ربورتاج

فيلا كارل فيك … صلاة الغائب

تقاوم الزمن منذ أزيد من قرن وتطوي أسرار الألمان في المغرب

مازالت فيلا الألماني كارل فيك، بالبيضاء، إحدى المعالم والبنايات الأثرية الغارقة في السر منذ من قرن، تنتظر “منقذها من الضلال” ومن الموت الذي دب في أوصالها، رغم إدراجها ضمن مشاريع إعادة تأهيل التراث ورصدت لها ملايير السنتيمات من أجل ترميمها وإعادة الحياة إليها، دون أن يتحقق شيء من ذلك. في هذا الخاص تقودكم “الصباح” في جولة عبر ردهاتها كما تستعيد معها جانبا من تاريخ الحضور الألماني بالمغرب بدايات القرن الماضي، وجوانب من سيرة كارل فيك أحد أكبر التجار الأجانب الذين مروا من هنا.

إنجاز: عزيز المجدوب / تصوير: (عبد الحق خليفة)

عند تقاطع شارعي المقاومة وزنقة عمر الريفي، وفي هذه النقطة التي تتسم باكتظاظ حركة السير والجولان، وارتفاع صخبها، تنتصب بناية أثرية عبارة عن فيلا، تثير انتباه العابرين، ومنهم من لا يلقي لها بالا ويعتبرها امتدادا للبنايات القديمة المنتشرة في المنطقة والآيلة للسقوط، في انتظار الإجهاز عليها من قبل لوبيات العقار المتربصة بنظيراتها.
وهناك من تحرك فيه هذه الفيلا الفضول، ليتساءل عن حكاية هذه البناية التي ترسخت في أذهان أجيال من البيضاويين الذين اعتادوا رؤيتها شامخة في مواجهة عمارة “الحرية” بطوابقها السبعة عشر، واللتان باتتا تشكلان جزءا من ذاكرة المكان، فضلا عن أجيال أخرى من تلميذات الثانوية الإعدادية “خناتة بنت بكار” التي تشكل امتدادا للبناية.
وهكذا ظلت فيلا “كارل فيك” غارقة في سرها الذي ظلت تطويه خلف جدرانها أكثر من قرن من الزمان، بعد رحيل صاحبها الألماني، إثر تنفيذ حكم الإعدام فيه من قبل سلطات الحماية، بعد اتهامه بالجاسوسية والخيانة العظمى، لتظل البناية نهبا لتقلبات البشر والزمن اللذين تعاقبا عليها، وفعلا فعلهما فيها، قبل أن تتنبه لها سلطات البيضاء ومجلسه مدينتها، ليتم إدراجها ضمن مشاريع البنايات التي سيتم إنقاذها، دون أن يجد مشروع الإنقاذ سبيله إلى التنفيذ.

“بنت بكار” في حمى “فيك”

لم يكن الدخول إلى بناية “كارل فيك” بالأمر اليسير، إذ باءت كل محاولات التنسيق مع مسؤولي مجلس المدينة أو “كازا للتهيئة” لاكتشاف البناية بالفشل، بعد أن أبدى بعضهم تحفظا، فيما لم يكلف آخرون أنفسهم عناء الإجابة عن الاتصالات الهاتفية.
كان الحل بالنسبة إلينا هو الولوج إلى البناية عن طريق المؤسسة التعليمية “خناتة بنت بكار” التي تتصل بفيلا كارل فيك، وتشكل امتدادا لها، بعد أن اختار المهندس “كيغومارد” تحويل جزء من الحديقة الخارجية المحيطة بالفيلا إلى مؤسسة تعليمية خلال عشرينات القرن الماضي، أي بعد أقل من عشر سنوات على وفاة صاحبها.
المفاجأة كانت هي أن العديد من مرافق هذه المؤسسة مثل الملاعب الرياضية، وكذلك بعض القاعات الدراسية الملحقة، بنيت فوق الحديقة الداخلية للفيلا، كما أن مستودعات استراحة التلميذات، كانت إلى الأمس القريب، تتخذ من “الكراجات” التابعة للفيلا وغرفها السفلية، إضافة إلى اتخاذها سكنا وظيفيا ومقرا للحراسة العامة، قبل أن يتم إفراغها، بعد أن تداعت الفيلا للسقوط وصارت تشكل خطرا على كل داخل إليها.

إهمال وتخريب

كل مظاهر الإهمال والتخريب تعرضت لها فيلا “كارل فيك” كأن وزارة الثقافة لم تصنفها تراثا وطنيا، أو لم يدرجها مجلس المدينة ضمن مشاريع إعادة تأهيل التراث، وتخصص لها ميزانية 25 مليون درهم من أجل ترميمها وتحويلها فضاء ثقافيا وتنجز من أجلها دراسات ذهبت الأموال المرصودة لها في مهب الريح، كل هاته الأمور لم تشفع لهذه البناية في أن تستعيد حيويتها.
جدران متآكلة، وشرفات متصدعة، ونوافذ وأبواب أكلتها الرطوبة وقطع فنية نفيسة تساقطت من عل عبارة عن نقوش وتماثيل صغيرة مطروحة أرضا، فضلا عن مظاهر الخراب الأخرى التي توحي بأن إهمالا قاتلا عانته البناية، التي صارت مرتعا للحمام ومختلف الحشرات والزواحف والقوارض التي اتخذتها مسكنها لها، متخذة من الدعامات الحديدية الداخلية التي تحول دون سقوطها النهائي، بمثابة أعشاش لها، إلى حين تحقق وعود إنقاذها بعد فوات الأوان.
كما أن الكم الهائل من الحشائش والأشجار وكذلك الأتربة والأحجار المحيطة بالبناية يجعل مهمة الوصول إليها مهمة محفوفة بالمخاطر، لتزداد حدة الخطورة بمجرد تجاوز عتبة الباب، إذ لا شيء يحول دون سقوط البناية وتداعيها، سوى الدعامات الحديدية التي تعضدها، فضلا عن رائحة الرطوبة والعفن يجعل الداخل إليها مندهشا من سخافة الإعلان عن إدراج اسم الفيلا ضمن البنايات التي سيتم إنقاذها والمتاجرة باسمها، دون أدنى تدخل، للحيلولة دون استمرار نزيفها المتواصل، يوما بعد آخر.
تفاصيل البناية وما تبقى من تجهيزاتها تحيل على نمط العيش الذي كان سائدا قبل أزيد من قرن وعشر سنوات، حين اختار التاجر الألماني كارل فيك تشييد قصره الخاص، الذي اكتمل بناؤه سنة 1910، على مساحة ناهزت 20 ألف متر مربع ضم البناية والحديقة المحيطة بها، بتصميم بديع من توقيع المهندس “أوليس طونسي” ليتم ربطها بشبكة الماء والكهرباء بشكل مبكر، وفي فترة لم يكن فيها المجال المحيط بها سوى خلاء.
مقابض الأبواب والنوافذ، ونوعية مفاتيح الكهرباء وكذلك الرخام الذي زينت به الأدراج التي تتوسط فناء الفيلا، كلها عناصر تحيل على شيء من البذخ والثراء والماضي التليد لهذه البناية، التي يضم طابقها الأرضي ثماني غرف، قبل أن تفضي أدراجه الرخامية إلى الطابق الأول الذي يحتوي بدوره على اثنتي عشرة غرفة، فضلا عن شرفات تطل عبر ثلاثة اتجاهات، بحكم موقع الفيلا الاستراتيجي الذي يمكن من رؤية بانورامية للبيضاء.

حكاية الوجود الألماني بالمغرب

ظلت حكاية كارل فيك يشوبها الغموض، إذ ارتبطت بالوجود الألماني بالبيضاء خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وكان فيك أحد رموز هذا الوجود باعتباره من كبار الأغنياء الأجانب الذين استقروا بالمغرب.
وعاش المغرب مجموعة من التحولات خلال هذه المرحلة التي مهدت لاحتلاله من قبل القوى الاستعمارية التي اشتد التنافس بينها على توزيع المصالح داخل المملكة الخارجة آنذاك من حروب طاحنة أدخلت الوهن والضعف إليها أشهرها معركة “إسلي” في 1844، لتعقد مجموعة من الاتفاقيات منها الاتفاقية المغربية الانجليزية سنة 1856، ما فتح الباب على مصراعيه أمام التجارة الأوربية بالمغرب. وفي هذا الصدد يقول الباحث نور الدين فردي إن العديد من الدول الأوربية حذت حذو إنجلترا ووقعت هي الأخرى اتفاقيات مع المغرب منها فرنسا في 1863، وإسبانيا، وأيضا ألمانيا خلال العقد الأخير من القرن التاسع عشر، بموجبها تستفيد هذه الدول من امتيازات في تصدير واستيراد البضائع.
ويضيف فردي، في حديث مع “الصباح”، أن ألمانيا حينها كانت تشكل قوة اقتصادية عظمى خاصة بعد توحيدها على عهد بسمارك، لتدخل على الخط في التنافس على المغرب إلى جانب بقية القوى الاستعمارية، وهكذا ستصبح البيضاء مع بداية القرن العشرين وجهة لأكبر جالية أوربية كما سيسحب ميناؤها البساط من تحت نظيره بطنجة ويصبح نقطة تحول المدينة الصغيرة التي ستتحول إلى قطب اقتصادي في ما بعد.
وفي هذا السياق سيأتي تأسيس الألمان لشركات ومؤسسات تجارية منهم كارل فيك والإخوة مانيسمان، فصارت لديهم ممتلكات عبارة عن أراض وبنايات، بالبيضاء ونواحيها خاصة زناتة واولاد حريز ومديونة، في إطار المضاربات العقارية. وهنا برز اسم كارل فيك واحدا من كبار الأغنياء والمستثمرين بالبيضاء الذي استقر فيها نهاية القرن التاسع عشر، وصار أحد رجال الأعمال ومؤسس ورئيس الغرفة التجارية الألمانية كما يقول عبد الله نكيب الباحث والمهتم بتاريخ البيضاء.
ويضيف نكيب أن كارل فيك كان له أخ يتقن الدارجة المغربية، لدرجة أنه ألف كتيبا صغيرا عبارة عن دليل حول كيفية الحديث بالدارجة البيضاوية موجه إلى الألمان القادمين إلى المغرب.

مخالطة وصراع ألماني فرنسي

دخل فيك في نظام “المخالطة” مع مجموعة من الفلاحين المغاربة، وكان هذا النظام أحد تجليات أساليب الضغط على المخزن، إلى جانب نظام الحماية القنصلية، وكان سائدا بالبوادي ومكن الألمان من اقتناء مساحات شاسعة من الأراضي بنواحي البيضاء جاوزت 500 هكتار توزعت بين ثلاثة أسماء وهم كارل فيك وفيتين والإخوة مانيسمان حسب قول نور الدين فردي.
وبموجب نظام المخالطة، المحمي بمواثيق دولية صادق عليها المغرب حينها، كان كارل فيك يقتني الأراضي والمواشي، وطور تجارته ورأس ماله ليصير واحدا من كبار الأثرياء الأجانب والألمان على وجه الخصوص، الذين صارت لهم مصالح تجارية قوية جعلت “غيوم الثاني” إمبراطور ألمانيا يضع مسألة حمايتها على رأس أولويات زيارته للمغرب سنة 1905. واشتد الصراع بين الفرنسيين والألمان، بعد انسحاب الانجليز بموجب اتفاق ودي سنة 1904 مقابل تخلي الفرنسيين عن احتلال مصر، كما أن مؤتمر الجزيرة الخضراء الذي انعقد سنة 1906، خرجت منه فرنسا منتصرة سياسيا، لتحكم الخناق على المغرب وتشرع في السيطرة عليه تدريجيا، في الوقت الذي تواصلت حربها الباردة مع ألمانيا التي ظلت محافظة على مصالحها في المغرب.
وهكذا شرعت فرنسا في إنزالاتها العسكرية، التي توجت بأحداث غشت 1907، وأحكمت قبضتها على البيضاء ونواحيها، بعد معارك ضارية وشرعت في بناء تحصيناتها العسكرية منها بناء حصنين للمراقبة الأول هو “حصن بروفو” على هضبة مرس السلطان وفي الموقع الحالي للقصر الملكي، والثاني حصن “إيلير” قريبا من الموقع الحالي بين شارع 2 مارس وزنقة سبتة قريبا من حديقة “مردوخ”.
في هذه الفترة طرح مشكل السكن بالنسبة إلى كبار التجار الأوربيين خاصة بعد ارتفاع المضاربات العقارية، إذ كان الخيار المطروح فقط داخل أسوار المدينة القديمة، ليختار بعضهم اقتناء أراضي خارج الأسوار وتنبت مجموعة من الضيعات والمزارع في ملكية الأجانب مثل “ألفاريس” و”بانون” وبروسبير”. واختار كارل فيك تشييد قصره على بعد أمتار من حصن “بروفو”، ضامنا بذلك نوعا من الحماية العسكرية، وفي موقع استراتيجي يتيح له رؤية المدينة من فوق هضبة مرس السلطان، إذ كان يتنقل إليها يوميا على متن عربة مجرورة بالخيل إلى مقر شركته قريبا من شارع “الكاطريام زواف” (هوفوات بوانيي حاليا). لكن نشاط فيك التجاري وثراءه الفاحش لم يكن تنظر إليه سلطات الحماية الفرنسية بعين الرضى، إذ كان يعتبر بالنسبة إليها رمزا للوجود الألماني غير المرغوب فيه، ومنافسا شرسا للفرنسيين على مصالحهم الاقتصادية والتجارية، وهو الأمر الذي جعلهم يتحينون فرص الانقضاض عليه وهو ما وفرته أجواء اندلاع الحرب العالمية الأولى، إذ وجهت له تهم حماية 300 سجين ألماني ، فضلا عن تهم أخرى بالتخابر والتجسس، ليتم اعتقاله وتنفيذ حكم الإعدام فيه يوم 28 يناير 1915 رفقة صديقه رايخ غوندلر ويدفنان بمقبرة العنق بالبيضاء، ليتم بعد ذلك وضع أملاكه في المزاد العلني.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق