fbpx
ملف الصباح

المغاربة أرخوا لحياتهم بالفواجع

أعوام اللوبيا والبطاطا والبون لتخليد أثرها

في الوقت الذي أشارت فيه المصادر المغربية القديمة، بشكل عرضي للكوارث والجوائح التي ضربت المغرب خلال العصر الوسيط، إذ لم تدقق في مثل هذه الحوادث مركزة على الحياة السياسية والعسكرية على حساب الواقع الاجتماعي، فإن المصادر الأوروبية ملأت هذا الفراغ من خلال مذكرات وتقارير ورسائل وبحوث ميدانية، فلم يكتف الأوربيون بوصف أحوال المغاربة إبان أعوام الكوارث عموما والمجاعة والأوبئة خصوصا، بل حاولوا تفسيرها.
ويشير الباحث المغربي نور الدين الزيتوني إلى أن الوثائق والدراسات الأجنبية توافقت مع ما توفر من الوثائق التاريخية المغربية في عدة مضامين وحقائق تعلقت بما جرى في أعوام المجاعات والأوبئة بالتحديد، من نزيف ديموغرافي وانهيارات اقتصادية وقلاقل سياسية واجتماعية…كما بينت هذه المصادر العوامل البشرية والطبيعية التي فاقمت من شدة المجاعات وزادت في سرعة انتشار الأوبئة في المغرب وما خلفته من خراب وهدم لمقومات النمو والتطور الحضاري، ثم كشفت أسباب تطور ورقي الأوربيين والأساليب العلمية والتقنية التي وظفوها في مواجهة الأوبئة والمجاعات من جهة، وأبرزت من جهة أخرى مواقف فقهاء وعلماء المغرب في التعامل مع الكوارث عموما والمجاعات والأوبئة خصوصا.
وعاش المغرب تحت وطأة الكوارث عموما والمجاعات والأوبئة والجفاف تحديدا خلال القرون السابقة، ولم تخف حدتها، نسبيا، إلا في النصف الثاني من القرن العشرين. وقد رصدت الوثائق التاريخية الأجنبية والمغربية جوانب متعددة من تاريخ الكوارث الطبيعية والظروف العامة التي أحاطت بالزلازل والجفاف وانتشار الجراد والحروب والأوبئة والمجاعات، التي، كانت حاسمة وحتمية في نتائجها ومخلفاتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والديموغرافية.
ويقول الزيتوني في دراسة له إن الكوارث الطبيعية تمكنت من إحداث نزيف ديموغرافي حاد وأجبرت السكان على اعتناق حياة الترحال، كما حلت السلط وتسببت في انهيار الترسانة العسكرية للمخزن، وقلبت الهرم الاجتماعي رأسا على عقب وأعادت تشكيل الهرم الاجتماعي.
وكانت الزوايا تمارس ضغوطات قوية على المخزن، وتقوت شوكة سلطتها بسبب احتكارها للأقوات، وتكاثر أتباعها في أعوام الجفاف والمجاعات والأوبئة، واستطاعت انتزاع مطالب وامتيازات سياسية. ولم يجد المغاربة في أعوام انحباس المطر وتفشي المجاعات والأوبئة ملاذا سوى المرابطة أو الانزواء والتضرع وتلاوة صلوات الاستسقاء والاستشفاء أو الاستسلام للقضاء والقدر، وهذا فيه نوع من التعايش مع الموت. وفي الوقت الذي تضاربت مواقف العلماء وفتاوى الفقهاء حول مسائل التعامل مع دار الكفر والتداوي من الأمراض بين التحليل والتحريم، ظل المغاربة يصارعون من أجل البقاء عفويا لآلاف السنين مقيّدين بالفكر اللاّهوتي. وساهمت المجاعات بقدر كبير في تغيير العادات الاستهلاكية للمغاربة، واحتفظت الوثائق التاريخية والذاكرة الشعبية بإشارات إلى: عام اللوبيا، عام بطاطا، عام خيزو، عام يرني وعام البون وغيرها من العناوين التي خلدت لمحطات هامة في تاريخ المغرب ظلت موشومة بأثر الفواجع.

عزيز المجدوب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى