضان رجل تطارحه الغرام في إحدى غرف الفيلا، قبل أن يخرجا أمام الجميع، بشكل عاد، وكأنهما كانا في اجتماع عمل.

“دلعها دلعها”

مرافقتي، وهي صحراوية من إحدى أعرق القبائل في الداخلة، أكدت، في حديثها إلى “الصباح”، أن جميع الموجودات في السهرة تقريبا من بنات العائلات. لا تحب أن تسمي ما يقع في تلك الفيلا بأنه دعارة، بل هو استمتاع بالحياة. حين سألتها “الصباح” إن كانت تلك النساء تتقاضى ثمنا عن خدماتها الجنسية، أجابت “أحيانا. وأحيانا أخرى يكون الثمن هدية أو خدمة هامة. وعلى العموم فالرجل الصحراوي، يدلع امرأته ويدللها بالمال والهدايا، سواء كانت زوجة أو عشيقة أو عابرة سرير”.
بعض بنات الداخلة، تقول مرافقتي، التي تمتهن الكثير من المهن في وقت واحد (قوادة ومخبرة بوليس إضافة إلى مهنتها الأصلية)، منفتحات ومتحررات إلى أقصى الحدود. عكس بعض بنات العيون، اللاتي لا يسلمن على الرجل الغريب باليد، لكنهن يقمن في السر والخفاء بما لا يقع على بال أو خاطر. تقول”نحن متكتمات ونحب السترة. وأهم شيء عندنا، هو أن لا ندخن أو نشرب أو نقوم بأي شيء لا أخلاقي في حضور رجال من عائلاتنا. إنهم يعرفون تماما ما نفعله، لكنهم حريصون على أن يتم الأمر بعيدا عن أعينهم، مثل حرصهم على أن لا نقضي الليلة خارج المنزل، حتى ولو كان دخولنا في الساعات الأولى من الفجر”، قبل أن تضيف، في غنج ونبرة تحرك الميت في قبره: أن “بنات الداخلة” يمارسن حياتهن بحذافيرها، ومحبات للشرب والجنس والمال، ومتحررات جنسيا، ويمارسن مع الذكر كما مع الأنثى لأن المهم هو النشوة بالنسبة إليهن.

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق