ربورتاج

العيـون … لؤلـؤة الصحـراء

سكانها يفتخرون بالمرافق الرياضية والثقافية التي تنافس كبريات المدن

ساحرة ببساطتها، وفاتنة بأناقتها، وكريمة تجود على المتيمين بها بأغلى نفائسها… لا تغضب، إلا حين تمس كرامتها، فتوقظ زوابع الرمال في الطامعين بها، وترجعهم خائبين يولون الأدبار، خوفا منها.
هي العيون، لؤلؤة الصحراء المغربية، وعاصمة الكرم والجود، فطبيعتها جعلت سكانها ودودين يرحبون بالغرباء والزوار.

تُشرق شمس، كل صباح، على المدينة بسحر خاص، فالندى يملأ شوارعها بالهدوء والسكينة، ثم تحولها، وقت الظهيرة، إلى لوحة تشكيلية، حين تنعكس الأشعة على بيوتها الحمراء، ثم تغيب، فتلمع الجدران بألوان الشفق تحيط بالسكان وهم يتجولون بالأزقة والدروب.
هي العيون لؤلؤة الصحراء، توحي بالسكينة والاطمئنان، وتشعر الزائر أن للحياة متعا أخرى، ففي شوارعها الفسيحة دفء الصحراء وقصص القوافل وحكايات الشيوخ يرون تاريخها عبر الزمن والحضارات المتعاقبة.
يختزل شارع “مكة المكرمة” في قلب المدينة كل شيء، ففيه يجتمع الصحراويون، ويدردشون في مقاهيه، ويتجولون بين دروبه المتفرعة، ويقتنون سلعهم من محلاته الشهيرة، فهو أطول شارع بالمدينة شُيد بطريقة عصرية تضاهي أشهر الشوارع.
يمنح شارع مكة الاطمئنان للزائرين، يقصده سكان العيون للتجول أو التسوق، إذ تصطف المقاهي العصرية، والمطاعم والمتاجر، والفنادق الكبرى، ووكالات السياحة والأسفار، فلا تتوقف الحركة به، إذ يقصده التائهون والباحثون عن ألغاز المدينة، ويقصده المحتفلون بحفل زفاف، ولا يستسلم للهدوء، إلا في ساعة متأخرة من الليل.

قصة مدينة

تشير كل المراجع التاريخية إلى أن تاريخ العيون يعود إلى ظهور النواة الأولى خلال مرحلة الاستعمار الإسباني للصحراء، إذ تأسست في 1928 باعتبارها قاعدة عسكرية نمت حولها بعض مقومات التمدن. ثم ظهرت بعض المرافق والخدمات الأساسية لتلبية حاجيات السلطة الاستعمارية، خاصة أسر العسكريين الإسبان الذين يعملون بالمنطقة، ثم ازدادت أهمية المنطقة، حسب المصادر التاريخية نفسها، في نهاية الأربعينات مع اكتشاف الجيولوجي الإسباني “مانويل أليامدنيا” وجود مناجم الفوسفاط في منطقة بوكراع القريبة في 1947.
وزار الجنرال فرانكو العيون في 1950. وفي يناير 1958 أصدرت الحكومة الإسبانية مرسوما صنّف الصحراء المغربية مقاطعة إسبانية عاصمتها الإدارية العيون.
ويربط مؤرخون هجرة مجموعات من بدو الصحراء إلى مركز المدينة بعملية “إيكوفيون” العسكرية التي شنها التحالف الإسباني الفرنسي على جيش التحرير في الصحراء. وكان في المدينة قسم خاص بالمعمرين الإسبان وآخر يقطنه السكان.
وشيدت المدينة حديثا على ضفة وادي الساقية الحمراء في 1973 في موقع يسمى “عيون المدلشي” ، أي منبع المياه العذبة، على بعد 25 كيلومترا من المحيط الأطلسي.
وبعد خروج الاستعمار الإسباني وبسط السيادة المغربية على إقليم الصحراء عرفت العيون توسعا حضريا كبيرا ونموا عمرانيا ملحوظا جعلها مدينة حديثة، إذ يزخر اقتصادها بثروات معدنية ومنجمية مهمة، كما انتعشت فيها حركة السياحة الصحراوية مع بناء فنادق كبرى وأسواق للمنتجات المحلية الصحراوية، فضلا عن السياحة البحرية على شاطئ “فم الوادي” بضاحية المدينة.
وبعيدا، عن الرواية الرسمية، يشكك بعض الباحثين في تاريخ تأسيس المدينة، إذ أكد عبد الوهاب سبويه، رئيس الجمعية الثقافية للمخطوطات وحفظ الذاكرة للصحراء المغربية، في ندوة نظمت لمناسبة الفيلم الوثائقي بالمدينة وتحمل عنوان “دور الأرشيف والمخطوطات في التدقيق التاريخي للفيلم الوثائقي حول الثقافة والتاريخ والمجال الصحراوي الحساني” أن تاريخا سابقا عن 1928، وكشف عن وثائق تاريخية تذكر اسم العيون، وردت فيها أسماء شخصيات استقرت بالمنطقة بشهادة قضاة تابعين للسلطات المركزية المغربية.

السياحة الصحراوية

تتوفر العيون على جميع مقومات السياحة الصحراوية، ففي وسطها توجد ساحة كبيرة على شكل واحة تملأها أشجار النخيل بمنظر جميل ورائع ويطلق عليها “ساحة المشوار”، شُيدت في عهد الملك الراحل الحسن الثاني، عندما زار المدينة في 1985، إضافة إلى مجمع الصناعات التقليدية، ومتحف فنون الصحراء، واللذين يمنحان الزوار متعة التعرف على المنتوجات التقليدية الصحراوية المصنوعة من مواد طبيعية، مثل جلد الإبل والماعز والعاج، والتي يُصنع منها أدوات للطبخ والتحف وكذلك سوق للحلي الفضية، سواء الحلي القديمة أو الحديثة، حيث يزور هذا السوق العديد من السياح الأجانب والمحليين.
ويستهوي شاطئ “فم الواد” الذي يبعد قرابة 20 كيلومترا عن المدينة، زوار المدينة، إذ يتميز بالكثبان الرملية ذهبية اللون، ويصنع الزوار الشاي بالطريقة التقليدية على الشاطئ، وتحضير الشاي من الطقوس اليومية لسكان المنطقة، بالإضافة أنه دليل الترحيب بالضيف، وكلما طالت مدة تحضيره كان له طعم ومذاق مميز.

ورش مفتوح

في كل الأزقة والشوارع توجد حركة دؤوبة للاهتمام بالبنية التحتية للمدينة، فالسلطات تحرص على تطوير مكونات الفضاءات العمومية وتحقيق التنمية المجالية، إذ انطلقت، في الآونة الأخيرة، عملية تشوير وصباغة جنبات المدارات الطرقية التي تندرج في سياق المحافظة على جمالية المدينة ودعم جهود المجلس الجماعي في حماية البيئة والمحافظة على منظر المدينة العام من خلال صيانة وتهيئة المدارات وتشوير الطرقات.
لا يخفي سكان المدينة إعجابهم بتطورها، وكل الأشغال يرون فيها فرصة لجعلها أجمل، وسعي القائمين عليها لتحقيق التنمية الاقتصادية المنشودة.
ومن المرافق الحديثة بالمدينة محطتها الطرقية، إذ شيدت في إطار الحكامة التدبيرية المبنية على مبدأ تكثيف الجهود خدمة للسكان، وأنجزت بشراكة ناجعة مع كل من وكالة الإنعاش والتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وجهة العيون الساقية الحمراء، فضلا عن المديرية العامة للجماعات المحلية، بتنسيق مع وزارة التجهيز والنقل.
وسعى مشروع المحطة الطرقية التي أنجزت على مساحة 13 ألفا و 500 متر مربع، إلى هيكلة قطاع النقل الطرقي وتعزيز النشاط الاقتصادي بالمدينة، إضافة إلى دعم البنيات التحتية، إذ يعد برنامج التأهيل الحضري للمدينة من بين الأوراش التنموية المهيكلة الملحة التي كانت في مستوى تطلعات السكان، خاصة أن مشروع المحطة الطرقية ساهم في تنشيط الدورة الاقتصادية ومكن من خلق دينامية جديدة، إلى جانب مواكبة النمو الديموغرافي والحضري الذي تشهده المدينة، فالمحطة الطرقية اكتست منذ إنشائها أهمية بالغة وتقديرا خاصا من قبل المرتفقين وكذا أصحاب حافلات النقل العمومي، بتوفرها على جميع المرافق الضرورية والتجهيزات اللازمة، من أجل ضمان راحة كل الوافدين عليها.
وفي المحطة الطرقية للعيون هناك قاعة للانتظار، وشبابيك التذاكر حديثة، ومركزا للأمن، و خدمة تسجيل الأمتعة، ومكتب الإدارة، و مسجد للصلاة، وكاميرات للمراقبة، وممرات لذوي الاحتياجات الخاصة، ومحلات تجارية، ومقاه ومطاعم، و حمام عصري، وجهاز إطفاء للحرائق، ومساحة مخصصة لوقوف الحافلات.
وساهمت المحطة الطرقية في التخفيف بشكل كبير من مشكل الازدحام داخل المدينة، كما مكنت من تحسين ظروف نقل المسافرين، والزيادة في جودة الخدمات استجابة لحاجيات السكان ولطموحاتها.
وفي العيون أيضا محج محمد السادس، وهو المعبر الرئيس للمدينة، ويتضمن فضاءات للأطفال، ومنتزها مغطى، وملاعب رياضية، ونافوارت، بالإضافة إلى مناطق خضراء موزعة على امتداده.
أما سوق السمك، فتمت إعادة تهيئته بمعايير دولية، وهندسة معمارية مميزة و يتضمن قاعة للتبريد، ومصعدا خاصا بالسلع، ومصعد خاص بالزبائن، ومحلات تجارية لمختلف أنواع المواد واللحوم الغدائية، بالإضافة إلى حمامات، وطابق خاص ببيع السمك.
أما ساحة “أم السعد”، فتعتبر معلمة معمارية بالمدينة، أنجزت على مساحة 8 هكتارات، وتتضمن مسرحا بلديا، ودارا للجماعة، ومجمعا تجاريا، ونافورات، وفضاءات للأطفال ومناطق خضراء، بالإضافة إلى مجموعة من المنتزهات والمرافق الترفيهية.

ثقافة ورياضة

تعتبر المكتبة البلدية صرحا ثقافيا بإمتياز، وتعتبر ثاني مكتبة على الصعيد الوطني، وثالث مكتبة على المستوى الإفريقي، أنجزت على مساحة 26 ألف متر مربع، شيدت تشجيعا للثقافة والفن ولها العديد من المرافق، مثل قاعة للمؤتمرات، وقاعة للمطالعة، ومستودع للكتب، وناد للصحافة، وآخر للإعلاميات وثالث للسينما وقاعة للعروض ومركز لإصلاح الكتب وثاني لتخزينها.
وفي الجانب الرياضي، عملت جماعة العيون على إنشاء مركب رياضي نسوي بامتياز يعتبر متنفسا خاصا، شيد على مساحة 17.500 متر مربع، وبه مسبح دافئ مغطى، وقاعة رياضية متعددة الاختصاصات، ومطعم، وإقامة نسائية، وحديقة، ومقر الإدارة وكذا ملاعب رياضية.
وشهدت المدينة، في السنوات الأخيرة، طفرة نوعية منقطعة النظير، خاصة على المستوى الرياضي، فقد تم تعزيز مرافقها بمنشآت رياضية رفيعة المستوى. وسعيا من المجلس الجماعي لمدينة العيون لتعميم الملاعب الرياضية بكافة أحياء المدينة، أعطيت الانطلاقة لتهيئة القطب الرياضي حي المطار، وهو معلمة رياضية بامتياز، مما أهل المدينة لاحتضان الدورة 32 للبطولة الإفريقية للأندية الفائزة بالكأس في كرة اليد، وتم توفير مجموعة من الملاعب لكرة اليد بمختلف أحياء المدينة وعلى رأسها القطب الرياضي حي المطار .
شيد القطب الرياضي على مساحة ثلاثة هكتارات ونصف هكتار، ويتضمن قاعة مغطاة تبلغ مساحتها 2600 متر مربع مجهزة بأحدث التقنيات، بها مدرجات تتسع لأزيد من 500 متفرج، ومستودعات الملابس، وقاعة للحكام، وقاعة للإسعاف ومصحة، وقاعة متعددة الاختصاصات، وقاعة المراقبة، ومؤثرات صوتية وضوئية، وشباك التذاكر.
كما يتضمن القطب الرياضي مركزا للاستقبال مساحته الإجمالية 1800 متر مربع يتوفر على فضاء للاستقبال، و 28 غرفة نوم ذات طراز عصري مجهزة بالكامل، ومطعم ومطبخ، ومرافق صحية وتقنية . أما الجزء الأخير من القطب الرياضي، فهو التهيئة الخارجية، ومساحتها تناهز 37 ألف متر مربع،وتتضمن سبعة ملاعب لكرة القدم، وملعب لكرة السلة، وملعب لكرة المضرب، وأربعة ملاعب للكرة الحديدية، وحلبة للسباق الطولي، ومساحات للألعاب الشعبية المحلية، وممرات للمشي، وأكشاك، ونافورة، وفضاءات خضراء، ومركز للكهرباء وأعمدة للإنارة ذات جودة عالية، تضفي رونقا على المركب ليلا .

خالد العطاوي (موفد الصباح إلى العيون)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق