fbpx
مقالات الرأي

معراج الندوي: دور الترجمة في الحوار الثقافي

إن الحوار بين البشر قديم، قدم وجود البشر على وجه الأرض، وكثيرا ما قاد إلى المعرفة والتواصل مع الآخر وحل الخلافات والنزاعات. الحوار فهو مراجعة الكلام لتعزيزه وتطويره والوصول به إلى التماثل والتجانس والتكامل. الحوار هو نظام لغوي للتخاطب بين المتحاورين. الحوار رسالة مشتركة للتلقى المكونات الثقافية والحضارية. والحوار الثقافي هو عملية لتبادل وجهات النظر بشكل متفتح ما بين الأشخاص والمجموعات ذات أصول وتقاليد إثنية وثقافية ودينية ولغوية مختلفة في إطار روح التفاهم والاحترام المتبادل.
إن تاريخ البشرية شاهد على المدى الذي وصلت إليه العلاقات بين الشعوب سواء في التجارة أو الثقافة أو العلوم. ويتحقق هذا التواصل عندما يكون المخاطبان لغة كليهما، ولما كانت الحاجة إلى تعلم اللغات الأجنبية قديمة قدم التاريخ البشري نفسه،وظل العولمة، لقد اصبحت الحاجة إلى تعلم لغة أجنبية ملحة، ولا يمكن تجاهل العلاقات التي تربط بين الأمم في ميادين عدة كالتجارة والسياحة والعلوم والتكنولوجيا.
ولتسهيل الحوار بين الثقافات، لا بد وجود وسائل قنوات وطرق تفتح باب الحوار وتحقق هدفه. ومن هذه القنوات أيضا اللغات الأجنبية، وهي وسيلة هامة للحوار والتواصل الثقافي، واللغة تساعد على فهم ثقافة الآخرين والمحاورة معهم. فاللغة هي عامل مؤثر للتقارب بين الشعوب والأمم، فهي حاضنة للثقافة ووسيلة للتأثير في العقل والشعور. اللغة هي أداة للفهم والتعبير ووعاء العلوم والمعرفة، فاللغة هي مفتاح الثقافة وتعارف الأمم والأقوام وادراكها لحضارات الشعوب الأخرى وثقافتها وطرق تفكيرها، وعن طريق اللغة يأتي دور الترجمة باعتبارها وسيطا ثقافيا للتواصل الثثقافي وإثراء الثقافات.
قد لعبت الترجمة وما تزال دورا عظيما في حوار الثاقفات والحضارات وتلاقحها، وهي عامل رئيسي لنهوض الحضارات، يطلع الناس بواسطها في بلدانهم الأصلية على حياة البلدان الأخرى وتاريخها وحضارتها وحصيلتها من المعارف من بلد إلى آخرن ومن ثقافة إلى أخرى، يحدث حوار تفهم من خلاله ثقافة من ثقافة أخرى، فيحدث التبادل والاغتناء ويتم النهوض والتطور. وقد يجلب هذا التفاهم بين الشعوب والأمم، فيحدث الوئام والسلام ويبعد شر الانعزال والتعصب والحرب. فلا بد أن تكون هناك ترجمة فاعلة من الشعوب للتعريف بأنفسها وثقافاتها ودينها ، سعيا وراء الحوار الجاد، والترجمة هي جسر للاتصال الوثيق بين الشعوب والأمم.
إن الترجمة قدر مشترك بين كل الحضارات والأمم ، ولا توجد أمة ، ولا حضارة لم تأخذه عن غيرها، لقد حفظت الترجمة تراث الإنسانية كلها وزادت عليه ونقلته من تلاها. هكذا كاكنت الترجمة دائما جسرا للتواصل بين الشعوب والحضارات على مر التاريخ، تعزز التلاقي والتلاقح الحضارتين، وترعى التقارب الثقافي بين الشعوب، تدحض الصدام وتدعم الحوار الثقافي بين أمم الأرض وتفتح النوافذ على الثقافات الأخرى.
اكتسبت الترجمة أهمية بالغة وانتقل دورها من الأداة التي نستعملها للنقل من لغة لأخرى إلى دور علمي ومعرفي يقدم لنا الإضافة ويساعدنا على فكّ رموز المستجدات المتزايدة والمتغيرة وبالتالي فإنّ أهميتها في تزايد مستمر تبعا للتطورات الحاصلة على مرّ التاريخ. تؤدي الترجمة دورا أساسيا في اثراء الثقافات فبالاضافة الى الفوائد التي جناها الغرب من نقل العلوم عن العرب في فترة تاريخية سابقة، وهنا يمكننا القول بأنّ البشرية جمعاء تستفيد من تبادل الأفكار تحت تأثير تسارع الاتصالات والتنقلات وتعميم المبادلات الثقافية.
إن الترجمة هي الجسر الذي يربط بين الشعوب والمحرك الأساسي للتفاعل بين الثقافات، وتعمل عملا حاسما في تطور ونمو وتبادل الأفكار والانجازات. لعبت الترجمة دوراً بالغ الأهمية في نقل المعارف والثقافات بين الشعوب. تبقى الترجمة اللحمة التي تربط بين خيوط السداة في نسيج الحضارة البشرية، ربما، لولاها، لظلت الأقوام والشعوب متباينة متباعدة لا يربط بينها رابط.‏ وبهذا لا يمكن أن يتحقق أي حوار أو تبادل ثقافي بدون الترجمة، لأن الترجمة ليست الواسطة الوحيدة في التطور التقني وتقدم وسائل الاتصال. تلعب الترجمة دورا مباشرا في نقل أخبار الثقافة والإنجازات الثقافية والفكرية وتحتل مكان الصدارة في تحقيق المواكبة الفكرية والثقافية نظراً لأن الكتاب كان وما يزال العمود الفقري للتحصيل الثقافي.هكذا تشكل الترجمة الركيزة الأساسية للحوار الثقافي.

د. معراج أحمد معراج الندوي: الأستاذ المساعد، قسم اللغة العربية وآدابها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق