fbpx
مقالات الرأي

معراج الندوي: الصمت يقول….

عندما يعجز اللسان عن الحديث، وتعجز الجوارح عن التعبير، يكون الصمت هو المعبر الوحيد عما يشعر به الإنسان. الصمت لغة تحوي كل اللغات. الصمت يتواصل ويعبر الآفاق ويتجاوز المسافات. الصمت أبلغ من الكلام، والصمت لغة الاذكياء، فالصمت رسالة إنصات للوجود، وهو شعور فريد، لا يتقنه الكثيرين. وفي بعض الأحيان يكون الصمت خيرٌ من الكلام.
الصمت صورة عاكسة للواقع الإنساني، حيث يغدو الصمت لغة ناس كثيرين، حتى أنهم قالوا: إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب. وقالوا إن الصامتين إما أنهم يحملون بداخلهم حزنا كبيرا أو حلما كبيرا، وهذا تعبير بليغ على أهمية الصمت باعتباره لغة أخرى من اللغات، أو بالأحرى من أبلغ اللغات.
الصمت في وسعه أن يشغل مساحة كبيرة من خانة التواصل غير اللفظي، انطلاقا من اعتباره نقيضا لكل ما هو لفظي، وهو ما يدفعنا إلى اعتباره من أشكال التواصل غير اللفظي، أو بالأحرى من أرقى أشكالها،وأبلغها. الصمت بأنه لغة الوجود التي تعبر عن كل شيء دون أن تقول شيئا، وبحر من المعاني المتداخلة التي تعبر عن وجعنا وفرحنا، إن لغة الصمت تعبر في جوهرها عن تجارب ذاتية محضة. ثم حاول الإحاطة بالمعاني التي تحملها الصورة، من خلال كونها رسالة صامتة.
إن الصمت يمنحك طاقة قوية للتفكير بعمق في كل ما يحصل حولك والتركيز بعقلانية على إجابتك، فيجعلك تسيطر على من أمامك من خلال نظرات محملة بمعان غير منطوقة، تجعلهم حائرين في تفسيرها.الصمت تعبير عن شعور الانسان بالرغم من انه يستطيع أن يوصل معانيها المختلفه في أجمل الصور بدون كلمات.عندما يملأ الحزن والألم القلوت فسكت اللسان.
الصمت لغة الروح والوجدان، وله بلاغة جميلة تكون أقوى من حكم الكلمات والحروف. فمرات كثيرة تتوقف أمام عيون تكاد أن تبكي أو وجه أمرأة ملجومة بحزن منعها من الصراخ. فالحروف والكلمات ليست سوى جزيئات مادية في عالمنا المادي واما عالمنا الداخلي في عقولنا وقلوبنا فلا يوجد بها سوى الشغف وسر ساكن لب الفؤاد كلما عجز اللسان عن نطقه كان وقعه أعظم.
الصمت ليس غياب الصوت، بل هو وجود المعنى. وفي الصمت يأتي معدن الحب الصافي النقي فهو من خصائص الروح والروح بنوعها نقيه طاهره، والحب في معناه الحقيقي هو ميول لهذه الروح النقية. فالصمت هو صوت الفطرة المتحرك، فهو تعبير عن الوجود والحياة والكون.
الحب أحيانا يعشق التحدث بالصمت، ويترك للعيون أن تنطق بلغة المشاعر، وعندما يصل الحب الى هذه الدرجة الصافية يسكت اللسان وتصبح لغة الحب الوحيدة هي الصمت، الصمت يتنقل على أوتارها معبّرة عن ما ينبض به القلب من أحاسيس ومشاعر تفوق كل الكلمات وتسجد اللغة عاجزة عن التعبير عنها، فمن لا يشعر بصمتك لن يفهم حديثك. فالصمت رسالة قوية ،لا يمكن التعبير عنها بمئات الكلمات حين يعجز اللسان عن توصيل مقدار تلك المعاني والمفاهيم.

د. معراج أحمد معراج الندوي: الأستاذ المساعد، قسم اللغة العربية وآدابها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى