خاصمقالات الرأي

طبيح: هل قوانين الاستعمار أرحم من قوانين الحكومة؟

المادة 9 من مشروع قانون المالية وضعت للاستهلاك الإعلامي 2/2

انشغل الرأي العام الحقوقي والاقتصادي والمالي بالقرار الذي اتخذته الحكومة بحشر قاعدة قانونية لا تدخل في اختصاص القانون المالي، في قلب قانون المالية لسنة 2020، وما خلف ذلك من ردود أفعال قوية تجاوزت ما كان منتظرا الى درجة تنظيم وقفة احتجاجية من قبل نقباء المحامين، الذين أرادوا دق ناقوس الخطر قبل دخول تلك المادة حيز التطبيق.ومن المفيد التذكير بكون هذه القاعدة القانونية سبق للحكومة أن أرادت حشرها في القانون المالي السابق، غير أنها تراجعت عنها تحت تأثير رد الفعل الذي ووجهت به آنذاك (يرجى الاطلاع على مقال سابق بخصوص المادة 8 من قانون المالية الأسبق).مما زاد في حالة الاحتجاج هو أن تلك القاعدة المحشورة في قانون المالية، تم التصويت عليها بالإجماع، وهو ما سيعقد إمكانية التراجع عنها.

* عبد الكبير طبيح

إن الوجه الأول: لعدم جدوى المادة 9 من قانون المالية يتبين من كون التبرير الذي قدمته الحكومة لحشر تلك المادة في قانون المالية وهو ما عبر عنه وزير المالية من أن مبلغ الأحكام التي تنتظر التنفيذ وصل الى 10 مليارات درهم.
لكن عندما يدخل قانون المالية حيز التنفيذ في سنة 2020 فهل ستخرق الحكومة مرة أخرى الدستور لكي تطبق تلك المادة على المغاربة ضدا على مبدأ عدم رجعية القوانين؟
إن هذا السؤال مشروع لان الدستور ينص في الفصل 6 منه على مبدأ عدم رجعية القوانين، أي أن أي قانون يجب أن لا يطبق على الحقوق والالتزامات السابقة لدخوله حيز التنفيذ. وبالتالي فان المادة 9 لكي تحترم الحكومة الدستور في فصله رقم 6 يجب أن لا تطبق على الأحكام القضائية السابقة، أي تلك التي نتجت عنها 10 ملايير درهم التي صرح بها وزير المالية، وإنما ستنفذ على الأحكام التي ستصدر بعد 2020 ، وليس الأحكام القضائية التي صدرت وأصبحت نهائية قبل 2020.
وأنه لا يمكن التذرع بأن المادة 9 هي قاعدة إجرائية، لسبب بسيط هو أنه لم ينص عليها في قانون إجرائي، أي في الباب المتعلق بالتنفيذ في المسطرة المدنية، وإنما نص عليها في قانون موضوعي وهو قانون المالية.
وفي جميع الأحوال سيكون تطبيق تلك المادة على الأحكام القضائية الصادرة قبل 2020 موضوع مقررات صادرة عن السلطة القضائية التي أرادت الحكومة أن تتهرب من سلطتها.

الوجه الثاني لعدم جدوى المادة 9 من قانون المالية يتمثل في أنها رفعت الالتزام بتنفيذ الأحكام القضائية عن كاهل مسؤولية الدولة والجماعات الترابية ومجموعاتها، وحملته للآمر بالصرف، عندما ألزمته باتخاذ التدابير اللازمة لتوفير الاعتمادات المالية لتنفيذ الأحكام القضائية .
وإن نقل هذا الالتزام من الدولة والجماعات الترابية الى الآمر بالصرف سيؤدي الى مقاضاة الآمر بالصرف أمام القضاء، لأن المادة 9 تحمي أموال الدولة من الحجز ولا تحمي الآمر بالصرف من القضاء، والذي سيكون معرضا للحكم عليه بغرامات تلزمه بتطبيق ما ألزمته المادة 9 من توفير الاعتمادات المالية لتنفيذ الأحكام القضائية، كما هو جار به العمل من قبل كل المحاكم الإدارية التي تعاقب مسؤولي الإدارة على عدم تنفيذ التزاماتهم القانونية، علما أن ما تنص عليه المادة9 بخصوص توفير الاعتمادات لتنفيذ الأحكام هو التزام قانوني يقع على كاهل الآمر بالصرف، ولا يوجد في المادة9 ما يعفيه ولا ما يحميه من ذلك.

الوجه الثالث لعدم جدوى المادة 9 من قانون المالية يتمثل في الصياغة التي اعتمدت في كتابتها والتي تمكن بكل سهولة من عدم تحصيل الغرض منها، وهي الصيغة الحاملة للعيوب التالية:

-1 أن الفقرة الأولى تتحدث عن الجماعات الترابية و” مجموعاتها ” , بدون أن تحدد ما المقصود بكلمة ” مجموعاتها ” فهل عدم تنفيذ الأحكام القضائية ستستفيد منه كذلك الشركات التجارية التي تفوض لها الجماعات الترابية تدبير بعض المشاريع الاقتصادية، رغم طبيعتها ونشاطها التجاري؟ وهل سيحرم من يتعامل مع تلك الشركات من تنفيذ الاحكام التي ستصدر لفائدتهم؟
أنه لا أحد سيملك الجواب على تلك الأسئلة بعد أن تدخل المادة 9 إلى حيز التنفيذ، ما عدا أحكام القضاء التي قد تتعدد وقد تختلف وقد تناقض في تأويل المادة 9 بسبب الغموض الذي صيغت به.

-2 إن صياغة الفقرة الثانية من المادة 9 التي تتكلم عن أجلين هما 90 يوما و 4 سنوات، و هي صياغة تدفع للنتيجة التالية :
إما أن المادة 9 صيغت بدون معرفة بالأثر القانوني للكلمات التي اختيرت في صياغتها، أي ما سينتج عن تطبيقها، و في هذه الحالة سيكون الواقع مؤسفا لأن الامر يتعلق بالمشرع المغربي الذي لا يفترض فيه الخطأ.
وإما أن الصيغة التي كتبت بها المادة 9 تم اختيار كلماتها بكل عناية وبكل وعي وإرادة، وفي هذه الحالة فإن نية الحكومة الحقيقية هي عدم تنفيذ أي حكم قضائي كيف ما كان، وأن أجل 90 يوما او 4 سنوات وضعا للاستهلاك الإعلامي. وأن تلك الآجال ليس لها أي تأثير أو ضغط على الجهة المعنية بتنفيذ الحكم القضائي.
أي أن الدولة والجماعات الترابية ومجموعاتها هي التي ستقرر في نهاية المطاف متى ستنفذ أي حكم ولمن ستنفذ ذلك الحكم. لأنه لن تكون هناك أي قاعدة قانونية تلزمها على تنفيذ أي حكم في أي وقت كان.

انقضاء أربع سنوات غير موجب للحجز
إن هذه الخلاصة ليست مستوحية من الخيال، أو من التشاؤم وإنما هي منصوص عليها بكل وضوح عندما نقرأ الفقرة الثانية مع الفقرة الثالثة المكونة للمادة 9.
ذلك أن عدم احترام أجل 90 يوما أو أجل 4 سنوات المنصوص عليهما في الفقرة الثانية، لا يعني أنه بعد انتهاء ذلك الأجل ولم تنفذ الدولة أو الجماعات الترابية والمجموعات التابعة لها الحكم القضائي، أنه يمكن الحجز عليها، بل بالعكس من ذلك فالمادة 9 حسمت بصفة نهائية في المنع المطلق للحجز على أموال تلك المؤسسات، حتى ولو بعد مرور أجل 4 سنوات المذكورة في الفقرة الثانية، وهو ما يتبين بكل وضوح من آخر الفقرة الثالثة من تلك المادة التي تضمنت ما يلي:
“إذا أدرجت ………..أعلاه، بدون أن تخضع أموال وممتلكات الدولة و”الجماعات الترابية و مجموعاتها للحجز لهذه الغاية.
وأنه يتبين بكل وضوح أن الكلام عن أجل 90 يوما أو 4 سنوات، ما هو إلا للاستهلاك الإعلامي بدون أن نعطي له وصفا آخر.

الوجه الرابع لعدم جدوى المادة 9، يتمثل في أنها تتعلق فقط بالأحكام القضائية. وهو ما يعني أن باقي المقررات التي تقضي لأي متعاقد مع الدولة بأي مبلغ يمكنه الحجز على أموال الدولة.
وبالفعل فإنه من المعروف أن المغرب انخرط في الدينامية الدولية حول البدائل العصرية لفض المنازعات وعلى رأسها التحكيم.
إن صياغة المادة 9 لا تمكن من منع الحجز على أموال الدولة والجماعات الترابية عندما يتعلق الأمر بمقرر تحكيمي، قد تجد هذه المؤسسات معنية به لسبب من الأسباب، ما دام أن المادة 9 تتكلم فقط عن الأحكام القضائية.

ما هو الفرق بين قوانين المستعمر وقوانين الحكومة؟
بعد ما تم تفصيله أعلاه حول المادة 9 وما قد يترتب عليها، أعود الى عنوان هذا المقال، الذي لم يكن من ورائه الرغبة في الإثارة او التلميح ضد الحكومة، بل الغرض منه هو غرض علمي محض يرمي الى المقارنة كيف تعامل المستعمر مع الأحكام المغربية الصادرة ضد الدولة وكيف تريد الحكومة التعامل مع الأحكام نفسها، ليقرر القارئ من هو أرحم، هل المستعمر أم الحكومة؟
نحن في 1944 أي في قلب الحرب العالمية الثانية وفرنسا تعيش الغزو الألماني ضدها، وكل أموالها موجهة الى ميزانية الحرب التي هي حرب وجود بالنسبة الى دولة كفرنسا، الدولة المستعمرة (بكسر الميم) للمغرب ولغيره من الدول الافريقية،
ولكنها في هذه المرحلة هي الدولة المستعمرة (بفتح الميم) من قبل النازية الألمانية. وبالتالي فهي في حاجة ماسة للأموال للدفاع عن نفسها.
في 14/9/1944 سيصدر ظهير ينص في فصله الأول على ما يلي:
“إن الاحكام والقرارات التي تكون بمقتضاها الخزينة العامة أو أحد الصناديق التابعة للإدارة “عمومية ملزمة بالأداء لا يمكن تنفيذها في حال ما إذا طلب فيها النقض إلا تحت مسؤولية “الأطراف الذين حصلوا عليها بإعطائهم ضمانات حسب الشروط المقررة في هذا الظهير”.
ويتبين من ذلك الظهير أنه منع تنفيذ الأحكام الصادرة ضد الدولة فقط الى حين يطلب فيها النقض، في انتظار أن يبت المجلس الأعلى في حالة الطعن فيها بالنقض المرفوع اليه.
لكن لا ينص ذلك الظهير على أن أموال الدولة والجماعات الترابية ومجموعاتها غير قابلة للحجز.
فمن هو أرحم بمن يتوفر على حكم قضائي قابل للتنفيذ ؟ هل ظهير 1944 أم القانون المالي لسنة 2020 ؟
يظهر بأن الجواب عن السؤال واضح ولا يحتاج الى من يوضحه.
غير أن الوطنية التي تسكن المغاربة وحب بلدهم واستعدادهم لتحمل أعبائه الطارئة، يمكن أن تجعلهم يقبلون بإجراء يحصن المالية العامة ويدافع عنها.
لذا، فإنه انطلاقا من هذا المبدأ، في تقديري المتواضع، يمكن أن تنص المادة على منع الحجز على أموال الدولة فقط لفترة محددة، حتى تتمكن من تنفيذ الأحكام القضائية. لكن بعد مرور تلك الفترة ولم يتم تنفيذ الحكم القضائي، يسترجع المستفيد منه حقه في تنفيذه بكل الطرق القانونية، بما فيها الحجز على أموال الدولة. لأن المقاول هو كذلك متابع من قبل البنوك باسترجاع قروضها له، ومتابع من إدارة الضرائب بأداء الضرائب وغيرها المستحقة عليه، ومتابع أيضا من قبل الأجراء بأداء مستحقاتهم .
أما الجماعات الترابية فإنها لا يجب أن تستفيد من هذه القاعدة، بل يجب أن تتحمل مسؤولية تدبيرها للمرفق العمومي، الذي ترشحت لتسييره، وتتحمل مسؤولية ضبط التصرف في أموال ذلك المرفق العمومي، وأن تتحمل مسؤوليتها السياسية أمام ناخبيها ومسؤوليتها المدنية والجنائية تجاه من تتعاقد معهم لإنجاز المشاريع التي تخطط لها، وتحملها لهذه المسؤولية سيساعد الشفافية والتخليق، الذي هو اليوم مطلب شعبي.
لذا لا يجب أن تخلق لها القواعد القانونية التي تختفي وراءها لتتصرف في المال العام في غير ما أعد له تحت ذريعة المادة 9 .
علما كذلك أن المادة 9 لا تبين كيف سيتم تنفيذ الاحكام في أجل 90 يوما أو 4 سنوات. وهل يستم ذلك في إطار الشفافية وتنفيذ الاحكام بأسبقية صدورها، أم انها ستخضع هي كذلك للمحسوبية والمساومة في التنازل عن جزء من الدين، كما يمارس ذلك اليوم في الحالات، التي يكون فيها المستفيد من الحكم في وضعية الحاجة التي تلزمه بالقبول بأقل مما حكم له به؟
يتبين إذن أن العنوان ليس فيه أي اثارة، وإنما يترجم الحالة التي تريد الحكومة أن تضع فيها من يريد أن يقاضيها أمام المحكمة على حقه المشروع تجاهها.
بينما كان عليها أن تختار سن قواعد من نوع آخر، لحمايتها من غلو بعص الأحكام القضائية في التعويضات، التي يحكم بها على الدولة والإدارات العمومية والجماعات الترابية.

* محام بهيأة البيضاء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق