خاص

شبكات التواصل … ثورة على الوسائط التقليدية

بروز أشكال جديدة للاحتجاج وتجاوز هيآت الوساطة يسائلان الأحزاب والنقابات

أوصى المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي بتسريع إرساء آليات الديمقراطية التشاركية ومواكبة ثورة الشبكات الاجتماعية، عن طريق اتخاذ الإجراءات لتمكين المواطن من التعبير والمشاركة في تدبير الشأن العام.

إعداد: برحو بوزياني

أكد المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في تقريره السنوي حول الأشكال الجديدة للاحتجاج، أهمية التكنولوجيا الرقمية باعتبارها رافعة تسهل إعمال الديمقراطية التشاركية، وتمكن من مقاربتها بطريقة مبتكرة، إذ باتت التكنولوجيات تساهم في بروز أشكال جديدة للاحتجاج، وتجاوز الهيآت الوسيطة التقليدية من أحزاب ونقابات.
وخلصت الدراسة إلى أن تنامي الاحتجاج عن طريق وسائط غير تقليدية يظهر مدى اهتمام المواطن بقضايا الشأن العام.
وحسب التقرير السنوي للوكالة الوطنية لتقنين المواصلات لـ 2017، عرفت خدمة الأنترنيت نموا يفوق 30 في المائة بخصوص سنة واحدة، أي بزيادة صافية قدرها خمسة ملايين مشترك. وهكذا تجاوز عدد المشتركين مليون مشترك في خدمة الأنترنيت الثابت والمتنقل، أي ما يناهز ثلثي عدد المغاربة.

كما سجل معدل نمو ولوج الأسر إلى الأنترنت وتيرة مطردة، إذ ارتفع بنسبة 181 في المائة ما بين 2010 و 2017، ما يؤشر على دخول المغرب بقوة إلى مجتمع الاتصال. وعرف الهاتف المحمول تعميما على جميع الأسر تقريبا، سواء بالوسط الحضري ( 99.81 في المائة) أو القروي (99.71 في المائة). وبلغ متوسط عدد الأفراد المتوفرين على هاتف محمول 3.9 لكل أسرة على المستوى الوطني، و 4.2 في الوسط القروي. كما أن حوالي 92 في المائة من الأفراد لديهم هاتف محمول، 73 في المائة منهم يتوفرون على هاتف ذكي.
وارتفع هذا المؤشر ب 72 في المائة ما بين 2010 و 2017، مما يفيد أن هذه التجهيزات لم تعد نخبوية أو فاخرة، ولكنها دخلت ضمن سلع الاستهلاك الواسعة الانتشار.
وبخصوص شبكات التواصل الاجتماعي، فإن 94.3 في المائة من مرتادي الأنترنت، أي ما يعادل 18.5 مليون شخص، ولجوا إلى شبكات التواصل الاجتماعي خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة من 2017، و98.4 في المائة من مرتادي الأنترنت المتراوحة أعمارهم ما بين سنة 15و24 يشاركون في هذه الشبكات.

فضاء للتعبير الحر

تحولت قنوات للتواصل الاجتماعي إلى مصدر للمستعلمين لاستقاء الأخبار والتعبير عن آرائهم واقتسام تجاربهم مع الآخرين، وتطوير علاقاتهم، كما أضحت آلية قوية للتعبئة المواطنة والنضال السياسي، وهو ما كشفته أحداث بثورات الربيع العربي، وأبرزته العديد من الحركات الاحتجاجية التي شهدها العالم من قبيل حركة “الغاضبين” في إسبانيا في ماي 2011 وحركة “السترات الصفراء” بفرنسا. ولعل القاسم المشترك بين هذه الحركات هو أنها انطلقت خارج الإطارات الاجتماعية التقليدية، الأحزاب والنقابات، باعتبارها حركة جماعية كبرى تكونت انطلاقا من رسائل ودعوات أطلقت على شبكات التواصل الاجتماعي.
وترى الدراسة أن تلك الأشكال تعبير عن شعور بالاستياء من الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يعيش في ظلها المواطنون، كما أنها انعكاس لتراجع الثقة في المسؤولين المنتخبين، ولا تمر عبر أي من فعاليات الوساطة التقليدية.
لقد أصبح المواطنون، من خلال هذه الأشكال الجديدة، فاعلين في المشهد السياسي، سواء الواقعي أم الافتراضي، وصاروا يعبرون عن أنفسهم بدون وسطاء. وشكلت حركة 20 فبراير التي ظهرت في 2011 في سياق الربيع العربي منعطفا في أشكال الاحتجاج الاجتماعي.

خلخلة البنيات التقليدية

تركت شبكات التواصل الاجتماعي تأثيرا مهما في البنيات التقليدية للتنظيم السياسي ولتدبير الفضاء العام، وسمحت بإعادة تملك المجال العام من لدن شباب كان يعتقد أنهم غير مهتمين بالشأن السياسي، كما ساهمت في الوقت نفسه في إحداث مسافة بين تلك الفئة وبين الأحزاب والنقابات، بوصفها قوى تقليدية للتعبئة الاجتماعية وتنظيمات وسيطة.
وأكدت الدراسة عدم لجوء الحركات الاحتجاجية إلى الأحزاب أو النقابات من أجل التعبير عن مطالبها، لانعدام الثقة في فعاليات الوساطة التقليدية، بما فيها منظمات المجتمع المدني، بل إن أزمة الثقة هذه قد تحدو بالمحتجين إلى رفض وساطة تلك الفعاليات، كما لوحظ خلال احتجاجات الحسيمة.

جيل جديد من الاحتجاج

يرى بعض المحللين أن المغرب يشهد اليوم صعود جيل جديد من أشكال الاحتجاجات الاجتماعية، في إشارة إلى احتجاجات سكان طنجة ضد غلاء فواتير الماء والكهرباء في 2015، أو مسيرات طلبة كليات الطب في 2016، وخلال السنة الجارية، أو احتجاجات إقليم الحسيمة ودرعة تافيلالت وجرادة في 2017 ، وكلها تندرج ضمن الأشكال الجديدة للاحتجاج، والتي تتسم حسب تقرير المجلس بخصائص استعمال شبكات التواصل الاجتماعي كمنصات للتعبئة، وعدم اللجوء إلى الفعاليات والهيآت التقليدية الوسيطة ، من أحزاب ونقابات، وغياب إيديولوجية مشتركة بين المشاركين في الحركات الاحتجاجية. كما أن الشعور بالحيف هو القاسم المشترك بين المحتجين، وأغلب قادة الحركات الاحتجاجية من الشباب، مع حضور نوعي للنساء.

دعوة الأحزاب للتجديد

خلص التقرير إلى أن الأشكال الجديدة للاحتجاج، تسائل الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين التقليديين، وتقتضي منهم الانخراط في هذا الفضاء الجديد للتعبير، الذي يتسم بعدم أو بقلة خضوعه للتقنين، وبعدم اندماجه في الحقل السياسي، حتى لا يتم تجاوزهم، ناهيك عن أن حضور هؤلاء الفاعلين في وسائل الإعلام الافتراضية الجديدة أضحى ضرورة، وهو ما يتطلب منهم إعادة النظر في طريقة تنظيم هيآتهم، لتتماشى مع البنيات الجديدة ذات التنظيم الأفقي، دون إغفال العمل على تحليل الأسباب التي جعلت تلك الهيآت تعاني أزمة مصداقية، وذلك لتقديم الإجابات اللازمة لتعديل الوضع.
إن الأحزاب والنقابات والمؤسسات مدعوة، يقول التقرير، أمام هذه التحولات الجديدة، إلى إعادة النظر في مضمون خطابها والتحلي بالواقعية والتأقلم مع الفئات المستهدفة وفي طرق عملها وهياكلها التنظيمية وتركيبة أعضائها، وفتح مجال أكبر للشباب والنساء، وتجديد نفسها حتى تتمكن من مواصلة الاضطلاع بالأدوار المنوطة بها بموجب الدستور.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
assabah

مجانى
عرض