الصباح السياسي

مسؤوليات أكثر ومحاسبة أقل

أثار تعيين عدد من الوجوه التقنقراطية وزراء في حكومة العثماني الثانية، جدلا كبيرا في الأوساط السياسية بالنظر إلى عددهم المتزايد، الذي يسائل الفاعلين السياسيين، وموقع الاحزاب في حكومة سياسية نابعة من صناديق الاقتراع.
وإذا كان الجميع قد ثمن تقليص عدد الوزراء وتشكيل أقطاب وزارية لتعزيز الالتقائية وتسيير التنسيق، ناهيك عن تخفيض كلفة الوزراء، إلا أن هذه النقطة المضيئة في النسخة الثانية لحكومة العثماني، غطى عليها الجدل السياسي حول إسناد عدد من القطاعات لوجوه غير سياسية، تحت مبرر ضخ كفاءات من شأنها تقديم قيمة مضافة للعمل الحكومي، وكأن الأحزاب لا تتوفر على “بروفايلات” في مستوى تدبير الشأن العام.
وأعاد حضور التقنقراط سؤال دور الأحزاب في التأطير، ومدى قدرتها على توفير الفضاءات المناسبة لاستقطاب أطر وكفاءات إلى صفوفها، وتوفير مشتل من الأطر يمكن من ترشيحها لتحمل المسؤوليات. كما أعاد إلى واجهة النقاش ظاهرة “صباغة” كفاءات بألوان سياسية في آخر لحظة، من أحل ترشيحها لتحمل المسؤولية الحكومية، وهي الظاهرة التي باتت عادية لدى بعض الأحزاب، ولا تثير أي مشكل لدى أعضائها، الذين انخرطوا لسنوات وتحملوا المسؤولية الحزبية في مختلف الأجهزة الحزبية.
وما أثار الضجة هذه المرة حول الظاهرة، هو حجم عدد الوزراء الذي تجاوز عددهم تسعة، وإسناد قطاعات حيوية إليهم، في الوقت الذي تراجع حضور الأحزاب المشكلة للأغلبية، بل وحتى موقع حزب رئيس الحكومة، الذي تقلص مقارنة مع أحزاب يقل عدد برلمانييها عن الأربعين، ونالت قطاعات حيوية.
وبخلاف الطرح الذي يتهم الأحزاب بعدم توفرها على الكافاءات القادرة على تحمل المسؤولية في الحكومة، يرى البعض الآخر أن هذا التشخيص يجانب الصواب، بل يبخس دور الأحزاب والأطر التي تتوفر عليها، كما يبخس الطابع السياسي للحكومة، وينتقص من دور الفاعل الحزبي، في تجاهل للأدوار التي تلعبها النخب الحزبية في التأطير والتكوين، والتي راكمت تجربة سياسية وخبرة يحاول البعض اليوم إنكارها، لتبرير اللجوء إلى أجيال جديدة من الكفاءات التقنية وخريجي المعاهد والجامعات الأجنبية، ومن الكفاءات التي عملت لسنوات في القطاع الخاص، من أجل الدفع بها للمسؤولية الحكومية.
وتكفي العودة إلى مراكز الدراسات والمؤسسات التي تتوفر عليها الأحزاب الوطنية للوقوف على نوعية الكفاءات والأطر التي تشكل إطارات لإنتاج البرامج والأفكار، والتي تتغذى دائما بكفاءات جديدة من خريجي الجامعات والمعاهد المغربية والدولية.
ويطرح وجود الوزراء التقنقراط بهذه القوة في حكومة العثماني الثانية سؤال المحاسبة، في الوقت الذي لا تربطهم أي علاقة أو التزام مع الناخبين، على غرار الوزراء المنتمين سياسيا، ما دفع البعض إلى مساءلة رئيس الحكومة حول طبيعة العلاقة التي تربط هؤلاء مع مكونات الأغلبية، والتخوف من أن يظل عملهم خارج التنسيق السياسي المفترض بين مكونات الأغلبية.
وما يثير التساؤل أكثر هو أن بعضهم يتحمل مسؤولية وزارات ذات طبيعة سيادية، ما يجعلهم فوق أي مساءلة حتى من رئيس الحكومة نفسه، في الوقت الذي لا يشكك أحد في كفاءاتهم، إلا أن المشكل يكمن في الرؤية السياسية التي يجب أن تؤطر عملهم، باعتبارهم وزراء في حكومة سياسية.
برحو بوزياني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
assabah

مجانى
عرض