ربورتاج

إغلاق معبر سبتة … قطع الأرزاق

تخوفات في صفوف ممتهني التهريب المعيشي من قطع مصدر رزقهم الوحيد دون بدائل

دخلت قضية التهريب المعيشي منعطفا جديدا بعد أن قررت السلطات المغربية ونظيرتها الإسبانية، على غير العادة، إغلاق معبر “طارخال 2” المخصص للتهريب وحمل البضائع من قبل الراجلين، دون أن تعطي أجلا محددا لإعادة فتحه هذه المرة. وربطت مصادر “الصباح” هذا الأمر بتوجه سلطات البلدين إلى القضاء على هذا النوع من الاقتصاد غير المهيكل، والذي يخدم مصالح قلة قليلة من التجار الكبار المغاربة والإسبان وخزينة مدينة سبتة السليبة، فيما تخسر خزينة الدولة المغربية الملايير سنويا. وخلف هذا القرار، استياء وتذمرا بالغين في أوساط سكان مدن الشمال، خاصة ممتهني التهريب المعيشي، لأنه مصدر رزقهم الوحيد، وهو الأمر الذي يثير مخاوف الآلاف من ممتهني التهريب من إغلاق هذا المعبر بشكل نهائي، سيما أنه يعتبر المورد الأساسي لشريحة كبيرة من المواطنين البسطاء في ظل غياب بدائل حقيقية يوفرون بها الرزق لأسرهم وعائلاتهم المحتاجة.

يوسف الجوهري (تطوان) – تصوير : (تطوان ميديا)

أصبح وضع الآلاف من الأسر المغربية بالشمال قد غدا  غامضا بعد إيقاف التهريب بمعبر باب سبتة، للقيام ببعض الإصلاحات وإحداث إجراءات جديدة تمنع وقوع الازدحام في المعبر. وهو النشاط الذي توقف منذ 9 أكتوبر الماضي، بحجة “تأمين مسار الحمالين”، حسب المسؤولين في المدينة المحتلة، وتجنب الأخطار المترتبة عن الاكتظاظ، الذي يعرفه المعبر من جانبيه، حيث كانت السلطات الاسبانية سباقة من جهتها إلى غلق هذا المعبر “لأسباب أمنية” إثر الحوادث المأساوية بعد وفاة العديد من الأشخاص من ممتهني التهريب المعيشي، ما استدعى القيام بأشغال لتسهيل وتأمين عملية دخول وخروج ممتهني التهريب المعيشي.

“طارخال 2” ممر آمن لأباطرة التهريب

تحول معبر “طارخال2” الموجود على بضعة أمتار من الجانب الإسباني للمدينة السليبة، والذي افتتح في منتصف يناير 2017، إلى نقطة سوداء لتهريب أطنان من السلع المختلفة من قبل شبكات تعمل في إطار التهريب المنظم، إذ تقوم بتوظيف عدد من العمال (نساء ورجالا) في مجال التهريب المعيشي في عمليات تهريب أطنان من المواد المختلفة، بدون أي مراقبة.
وصار معبر “طارخال 2” ممرا آمنا لكبار أباطرة التهريب المنظم الذين ينشطون بين سبتة السليبة ومدن الشمال، يهربون العديد من أنواع السلع من الفواكه الجافة، الملابس، الأحذية الرياضية والأجهزة الإلكترونية، وصولا إلى الخمور وكذا المواد الغذائية  …
يترأس كل واحد منهم مجموعة تعد بالمئات من المهربين والمهربات (الحمالون والحمالات) الذين يعملون على نقل رزم من السلع إلى الجانب المغربي عبر “طارخال2” محملة بمواد مهربة، مقابل مبلغ يتراوح بين 400 درهم و600 عن كل رزمة، حسب حجمها.
وتقدر العمليات المنظمة للتهريب عبر معبر “طارخال2″، بملايين السنتيمات يوميا، يستفيد منها أباطرة هذا النوع من التجارة، والذين “يشترون” الطريق لحماليهم، حيث تمر بضائعهم المهربة وفق اتفاقات مسبقة، وغالبا ما تتضمن رمزا محددا لجعلها محصنة من أي رقابة أو مصادرة.
وهو الرمز الذي يتم الاتفاق عليه في آخر لحظة، ليكون “كلمة المرور” التي تجتاز بها تلك السلع والرزم الرقابة بسلام، في حين تخضع غيرها من السلع للتفيتش والمصادرة أحيانا.

12 قتيلا في أقل من 3 سنوات

وتشير بعض الإحصائيات إلى أن عدد ضحايا التهريب المعيشي بلغ منذ 2017 لحد الآن، 12 قتيلا، (9 نساء و 3 رجال)، أغلبهم فارقوا الحياة جراء التدافع الذي يقع بين الحين والآخر في هذا المعبر.
وأبرز هذه الأحداث المأساوية هي ما وقع في يناير 2018 عندما أدى تدافع شديد بمعبر باب سبتة إلى مصرع امرأتين مغربيتين من ممتهنات التهريب المعيشي دهستا تحت الأقدام، وهما (إلهام وسعاد) كانتا في الأربعينات من العمر، وتتحدران من الفنيدق.
وفي ظل ارتفاع حالات موت العديد من ممتهني، وممتهنات التهريب، إضافة إلى مآس إنسانية أخرى من مبيت في العراء، والتعرض لشتى أنواع العنف النفسي والجسدي، يبقى السؤال مطروحا عما إذا كانت السلطات المغربية تولي في الأصل أي اهتمام لهذه الشريحة المهمة من مواطنيها.
وجراء الحوادث المميتة المتكررة، أجبرت السلطات الإسبانية النساء الممتهنات للتهريب على نقل السلع فوق عربات حديدية بدل حملها على ظهورهن، بعد حادث وفاة (إلهام وسعاد)  في يناير 2018 في المعبر، وهو الإجراء الذي التزمت به كل النساء، على رغم أنه لم يضع حدا لمعاناتهن.

تقرير يكشف معطيات صادمة

كشف تقرير برلماني أعدته لجنة  برلمانية، أخيرا، عن معطيات صادمة حول ظروف عمل النساء المشتغلات في تهريب البضائع بباب سبتة المحتلة، إذ صرحن لأعضاء اللجنة البرلمانية التي قامت باستطلاع أنهن يتعرضن لكافة أنواع الاستغلال، ويشتغلن في ظروف تنعدم فيها أبسط شروط الكرامة الإنسانية.
ومن بين المعطيات الصادمة التي جاءت في التقرير أن من بين النساء اللواتي يشتغلن في التهريب المعيشي من تضع الحفاظات، لعدم وجود مراحيض في معبر باب سبتة، كما أنهن يتعرضن للسب والشتم والاعتداءات الجسدية.
والمثير في التقرير أنه كشف أن السيارات التي تدخل إلى سبتة المحتلة من أجل تهريب البضائع، وعددها يناهز 1000 سيارة يوميا، لا تعود للمهربين فقط، بل إن عشرات منها، قدرها أعضاء لجنة المهمة الاستطلاعية التي أنجزت التقرير، بمائتي سيارة، تعود ملكيتها لرجال الأمن والجمارك، ويحظى أصحابها بمعاملة خاصة، من حيث سهولة العبور، وكذلك في ما يتعلق بالمراقبة، وهو ما يطرح، حسب الوثيقة ذاتها، سؤال الخسائر الاقتصادية الفادحة التي يتكبدها المغرب جراء التهريب.

تجار مهددون بالإفلاس

وبسبب توقف أنشطة التهريب بالمعبر الشهير “طارخال 2″، تضرر تجار المواد المهربة بشكل كبير. وأصبح وضعهم صعبا جدا، إذ بات عدد منهم مهددا بالإفلاس، بعد تمديد فترة إغلاق المعبر إلى حين استكمال الإصلاحات وإعداد إجراءات جديدة تمنع حدوث فوضى أو حوادث خطيرة في أوساط ممتهني التهريب، دون أن تعلن سلطات البلدين عن أي موعد محدد لعودة التهريب، وهو ما سيساهم في تأزيم الوضعية المادية لتجار طارخال.
وأوضح أحد التجار في تصريح لـ “الصباح” أن قطاع التجارة بمنطقة “طارخال” أصيب بالكساد، ما دفع بالتجار إلى تنظيم وقفات احتجاجية في وقت سابق للتعبير عن الضرر الذي لحق بهم، قصد تدخل السلطات لإيجاد حل عاجل ينقذهم من الإفلاس، مضيفا أن أغلبهم عرضوا مستودعاتهم للبيع وغادروا المدينة.

دواعي إغلاق المعبر

وعن دواعي إغلاق المعبر عزا  مصدر مسؤول من عمالة المضيق الفنيدق القرار  إلى عدة أسباب، يأتي في مقدمتها تزامن هذه الفترة مع احتفالات دينية ووطنية بكل من المغرب وسبتة السليبة، إضافة إلى عدم استكمال الأشغال التي يعرفها المعبر الحدودي، سواء من الجانبين الإسباني أو المغربي، إذ كان مقررا فتح معبر “طارخال2” في 28 أكتوبر الماضي، لكنه أغلق مرة أخرى دون أن تحدد السلطات أجلا لإعادة فتحه.
وأشار المسؤول نفسه إلى أن هاجس تسلل “دواعش” عبر المركز الحدودي باب سبتة يبقى من بين أهم الأسباب التي دفعت السلطات المغربية والإسبانية إلى إتخاذ قرار إغلاق معبر باب سبتة في وجه ممتهني التهريب إلى أجل غير مسمى.
وأفاد المسؤول ذاته أن الإغلاق يتزامن وحدث تفكيك الخلية الإرهابية الموالية لما يسمى بتنظيم “الدولة الإسلامية”، والتي كانت بصدد إعداد قاعدة جبلية في شمال المملكة، حيث كانت تتطلع إلى الإعلان عما يسمى بـ “ولاية المغرب الإسلامي” الموالية لتنظيم “داعش” الإرهابي، مما رفع حالة التأهب القصوى في صفوف الأجهزة الأمنية المغربية ونظيرتها الإسبانية بالمعبر الحدودي باب سبتة.

تسلل إرهابيين

وحذر مرصد الشمال لحقوق الإنسان من وجود بعض المحسوبين على التنظيم الإسلامي المتطرف ضمن المهاجرين السريين بضواحي سبتة المحتلة، ما دفع بالسلطات المغربية لشن حملات تمشيط وسط الغابات المجاورة لمنطقة “بليونش” المحاذية للسياج الفاصل بين سبتة السليبة وبقية الأراضي المغربية التي يفترض أن يتمركز فيها المهاجرون من دول جنوب الصحراء، إذ لا يستبعد وجود تمشيطات للبحث عن إرهابيين مفترضين على خلفية تفكيك الخلية الإرهابية، حيث أعلن عن وجود شخص يحمل الجنسية السورية ضمن هذه الخلية يجري البحث عنه على الحدود.

تشديد المراقبة سبب الاكتظاظ

يشهد المعبر الحدودي اكتظاظا غير مسبوق، خاصة بالنسبة إلى السيارات الوالجة للثغر المحتل، من الجانب المغربي، وذلك في أعقاب الإجراءات الأمنية المشددة، التي بدأت تنهجها سلطات البلدين، ما جعل مستعملي المعبر يعانون كثيرا جراء هذا الازدحام الشديد.
ويرجع سبب هذا الاكتظاظ الشديد إلى اتخاذ سلطات البلدين مجموعة من الإجراءات المشددة، شملت تدابير خاصة أثناء مراقبة وتفتيش الأشخاص والسيارات المتوجهة إلى داخل وخارج التراب الوطني.
ويرجع عدد من المتتبعين تشديد المراقبة بالمعبر الحدودي باب سبتة إلى هاجس تسلل بعض المتطرفين عبر هذا المعبر، مما رفع حالة التأهب القصوى في صفوف الأجهزة الأمنية من الجانبين المغربي والإسباني.

احتجاج التجار

شهدت ساحة الملوك بسبتة المحتلة، الجمعة الماضي، تظاهرة حاشدة نظمها التجار المتضررون احتجاجا على إغلاق الحدود في وجه التهريب منذ 9 أكتوبر الماضي، اضافة إلى الإجراءات المتشددة التي يمارسها الامن الاسباني ضد سكان تطوان والمناطق المجاورة الذين يقصدون الثغر للسياحة والتبضع.
وفي ارتباط بالموضوع ذاته، نفى مصدر مغربي مسؤول الخبر الذي تناقلته وسائل الإعلام بسبتة السليبة، والتي نقلت عن مندوبة الحكومة المحلية أن معبر طارخال 2 سيعود لنشاطه السابق لتهريب السلع في اتجاه المغرب يوم الاثنين 18 نونبر الجاري، وهو التاريخ الذي يتصادف مع احتفالات عيد الاستقلال بالمملكة المغربية.
وأوضح المسؤول في تصريح ل “الصباح” أن الجانب المغربي ليس له أي علم بما تم تناقله في الاعلام الإسباني أن السلطات المغربية ستنهي الأشغال التي تقوم بها في المعبر وستفتحه في التاريخ الذي حددته حكومة سبتة المحتلة في بلاغها، معتبرا هذا الخبر الزائف مجرد مناورة لكسب أصوات الناخبين السبتيين وتخفيف الضغط الذي يمارسه التجار الإسبان بعد الركود التجاري والاقتصادي الذي عرفته مدينة سبتة المحتلة.

آراء حقوقيين

معضلة حقوقية واقتصادية

معبر باب سبتة معضلة انسانية، حقوقية، اجتماعية، اقتصادية وصحية … حان الوقت لوضع نهاية له، إذ لم يعد من المنطقي قبول ما يجري هناك من كوارث على كافة المستويات. لهذا طالبنا منذ أزيد من ثلاث سنوات، ومع البدايات الأولى لسقوط الضحايا بإغلاقه والبحث عن بدائل  لممتهني وممتهنات التهريب، الذين يتعرضون لأبشع استغلال، وهنا لا بد أن أشير إلى أن المستفيد الأول من أنشطة التهريب هي سلطات سبتة المحتلة التي يقوم اقتصادها على التهريب إغراق المغرب بمنتوجات غير صحية…، والمستفيد الثاني هم بارونات التهريب الذين يعدون على رؤوس الأصابع بتواطؤ مع بعض رجال الجمارك والأمن الذين راكموا ثروات بالملايير وعقارات هنا وهناك …
كان لا بد لنا، ونحن نرى مواطنين يتساقطون واحدا تلو الآخر، أن نقول بكل جرأة كفى من الموت، ونعم للمبادرات التي تضمن كرامة الإنسان وتفتح فرصا للتنمية الحقيقية. كما يجب أن يكسر الصمت الذي تواجه به السلطات المركزية ما يجري بالمعبر حينا، وتتوقف الحلول الترقيعية، وأن تتحمل السلطات مسؤولياتها للبحث عن حلول جذرية لواقع مغربي مترد، أحد تمظهراته معبر الذل بباب سبتة.
كما أشير إلى أن التمثلات الثقافية التي لازالت حاضرة لدى البعض حول أن التهريب هو مصدر الدخل “الاقتصادي” الأول بالمنطقة تمثلات خاطئة، في حين أن السياحة الموسمية هي مصدر الدخل الأول ويمكن أن تشكل رافعة اقتصادية قوية في حال استثمار مؤهلات المنطقة بجعلها نقطة جذب سياحي على طول السنة.
ونقطة القوة الثانية هي الميناء المتوسطي والمؤسسات التابعة له التي من المفروض أن تخرج المنطقة من قوقعتها، عبر مشاريع تراعي التوزيع المجالي، وتمتص البطالة المستشرية بين شبابها.
محمد بنعيسى
(رئيس مرصد الشمال لحقوق الإنسان)

مآس إنسانية

لطالما كان منع التهريب عبر معبر باب سبتة مطلبا حقوقيا، نظرا لما تنتجه هذه النقطة الحدودية من مآس إنسانية وما يحدث فيها من انتهاكات وهدر للكرامة، إضافة إلى ما تسببه من ضرر على الاقتصاد الوطني.
لكن هذا المطلب كانت توازيه مطالب أخرى متمثلة في ضرورة توفير بدائل للعاملات والعاملين في مجال التهريب المعيشي وإدماجهم في برامج التنمية بالمنطقة حتى تحفظ كرامتهم وحقهم في العيش الكريم.
للأسف ما يحدث أخيرا من إغلاق للمعبر بشكل متتال جعل مئات الشباب والأسر أمام شبح فقر حقيقي، لأن التهريب كان مصدرا وحيدا لدخلهم رغم هزالته، وهذا الأمر بدأت تظهر بجلاء صوره مع ارتفاع مظاهر التسول وحالات الانتحار… يضاف إلى ذلك انعكاس هذا الإغلاق على الوضعية الاقتصادية لعدد من القطاعات التي كانت مرتبطة بالتهريب كالنقل والأسواق التي تعرف كسادا غير مسبوق.
عموما الوضع يتدهور بشكل كارثي وعلى المسؤولين ايجاد بدائل عاجلة لامتصاص بطالة الشباب وادماج العاملات والعاملين المعوزين في برامج التنمية والشغل في المنطقة.

محمد سعيد السوسي (ناشط حقوقي)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
assabah

مجانى
عرض