مجتمع

“البرانس” … مرتع “التشمكير” و”الفرّاشة”

معلمة حضارية بالبيضاء تحولت إلى زريبة بفعل الإهمال وتواطؤ المنتخبين

الأزبال منتشرة في كل مكان… أينما وليت وجهك ثمة “فراشات” وباعة متجولون… معارك أصحاب الطاكسيات الكبيرة البيضاء تعم الفضاء وتجعله أشبه بمحطة “ولاد زيان”… “شمكارة”… متحرشون… “مشرملين” يجوبون الشارع صباح مساء بحثا عن فريسة… “مولات الحرشة”… بائعو “المسمن” و”البريوات” يصطفون جنبا إلى جنب ويتنافسون في جلب الزبناء حد التماسك بالأيدي وتبادل الضرب والشتائم والإهانات… إننا في شارع الأمير مولاي عبد الله، أو ما اصطلح سكان العاصمة الاقتصادية على تسميته “البرانس”.
لقد تحول الفضاء، الذي كان يعتبر معلمة حضارية من معالم البيضاء الكبرى، إلى مرتع للفوضى والعشوائية. اختفت نافورته الجميلة التي كانت تسر الزائرين تحت أكوام الأزبال والنفايات، وتقشرت بناياته وأرضياته بفعل الإهمال، وتقادمت مقاهيه ومحلاته التجارية التي أصبحت “تنش الذباب”، بعد أن كانت، في الماضي، قبلة السكان والسياح المتوافدين على المدينة، والذين كانوا يقصدونها في كامل أناقتهم.
تقول رشيدة، “بيضاوية” قديمة، متذكرة ممر “البرانس” في الستينات والسبعينات: “كان المكان في غاية الجمال والروعة. لم يكن من هب ودب يستطيع أن يتجول فيه إلا إذا كان يرتدي ما يليق به من ملابس نظيفة وأنيقة. كما كان عليه أن يتعطر بأجمل الروائح والعطور. كان الفرنسيون والأجانب يوجدون به أكثر من المغاربة، قبل أن يغزوه البدو والباعة المتجولون اليوم. يحز في نفسي ما وصل إليه هذا الفضاء من فوضى وإهمال, بعد أن كان معلمة حضارية حقيقية في عهد المستعمر”.
تحدثت “الصباح”، خلال الجولة التي قامت بها في الممر الشهير، إلى بائعة بأحد محلات بيع الأحذية الشهيرة، والتي تعمل في المكان منذ أكثر من 20 سنة، وبادرتها بالسؤال عن التغيير الذي وقع في الممر في السنوات الأخيرة. أجابت بنبرة لا تخلو من الحسرة الممزوجة بالغضب: “ما وقع للممر هو غزوة همجية على الحضارة والرقي. لقد كان الفضاء محجا لنخبة المجتمع البيضاوي. كان البيضاويون والسياح يقصدونه من أجل التسوق في متاجره ومحلاته التي كانت تحظى بشهرة كبيرة وتستقدم سلعا وبضائع جيدة وجديدة، قبل أن يحظوا بفترة استراحة داخل مقاهيه وحاناته، لشرب كأس أو جعة أو قهوة وهم في كامل أناقتهم. لقد كان مثل شارع الشانزيليزيه في باريس، قبل أن يستعمره الباعة المتجولون الذين حولوا ملامحه الجميلة والجذابة إلى وجه قبيح ينفر منه كل من رآه”، قبل أن تضيف “لا أفهم كيف تسكت السلطات المحلية على ما يقع في هذا الفضاء. إنه نوع من التواطؤ في هذه الجريمة البشعة التي تتعرض لها معلمة تشكل جزءا من تاريخ المدينة. انظروا إلى الهندسة المعمارية الرائعة للبنايات. انظروا ماذا صنع المستعمر وماذا اقترفت أيدينا، نحن أبناء هذا الوطن”.
من جهته، عبر صاحب مقهى بالممر، في لقاء مع “الصباح”، عن معاناته بسبب الضائقة المالية التي ضربت محله منذ سنوات، وتهدد بإغلاقه قريبا. هو الذي اضطر مكرها، لا بطلا، إلى تخصيص جانب من مقهاه لبيع سندويتشات الكفتة نهارا ب10 دراهم لنصف خبزة، و”الحريرة” مساء ب5 دراهم ل”الزلافة”، من أجل الترويج لتجارته التي ركدت. يقول بشبه ابتسامة ساخرة “يجب أن نتكيف مع السوق. لم يعد الزبائن الكلاس يقصدون الممر ولا المقهى بعد أن تحول الفضاء إلى شبه زريبة. لم يعد يجلس في المقهى سوى العاطلين والسماسرية والمتقاعدين وبنات الليل… وكان علي أن أغير شكل الخدمة تماما لكي أتمكن من الاستمرار. أفكر أيضا في أن أضيف الشيشة إلى قائمة الخدمات، باش تكمل الباهية”.

نورا الفواري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
assabah

مجانى
عرض