خاص

اليوسفية … حكم العشوائي

دواوير وسط الرباط شيدت على منحدرات والحي الصناعي يحتضر

خلف هدوء بعض أحياء مقاطعة اليوسفية بالرباط، تعم الفوضى فارضة نفسها وبقوة. دوار الحاجة ودوار المعاضيض ودوار الدوم… مازالت تحتفظ بهوياتها، ومازالت العشوائية تسيطر عليها من كل الجوانب، وسط مطالب بعض السكان وجمعيات المجتمع المدني بإعادة تهيئة أحياء المقاطعة، التي تعد ثاني أكبر مقاطعة في العاصمة الإدارية.
إنجاز: إيمان رضيف – تصوير: (عبد المجيد بزيوات)

شوارع محتلة من قبل الباعة المتجولين، وبنايات عشوائية وأزقة ضيقة، وحي صناعي في مرحلة الاحتضار بعدما أغلقت أغلب المصانع أبوابها، بالإضافة إلى غياب المساحات الخضراء… من المشاكل التي تعانيها المنطقة، والتي سلطت “الصباح” الضوء عليها، في هذه الورقة.

أحياء غير مهيكلة
غير بعيد عن مقر وزارات ومؤسسات عمومية، وعن مركز العاصمة الإدارية، وشوارعها الضخمة والمهيكلة، توجد أحياء هامشية، بنيت بشكل عشوائي، ومازالت إلى اليوم تصارع من أجل البقاء. بنايات من الممكن أن تصير في أي لحظة، في خبر كان، وتشكل خطرا على السكان، سيما أن أصحابها أضافوا طوابق كثيرة دون دراسة مسبقة أو موافقة من المسؤولين. فدوار الحاجة، تحكمه العشوائية، وتفرض نفسها دون حسيب أو رقيب، شيدت على منحدرات جبلية، تهددها انجرافات الأتربة، وغير بعيد يوجد دوار الدوم الذي مازال إلى اليوم يضم آلاف السكان، ثم دوار المعاضيض وغيرها من الأحياء الشعبية.
“نتخبط في مشاكل كثيرة، وكأن مقاطعة اليوسفية، ليست جزءا من العاصمة الإدارية للمملكة. نعيش الفقر والتهميش، زد على ذلك المشاكل الأمنية التي قفزت إلى السطح نتيجة العشوائية التي تسيطر على المنطقة”، هذا ما جاء على لسان أحد السكان، قبل أن يضيف أن الواقع الذي يفرض نفسه على المنطقة يحتاج إلى إعادة النظر لتحسين ظروف عيش السكان.
وهو ما أكده أيضا يوسف حمانة، فاعل جمعوي في المنطقة، مشيرا إلى أن مقاطعة اليوسفية مركز البناء العشوائي بالعاصمة بامتياز “ينتشر البناء العشوائي بشكل غريب ومقلق، نتيجة سياسة بعض المنتخبين الذين تولوا تسيير شؤون المنطقة قبل سنوات”، يقول الفاعل الجمعوي قبل أن يضيف أن المنطقة تعاني التهميش رغم أنها أنجبت خيرة أبناء الوطن من مسؤولين وأمناء عامين للأحزاب ووزراء وقضاة ورياضيين وفنانين.

أشغال بطيئة
من بين المشاريع التي جاء بها برنامج “الرباط… عاصمة الأنوار ” تأهيل بعض أحياء المدينة، ومن بينها أحياء مقاطعة اليوسفية، لكن أشغال التهيئة، تسير بوتيرة بطيئة جدا، وهو ما أكده بعض السكان في حديثهم مع “الصباح”. فخلال كل موسم شتاء تقفز تخوفات السكن من انهيار الأسوار بشكل مفاجئ، إلى السطح، سيما أن المنطقة كادت أن تشهد، السنوات الماضية، كارثة حقيقية، وهو الأمر الذي يدفعهم إلى المطالبة بالتعجيل بإصلاح الأسوار التي تعرضت للانهيارات بفعل الأمطار والتي تم إهمال إعادة بنائها.
ومن جانبه قال عبد الرحيم لقرع، رئيس المقاطعة، إنه في إطار برنامج الرباط عاصمة الأنوار، هناك مشاريع استفادت منها المقاطعة، يهم بعضها الوقاية من انجراف الأتربة وبناء الأسوار الوقائية “انطلقت أشغال بناء الأسوار الوقائية بالحي الفرح منذ سنوات، فيما انطلقت في الأحياء الأخرى، قبل رمضان الماضي، وهي مستمرة إلى اليوم”، على حد تعبيره.
وبالنسبة إلى بطء الأشغال، اعترف لقرع بأن وتيرتها ليست سريعة “لكن هناك مجهودات ستقلل نسبة الخطر الذي يهدد المنطقة، من قبيل انجرافات التربة والفيضانات، لكن هذا لا يمنع من المطالبة بوضع إجراءات أخرى، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الهيكلة الداخلية للأحياء من اختصاص جهات أخرى”.

الباعة المتجولون… هاجس مستمر
يصعب المرور من أغلب أحياء المقاطعة، دون تجاوز الباعة المتجولين. تجار جائلون حولوا أزقة وأحياء المقاطعة إلى مملكة خاصة بهم، يحكمونها ويصارعون من أجل البقاء على رأسها.
“تنتشر العشوائية بكل تجلياتها بالمنطقة، والتي تتجسد بشكل واضح، في انتشار الباعة المتجولين. مازلنا ننتظر تدخل السلطات من أجل فك الحصار عن الأحياء، وتخليصها من ظاهرة الباعة المتجولين وإحداث أسواق نموذجية للباعة تحفظ كرامتهم”، هذا ما جاء على لسان يوسف حمانة الفاعل الجمعوي، قبل أن يضيف أنه أمام البطالة، سيما في صفوف الشباب، يلجؤون إلى التجارة، وينضافون إلى قائمة الباعة المتجولين.
ومن جانبه، قال رئيس المقاطعة في حديثه مع “الصباح” إن مشكل الباعة المتجولين من بين المشاكل المشتركة بين المجالس الترابية والسلطات المحلية ” تضم المنطقة عددا هائلا من الباعة المتجولين، في مختلف الأحياء، وحتى الأحياء المهيكلة، وحاليا يتم بناء سوق نموذجي، علما أن وتيرة الأشغال به سريعة، اعتقد أنه سيستوعب جزءا من الباعة”.
ومن بين الحلول التي اقترحها رئيس المقاطعة، حسب ما أكده في حديثه مع “الصباح”، تهييء أسواق خاصة بالباعة المتجولين متنقلة، بعدد من الأحياء، وهو الأمر الذي تعتمده بعض الدول الأوربية، وتلقى نجاحا كبيرا، قبل أن يضيف أن الأسواق النموذجية وبقاء التجار في مكان واحد، ليس حلا مستداما، وقد لا يعطي الرواج التجاري، حسب ما أثبتته تجارب سابقة “اقترحنا أنه في كل يوم ينظم سوق في منطقة بمقاطعة اليوسفية، مع تحديد توقيت العمل، مع الحرص على تنظيف المكان بعد انتهاء السوق”، على حد تعبيره.

البناء العشوائي … البعبع
ومن جانبه، قال عبد الرحيم لقرع، رئيس المقاطعة، إن المنطقة تضم أحياء مهيكلة وأخرى غير ذلك، مؤكدا أنها تعد ثاني أكبر مقاطعة في العاصمة والتي تضم حوالي 172 ألف نسمة.
وأشار لقرع في حديثه مع “الصباح”، إلى أن 60 في المائة من سكان المنطقة يقطنون في الأحياء غير المهيكلة، ويتعلق الأمر بحي الفرح الذي كان يسمى بدوار الحاجة، وحي الرشاد والذي كان يسمى بدوار المعاضيض، ثم حي أبي رقراق الذي يعرف باسم دوار الدوم “لكن رغم أنها غير مهيكلة، وشيدت بمنحدرات جبلية وتضاريس صعبة، تستفيد من الإنارة العمومية وخدمات التطهير السائل وغير ذلك”. وبالنسبة إلى البناء العشوائي الذي يميز المنطقة، حسب ما جاء على لسان رئيس المقاطعة، فإن جهات أخرى لها علاقة بالموضوع، منها الوزارة الوصية، قبل أن يضيف أن مهام المقاطعة أو الجماعة في ما يتعلق بالسكن والتعمير، محدودة.وأوضح المتحدث ذاته، أن مهمة إعادة الهيكلة، مسؤولية ومهمة أكبر من مهام وميزانية المقاطعة وحتى الجماعة “لكن، وخلال كل اجتماع يجمعنا بالجهات المسؤولة عن إعادة الهيكلة والسكن والتعمير، نثير انتباههم إلى الوضعية التي تعيشها مقاطعة اليوسفية، والتي تخص، بشكل أدق، البناء العشوائي، ونقترح مجموعة من الحلول، التي نعتقد أنها من الممكن أن تساعد على التخلص من هذا المشكل”.

موت الحي الصناعي
بعدما كان الحي الصناعي يعرف رواجا كبيرا، ويوفر الشغل لنسبة كبيرة من سكان المنطقة، صار يحتضر، بعدما أغلقت أبواب أغلب المصانع والشركات. بنايات الحي الصناعي تشهد على تاريخ المنطقة، وكيف كانت تعيش ازدهارا ورواجا تجاريا مميزا. فالواقع الذي صار يتخبط فيه أعرق حي بالعاصمة الإدارية، دفع جمعيات المجتمع المدني إلى المطالبة، أكثر من مناسبة، بإعادة إحداث تنمية اقتصادية بالحي الصناعي باليوسفية لتوفير أزيد من 40 ألف فرصة عمل والذي يعاني الركود، من خلال توجيه استثمارات جديدة نحوه بصناعات تكنولوجية وغيرها تنسجم مع الكثير من المخططات الاقتصادية التي يتم إعدادها بالكثير من القطاعات الحكومية المعنية.منذ 2018، استفادت مقاطعة اليوسفية، من عدد من المشاريع منها توسيع بعض الأزقة والشوارع وتهيئة بعض المناطق الخضراء، لكن معضلة التشغيل مازالت قائمة بقوة، سيما بعدما أفلست بعض الشركات في الحي الصناعي، الذي يعد من بين ما يميز مقاطعة اليوسفية.
وقال القرع، إن الحي الصناعي، كان يستوعب حوالي 10 آلاف من المستخدمين، بفضل شركات كانت نشيطة، ولكن حدث تراجع “فمن بين مطالبنا إعادة تهيئة الحي الصناعي، وتوسعته، مع الأخذ بعين الاعتبار أن بعض الشركات استفادت من البقع الأرضية، لكن لم تستغللها إلى اليوم “كانت هناك بعض المحاولات والإجراءات لإعادة الحياة إلى الحي الصناعي، لكن تظل غير كافية، ويحتاج الحي الصناعي إلى مجهودات ومشاريع أخرى اقتصادية وتنموية، علما أننا نطمح إلى أن يحتضن الحي مصانع وشركات أخرى، وهو الأمر الذي سيمكن من تشغيل اليد العاملة من سكان المنطقة، وتخفيف حدة البطالة.

المناطق الخضراء… مجهودات متواضعة
“رغم أن الرباط، مدينة خضراء، لا تتوفر مقاطعة اليوسفية، إلا على عدد قليل من المناطق الخضراء المؤهلة والتي يمكن أن يقصدها سكان المنطقة”، يقول أحد سكان المنطقة قبل أن يضيف أن الخطير في الأمر أن بعض المناطق، طالها الإهمال والتهميش، ولم تعد مناسبة من أجل زيارتها. ومن جانبه قال لقرع، إنه من مهام المقاطعة صيانة المناطق الخضراء والحفاظ عليها بعد إحداثها، وهو الأمر الذي تحرص عليه في إطار اختصاصاتها، مشيرا إلى أن هناك برنامجا شهريا للاعتناء بحدائق مقاطعة اليوسفية، صغيرة المساحة “وباعتبار أنني النائب الثاني لعمدة الرباط بذلت الجماعة مجهودات كبيرة في ما يخص المناطق الخضراء، إذ تم رفع الاعتماد المخصص للصيانة الاعتيادية للمناطق الخضراء من 4 ملايير درهم إلى 10 ملايين درهم”.
كما أن ميزانية المقاطعة لـ 2020، هي في حدود 23 مليونا و125 ألف درهم، مقسمة إلى حصتين، حصة التنشيط المحلي في حدود مليون و156 ألفا و250درهما، بنسبة 5 في المائة، ثم حصة التدبير المحلي التي تشكل نسبتها 95 في المائة من المخصص الإجمالي، أي في حدود 21 مليونا و968 ألفا و 750 درهما.
كما أن مجلس مقاطعة اليوسفية يؤدي من حصة التدبير المحلي مستحقات الماء والكهرباء المبرمجة لحساب 2020 في حدود 8 ملايين و787 ألفا و500 درهم، التي تشكل حوالي 40 في المائة من المخصص الإجمالي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
assabah

مجانى
عرض