ربورتاج

البيضاء تتحسس حفرياتها

الموقع الأركيولوجي سيدي عبد الرحمن يستعد لفتح أبوابه

بعد مضي أزيد من قرن على اكتشاف الموقع الأثري لسيدي عبد الرحمن، وبعد أزيد من سبعين سنة على انطلاق الحفريات من قبل البعثات العلمية الأجنبية وتواصلها إلى غاية منتصف التسعينات، تحسست البيضاء أخيرا هذا الموقع ليعاد بعث الحياة فيه من جديد من خلال تهيئة الفضاء وجعله منتزها أركيولوجيا سيفتح في وجه العموم قريبا بعد انتهاء أشغال التهيئة به، ووضع اللمسات الأخيرة عليه. في هذا الخاص تأخذكم “الصباح” في جولة بهذا الموقع الذي يكشف جانبا من التاريخ الغابر للعاصمة الاقتصادية.
إنجاز: عزيز المجدوب – تصوير (أحمد جرفي)

خلف الصخب الذي يختزنه منتزه “سندباد” القريب من شاطئ عين الذئاب، وعلى بعد مسافة قصيرة تتناهى من خلالها إلى السمع أصوات الأطفال الذين يلهون بحديقة الألعاب، يقبع الموقع الأركيولوجي سيدي عبد الرحمن مستكينا لهدوئه ومنطويا على ما تثويه أرجاؤه وجنباته من أسرار التاريخ وحكايات التجاعيد التي خطها الزمن على جنبات الأسوار الطبيعية التي تشكلت بفعل تعاقب الحفر والتنقيب لنقل الحجارة، لتترك لنا جردا “ستراتيغرافيا” يرمز إلى الطبقات الأرضية التي تمنح مؤشرات على عمر الموقع الضارب في عمق التاريخ والأزل.
في هذه الرقعة التي تمتد على حوالي ستة هكتارات، اختارت وزارة الثقافة بتنسيق مع شركة “البيضاء للتهيئة”، أن تجعل منها منتزها أركيولوجيا في صفقة بلغت تكلفتها 40 مليون درهم، وهو الأمر الذي استغرق بضع سنوات من الأشغال لتعيد الحياة من جديد للمكان، بعد أن شيدت فيه بعض المباني والتجهيزات، التي غيرت معالمه، وحولته من أرض جرداء تراكمت فيها الأزبال والحجارة، إلى فضاء قابل لأن يرتاده الزوار ويطلعوا من خلاله على جانب من تاريخ البيضاء الدفين.

متحف طبيعي
عند مدخل الفضاء استقبلنا حارسا المكان بترحاب بالغ، زكاه إسماعيل وليد سعد محافظ الموقع، الذي أبدى منذ بداية اللقاء حماسا ملحوظا، للحديث عن أهمية ميلاد فضاء أركيولوجي، يمنح للعاصمة الاقتصادية عمقها التاريخي وينفي عنها صفة أنها مدينة لقيطة بدون تاريخ، ولدت فقط مع مجيء الاستعمار.
ويقول وليد سعد إن الرصيد الأركيولوجي الذي أفرزه المكان، يجعل من البيضاء واحدا من أقدم المواقع التي عاش فيها البشر على وجه الأرض، كما دبت على سطحها كائنات حية قد يندهش المرء إذا عرف أنها فعلا مرت من هنا، كما تشير إلى ذلك بقاياها وآثارها، مثل وحيد القرن والدب والأسود والسباع والفيلة، وحتى الديناصورات وهو ما كشفت عنه الطبقات التي اكتشفت في جنبات الموقع والتي تشير إلى حقبة “الكريتاسي” أو العصر الطباشيري والذي يشير إلى مرحلة انقراض الديناصورات قبل ملايين السنين.
واختار وليد أن يتحدث عن المكان وهو يتجول فيه، إذ يبدو أن المدة التي قضاها محافظا على الموقع، منذ بضعة أشهر، جعلته يتعمق فيه، ويرصد كل صغيرة وكبيرة فيه، إذ استفاد من تكوينه في مجال التدبير الثقافي ومن فترة مسؤولياته السابقة على هذا القطاع محافظا جهويا للآثار، وأيضا من شغفه الخاص بكل ما يمت بصلة للآثار والحفريات والمعمار القديم، ليسخر كل طاقته من أجل التعرف على الموقع والسهر على أن تكتمل معالمه، التي بدأ يقدمها لنا واحدة واحدة.
يقول وليد إن اختيار هذا الفضاء ليكون منتزها أركيولوجيا، أملته عوامل كثيرة، منها موقعة الإستراتيجي، بحكم أنه كان منذ بداية القرن الماضي، مقلعا للحجارة التي شيدت بها سلطات الحماية الفرنسية العديد من المعالم البيضاوية، على رأسها الميناء، وترصيف الطرق ووضع أساس مجموعة من المباني العمومية الضخمة، وهو ما جعل الفضاء على امتداد عقود طويلة مقصدا للبعثات العلمية الأجنبية، التي حولته إلى قبلة للبحث والتنقيب الأركيولوجي.
وكان الموقع يمتد على مساحة 39 هكتارا قبل سنوات، لتتقلص إلى 12 هكتارا، بفعل الإهمال الذي أدى إلى اكتساح النفايات واستغلال أرجائه في بناء بعض الأحياء الشعبية، استغل نصفها، فيما لا يتوفر على سور منيع يحول دون زحف الحجارة، التي غطت وأثرت على المستويات الأثرية، وهو الأمر الذي أخذ بعين الاعتبار ليتم إنقاذ ما يمكن إنقاذه.

مسارات الموقع ومرافقه
وعن معالم مشروع التهيئة يكشف محافظ الموقع أنه ينبسط عبر مجموعة من المحاور، منها الشق الطبيعي الذي يرتكز على مجموعة من الخصائص التي تميز المكان، منها خاصيته الطوبوغرافية، إذ أنه محاط “بستريغرافيا” (أي طبقات الأرض) بشكل عمودي منحته جمالية خاصة تأسر الناظرين إليها وتشجعهم بدافع الفضول والشغف إلى اكتشافه، وهو ما لم يكن ممكنا من قبل، بالنظر إلى عوامل التردي التي اجتاحت الفضاء، قبل أن تتم إعادة تهييئه.
أما الشق الثاني، يضيف وليد سعد، فهو الشق الجيولوجي والأركيولوجي، إذ أن المكان يكشف لنا عن مختلف الحقب الجيولوجية التي عرفتها منطقة سيدي عبد الرحمن بالبيضاء، كما أن اللقى الأثرية وبقايا عظام الكائنات الحية والإنسان القديم والأدوات التي كان يستخدمها، تعطينا صورة تقريبية عن نمط العيش، الذي كان سائدا لدى إنسان تلك المرحلة.
وهناك شق مائي يضم مجاري مائية طبيعية، بحكم أن المكان في الأصل كان يتخلله البحر مجيئا وذهابا، وهو ما جعل أشغال التهيئة توفر بحيرة اصطناعية، تمنح للمكان جمالية خاصة، فضلا عن شق نباتي اختيرت فيه مجموعة من النباتات التي تعكس البيئة الجافة للموقع، فضلا عن أن الاختيار روعي فيه أن لا تدخل المغروسات في منافسة مع المكان بشكل يوجه الأنظار إليها أكثر منه.
أما الشق المعماري في المنتزه الأركيولوجي لسيدي عبد الرحمن، فيشكل مركز التعريف بالتراث مرتكزه الأساس، يقول وليد سعد، وهو يطابق من حيث التصور النموذج الأمريكي لمراكز التعريف بالتراث، والتي تعتمد على الوسائط السمعية البصرية، وأيضا على المتاحف الواقعية والافتراضية.
وما يميز هذا المركز، حسب المتحدث نفسه، هو أنه يستمد قيمته من المعروضات التي يحتوي عليها، وهي عبارة عن مجموعة من اللقى والبقايا المعثور عليها في موقع سيدي عبد الرحمن ومختلف المقالع المجاورة، إضافة إلى طريقة استعراض تاريخ المنطقة بأحدث الأساليب التكنولوجية للزوار من مختلف الأعمار.
ويضم المركز الذي شيد بهندسة بسيطة على طابق أرضي فقط، مساحته 900 متر مربع، حتى لا يدخل هو الآخر في منافسة مع محتويات الموقع ولا يتعالى عليها، العديد من المرافق التي تسير في اتجاه التعريف بذاكرة المكان واستعادة تاريخه، ويشتمل على مرافق تضم إدارة، وقاعة عرض دائمة، وقاعة كبرى للاستقبال و محلا تجاريا، وفضاء للوسائط المتعددة، ومختبرا وأرشيف.
أما في الفضاء الخارجي للمركز فإن الفضاء الأركيولوجي يشتمل على مسارين الأول مسار ذهاب طوله حوالي 1200 متر، مخصص للاكتشاف والتعلم، مع تسليط الضوء على أبرز معالم الموقع: ويضم “المرتفع الطبيعي” و”الجرف الكبير” و”مغارة الدببة”، بينما مسار (الإياب) طوله حوالي 1200 متر، مخصص للتنشيط ويضم خمس ورشات: ورشة التدريب على الحفريات الأثرية، وورشة نحت أدوات تعود إلى عصر ما قبل التاريخ، وورشة النار، وورشة القنص، وورشة المنحوتات وآثار الحيوانات.

آثار تعود إلى ماقبل التاريخ
يعتبر سيدي عبد الرحمن من بين أهم المواقع الأركيولوجية بالمغرب وأقدمها، إذ تعود أولى الحفريات في الموقع إلى 1941 وآخرها سنة 1995، حيث تم اكتشاف خلال هذه المدة آثارا تعود إلى عصر ما قبل التاريخ. وقد اكتسب المكان شهرة بعد اكتشاف جزء من فك سفلي بشري يعود لأكثر من 200 ألف سنة في مغارة حلزونات البحر سنة 1955.
وكانت للأشغال العمومية التي قامت بها السلطات الاستعمارية سببا في الإفراج عن مخزون ماضي البيضاء، الذي كان دفينا حتى تم إخراجه، أثناء القيام بالأشغال إما لمد قنوات المياه أو لجلب الحجارة من المقالع لوضع أسس المباني العمومية أو الخاصة، في أي مكان من البيضاء إلا وعثر على لقى تدل على أن الإنسان البدائي سبق له الاستقرار والعيش بهذه المنطقة منذ عهود غابرة.
وساعدت الظروف الجيولوجية والمناخية في الحفاظ على هذه الآثار حفاظا جيدا بعيدا عن عوامل التعرية، إذ تعد منطقة سيدي عبد الرحمن من المقالع الأولى التي استعملها المهندسون لقطع الحجارة وجلبها في أشغال بناء الميناء، ولعبت الصدفة دورها في العثور على الآثار الأولى لحيوانات وأدوات حجرية وبقايا بشرية.
والمنطقة من الناحية الطوبوغرافية، عبارة عن حافة صخرية اشتغلت بها عدة شركات فرنسية، مطلع القرن الماضي، وسميت هذه المقالع بأسماء مستغليها مثل “شنايدر” و”طوما” و”مارتان”، قبل أن تكتشف بها عدة مغارات على الحافة الصخرية، منها مغارة الدببة ومغارة وحيد القرن ومغارة الحصان ومغارة الفيل نسبة إلى بقايا الحيوانات التي اكتشفت فيها.
ويشير الباحث إبراهيم فدادي في دراسة له إلى أنه في 1940 اهتم الباحثان نوفيل ورولمان بمقلع “شنايدر” بسيدي عبد الرحمن، وبعدها بعشر سنوات تم تعيين “بيبرسون” مشرفا على الأبحاث الأثرية بالمقالع ذاتها وتمت فيها متابعة الحفريات، في الوقت الذي أصدرت سلطات الحماية سنة 1951 ظهيرا لحماية هذه المواقع واعترفت به منطقة مهمة من الناحية الأثرية.
وفي 1952، يضيف فدادي، بدأت الحفريات بطريقة منظمة وعلمية في “مغارة الدببة” ثم “مغارة وحيد القرن” ونشرت أبحاثها في السنة الموالية، بينما تم العثور سنة 1955 على البقايا البشرية التي سميت إنسان سيدي عبد الرحمن، لتأخذ الحفريات منحى آخر نهاية السبعينات، بوضع برنامج علمي مغربي/ فرنسي في إطار شراكة جمعت بين باحثين مغاربة وفرقة من الباحثين تابعة لبعثة وزارة الخارجية والتعاون الفرنسي.
كما أسفرت الأبحاث والحفريات، التي تواصلت إلى غاية منتصف التسعينات، أيضا عن اكتشاف آلاف الأدوات والأحجار المنحوتة وحيوانات أحفورية كثيرة، بشكل منح البيضاء سمعة دولية جعلتها تصنف ضمن أقدم المواقع العالمية، وهو الأمر الذي لم يتم الاهتمام به محليا إلا في السنوات الأخيرة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق