حوار

بوشارب: نواجه اختلالات اجتماعية صارخة

نزهة بوشارب رئيسة منظمة النساء الحركيات أكدت أن الحكامة تتطلب خبرات التقنيين ورؤية السياسي

أكدت نزهة بوشارب، رئيسة منظمة النساء الحركيات أن المرأة خاصة في العالم القروي والجبال هي المتضرر الأكبر من الاختلالات الاجتماعية والمجالية التي يعرفها المغرب.
وأوضحت بوشارب أن تغيير أوضاع المرأة لا يرتبط فقط بتغيير القوانين، وإنما بهيمنة العقليات الذكورية، مشيرة إلى أن النجاح في أي عمل مرتبط بحسن تدبير الشأن العام وبالتكامل بين ما هو تقني وما هو سياسي.

وفي ما يلي نص الحوار:

أجرى الحوار: برحو بوزياني

< انتخبت على رأس منظمة النساء الحركيات بإجماع في غياب مرشحة منافسة. من هي بوشارب، ومتى انطلقت تجربتك داخل الحركة؟
< في البداية، بدأت تجربتي داخل الحركة الشعبية بالتعاطف، أولا قبل أن تنضج قناعتي بضرورة ولوج العمل السياسي في 2009، وخضت بالفعل أول تجربة في الميدان من خلال الترشح للانتخابات الجماعية في2009 بالدائرة الترابية التي أقطن بها، وهي تمارة الصخيرات. فعلا كانت تجربة الانتخابات مفيدة، إذ أتاحت لي التعرف على نبض المجتمع، ومعرفة المشاكل والتطلعات الحقيقية للمواطنين، خاصة النساء والشباب، وهي سياسة القرب التي ما زلت أحرص عليها من خلال موقعي منسقة للحزب بعمالة تمارة الصخيرات.
أنا فخورة بالانتماء إلى الحركة، إذ وجدت في الحزب قيادة حاضنة حريصة على التأطير، ومناضلات ومناضلين أعتز بالعمل إلى جانبهم، وكما قال الملك الراحل الملك إن “الأحزاب مدرسة حقيقية لتعلم روح الوطنية”، وقد وجدت في الحركة الشعبية مثالا لذلك.
وبخصوص عدم وجود منافسة لي، أود التوضيح أن باب الترشيح كان مفتوحا أمام كل الأخوات، إذ أصدرت رئيسة اللجنة التحضيرية بلاغا بخصوص فتح الترشيحات، حدد الأجل في منتصف يوم الجمعة خامس يوليوز، أي قبيل افتتاح المؤتمر بساعات قليلة، لكن لم تتقدم أي أخت بترشيح، بعد أن وضعت طلب ترشيحي يوم رابع يوليوز. وأنا سعيدة بحصول توافق حول شخصي المتواضع من المؤتمرات، واعتبر هذا التوافق أمانة في عنقي، تفرض علي اعتماد مقاربة تشاركية تراعي آراء جميع الأخوات اللواتي أعتبرهن قوة اقتراحية حقيقية في مجال ابتكار الأفكار ووضع التصورات.

< بالنظر إلى تجربتك المهنية في مجال الاستشارات والهندسة. ما هي الإضافة التي تنوين تحقيقها في قيادة التنظيم النسائي؟
< أولا أعتز بأنني خريجة المدرسة الوطنية العمومية. والأكيد أن النجاح في أي عمل مجتمعي مرتبط بحسن تدبير الشأن العام وبالتكامل بين ما هو تقني وما هو سياسي، فالتقني يمتلك الخبرات العقلانية والتقنية، لكن الاستثمار الأمثل لهذا الرصيد يتطلب تصور السياسي الذي يمتلك بدوره المعرفة الدقيقة بنبض المجتمع، ويضع الغايات ويسطر الأهداف بمنظور استشرافي يخدم مصلحة الدولة وضمان قوتها لعقود.
وبخصوص ما سميته “الإضافة”، فأنا مجرد عضو في مؤسسة حزبية مكتملة الأركان، راكمت العديد من المكتسبات على امتداد أكثر من ستين سنة، وبالتالي، فإن إسهامي سيكون حلقة من حلقات في العقد، لأنني أؤمن بالعمل الجماعي، وكان شعاري عند وضع ترشيحي هو “حركيات متحدات .. في كل المحطات حاضرات”.

< دعا الملك في خطاب العرش إلى إحداث لجنة خاصة بالنموذج التنموي. ما هي طبيعة الإسهام المنتظر من نساء الأحزاب؟
< الجواب عن هذا السؤال ينطلق من إدراك أهمية الرهانات الأربعة التي حددها خطاب العرش، والتي يأتي
في أولوياتها توطيد الثقة في المؤسسات الوطنية، وإعادة ثقة المواطن فيها، ما يستلزم العمل على ضمان نجاعة وجودة الخدمات المقدمة له من قبل المؤسسات والإدارات وباقي الوسائط بين المواطنين والدولة، كما يتطلب ذلك تخليق المرفق العمومي واعتماد منطق المردودية والفعالية، حتى يلمس المغاربة الأثر والوقع في حياتهم المعيشية.
إن رهان الانفتاح، يفرض البحث عن نموذج تنموي يتلاءم مع الخصوصيات الثقافية والاجتماعية للمجتمع. نعم لقد طبقنا نماذج ارتبطت بسياقات تاريخية، لكن مغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس، وحاجيات الأجيال الجديدة عرفت تحولات عميقة بفعل الانفتاح على العالم والطفرة الكبيرة لتكنولوجيات الاتصال.
إن المجتمع يعرف اختلالات اجتماعية صارخة، سواء على مستوى خدمات النقل أو التعليم أو الصحة، مع الإشارة إلى أن كل المؤشرات المتعلقة بالهشاشة والخصاص والبطالة والصحة تؤكد أن المرأة، خاصة في العالم القروي والجبال هي المتضرر الأكبر من هذه الاختلالات الاجتماعية والمجالية. إن الحل يكمن في اعتماد نظام حكامة جيدة وترسيخ روح المواطنة وضمان الالتقائية على المستوى الترابي محليا في ما يخص المشاريع القطاعية.

تغيير العقليات قبل القوانين

< تعاني المرأة ضعف الحضور في مراكز القرار. ما هي مسؤولية الأحزاب في ذلك؟
< ضعف حضور المرأة في مراكز القرار معطى لا يمكن فصله عن سيرورة تاريخية للبلاد. إن التجربة المغربية في مجال تشجيع المرأة على المشاركة في الشأن العام، ليست وليدة مرحلة الاستقلال، فقد حرص المغفور له محمد الخامس على إعطاء إشارات قوية من خلال مرافقة الأميرة للاعائشة له في الزيارة التاريخية لطنجة في 9 أبريل 1947، ومن خلال خطابها بالمناسبة الذي جسد إرادة ملكية في تعليم الفتاة المغربية. وبما أنني متحدرة من طنجة، أقول إن هذه الزيارة لا تزال الأمهات والجدات يتذكرنها بكل فخر، لأنها فتحت أعينهن على أهمية محاربة الأمية والجهل وعلى قيم المساواة بين الجنسين.
وأعتقد أن تبوؤ المرأة المكانة اللائقة بها مسألة مرتبطة بالعقليات قبل تغيير القوانين، لأن هذه الأخيرة رغم أهميتها تظل غير كافية.
بناء على ذلك، لا يمكن تحميل الأحزاب كامل المسؤولية، ففي ذلك إجحاف في حقها، لأن المحيط العام ما زال يعرف هيمنة العقلية الذكورية، وهنا لا أعمم، فداخل الأحزاب ومنها الحركة رجال ربما يدافعون بصدق عن المرأة أكثر من النساء، كما أن تصريف هذه العقلية يتم في بعض الأحيان عن طريق نساء.
إن حزب الحركة بقيادة أمينه العام يعمل ما بوسعه لتوسيع المشاركة السياسية للنساء، لكن الأمر مرتبط بالعقليات، وبالإمكانيات المالية المتاحة للأحزاب من أجل الاضطلاع بمهام التأطير.
وعموما، يمكن القول إن المرأة المغربية حظيت ولا تزال تحظى بعطف الملك محمد السادس، الذي تحققت في عهده العديد من المكتسبات، أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر مدونة الأسرة، وإجراءات التمييز الإيجابي، وتعيين النساء في المناصب العليا حتى تلك التي كانت حكرا على الرجال، وهذا العطف الملكي يحفزنا على المضي قدما إلى الأمام.

نقص في التواصل
< يلاحظ ضعف حضور النساء الحركيات في نقاشات قضايا المرأة. هل الأمر يتعلق بغياب كفاءات أم لضعف التنظيم؟
< قطعا لا، التنظيم النسائي الحركي كان ولا يزال في قلب انشغالات المجتمع. فحزب الحركة الشعبية لم يغب أبدا عن هذه النقاشات المجتمعية، سواء من خلال بلاغات الأمانة العامة أو المكتب السياسي أو من خلال الندوات والأيام الدراسية واللقاءات التواصلية والدورات التكوينية.
والحمد لله حزبنا زاخر بالكفاءات، ربما هنالك نقص في التواصل، وفي تسويق عمل الحزب والمنظمة، وهو ما يتم العمل الآن على تداركه.
أما بالنسبة إلى المرأة، فإن منظمة النساء الحركيات تعمل، وفقا لتوجيهات الأمين العام، على نهج سياسة وعمل القرب، وهذا ما سنسهر على تطويره مباشرة بعد استكمال هيكلة المكتب التنفيذي للمنظمة.

الطريق إلى المناصفة مازال طويلا

< ما هي الأولويات التي ستسعين إلى التركيز عليها لإعادة الاعتبار للمرأة الحركية؟
< ثمة أولويات تتمثل في نساء القرى والجبال والأحياء الشعبية بالمدن وربات البيوت اللواتي يقمن بدور مهم في التنشئة الاجتماعية. إن المرأة الحركية واعية بدورها الوطني وبواجب المواطنة، وستحدد إستراتيجية العمل والأهداف المتوخاة عبر وضع خارطة طريق دقيقة محددة في الزمان والوسائل. ولن نعدم الرصيد أو نضل الطريق، ولن ننطلق من الصفر، أو نحاول إعادة اختراع العجلة، بل سنسير على نهج الرائدات المؤسسات اللواتي بصمن المشهد السياسي بعطائهن، وأخص بالذكر الأخت حليمة عسالي.

< راكمت الحركة تجربة في الوسط القروي. لماذا ظل حضورها باهتا في رئاسة وتسيير الجماعات الترابية؟
< كانت انطلاقة الحركة لحظة التأسيس من العالم القروي، وكان أول المدافعين عنه وعن الهوية الأمازيغية، لكن الإشعاع الحركي لم يظل منحصرا في العالم القروي، فقد سيرنا مدنا وحواضر كبرى لسنوات مثل الرباط العاصمة وسلا، وبالتالي تغيرت الصورة النمطية التي التصقت به. فالحزب هو ملك لكل المغاربة في القرى والبوادي والمدن. وبخصوص المساهمة في التسيير، أؤكد هنا أن الحزب يسير جهة فاس مكناس، وجماعات لها وزنها. كما له حضور قوي ضمن الأغلبية بالعديد من المجالس، وبالتالي لسنا مجرد خزان للأصوات الانتخابية، بل رقما أساسيا في المعادلة السياسية.

< تحملت نساء حركيات المسؤولية الحكومية. كيف تقيمين التجربة، من موقع اشتغالك إلى جانب الوزيرين مرون والحيطي؟
< دعني في البداية أصحح معلومة، فلم يسبق أن اشتغلت في ديوان حكيمة الحيطي أو إدريس مرون، القياديين الحركيين اللذين أعتز بهما، فقد كان نشاطي معهما باعتباري خبيرة استشارية. أما في ما يخص مشاركة النساء الحركيات في تدبير عدد من القطاعات الحكومية، في الحقيقة هما فقط اثنتان، حكيمة الحيطي في الحكومة السابقة، وفاطنة لكحيل في الحكومة الحالية. ولا يسعني هنا ككل الحركيين سوى الاعتزاز بأدائهما، فهما من كفاءات الحركة الشعبية.

< تتحملين مسؤولية رئيسة الشبكة الدولية للتواصل التي تهدف إلى تقوية حضور النساء في مواقع القرار. كيف تقيمين تجربة المرأة المغربية في تدبير الشأن العام؟
< الشبكة الدولية للتواصل “كونيكتين غروب”، التي أتشرف برئاستها لولاية ثانية، هي مكون جمعوي يضم النساء من كل الأطياف، ويعمل على دعم مشاركة النساء في تدبير الشأن العام.
وتقييمي الخاص لتجربة النساء اللواتي استطعن بلوغ مراكز القرار، إيجابي، إذ برهنت النساء في كل المواقع عن كفاءة ونزاهة أخلاقية، لكن على مستوى الكم، ما يزال الطريق طويلا لتحقيق المناصفة.

إشارات ملكية قوية

< ماذا تحقق لفائدة المرأة المغربية خلال عشرين سنة من العهد الجديد؟
< تشعر النساء المغربيات بكثير من الفخر والاعتزاز بما تحقق على امتداد عشرين سنة الماضية، من مكتسبات بفضل إرادة ملك ناصر ويناصر قضايا المرأة، معتبرا الارتقاء بهن، وإنصافهن ضمن صدارة أولويات المشروع المجتمعي، الذي وضع له جلالته لبناته وأرسى أسسه ودعاماته.
ففي ما يتعلق بتقدير المرأة واعتبار كفاءتها، كانت أبرز الإشارات الملكية المعبرة، تعيين جلالة الملك امرأة ضمن فريق مستشاريه، ويتعلق الأمر بالسيدة زليخة نصري رحمها الله، كما تواصل في عهد جلالته تعيين النساء في مناصب المسؤولية وزيرات وسفيرات وعلى رأس كبريات المؤسسات الاقتصادية وفي سلك القضاء وأجهزة الشرطة وفي مهنة”العدول”.
ومن أجل تشجيع المشاركة السياسية للمرأة وضمان حضورها في مراكز القرار التشريعي، تم في أول استحقاق انتخابي في ظل العهد الجديد، اعتماد إجراء التمييز الإيجابي (الكوطا) الذي أتاح لعدد من الطاقات النسائية الوصول إلى قبة البرلمان، حيث كانت عطاءاتهن، رغم القلة العددية، قيمة مضافة للمشهد السياسي وتجسيدا لسلوك الجدية والالتزام.
كما اهتم جلالته بالمرأة التي تعاني التهميش والهشاشة، من خلال برامج المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وتم العمل على النهوض بمستوى النساء اللواتي يعانين أكثر ظروف الهشاشة، خاصة في المناطق القروية والجبلية، وفي الأحياء الشعبية بالحواضر. وشكلت مدونة الأسرة التي رعى جلالته كل مراحل صياغتها وإصدارها، ثورة حقيقية رفعت الحيف عن المرأة، وحرصت على حقوق الطفل ووفرت تدابير قانونية لصون الأسرة المغربية.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
assabah

مجانى
عرض