fbpx
مقالات الرأيملف الصباح

لبكر: التضامن إلزامي وليس إحسانيا

لبكر: ينبغي أن يتعدى التعويض الخسائر المادية إلى الأضرار المعنوية

يرى الدكتور رشيد لبكر، الأستاذ بكلية الحقوق بسلا، أن التضامن أضحى قيمة دستورية، باعتباره التزاما مواطنيا، وليس فقط مجرد عمل إحساني تطوعي فقط. ويذهب المتحدث نفسه في حوار مع “الصباح” إلى ضرورة الإسراع في تفعيل التعاضد في فاجعة ضحايا “إجوكاك”
الناتجة عن الانهيار الجبلي بإقليم الحوز، وأن التضامن ينبغي أن يتعدى التعويض عن الضرر المادي فقط،
بل لا بد أن يقترن بالتعويض المعنوي، الذي ينص عليه القانون…

في حال وقوع كوارث تطرح تساؤلات حول كيفية أجرأة التضامن، وما هو التعويض الذي سيمنح للضحايا ودور الدولة في ذلك؟
في البداية لا بد من الإشارة إلى أن المغرب سعى منذ القديم إلى تثمين التضامن، المجسد في سلوكيات مواطنيه بالفطرة والمستمدة من تركيبة مجتمعه القبلية بالأساس، إذ تتأسس على قيم التعاون والتشارك والتضامن، لذلك، نجد ضمن مؤسساته القائمة، العديد من الهيآت التضامنية، منها على سبيل المثال لا الحصر، منظمة الهلال الأحمر وصناديق التكافل العائلي والمهني والتعاضدي وغيرها، ولأنه اختار الحكامة منهاجا جديدا في التدبير، (أو على الأصح هذا ما يطمح إليه).

لكن قانونا ماهو سند إجبارية هذا التضامن؟
حرصت الوثيقة الدستورية على ترسيخ مبدأ التضامن، باعتباره إحدى دعائم هذه الحكامة المأمولة، انطلاقا من تنصيصه في ديباجة الدستور على أن “المملكة المغربية، وفاء لاختيارها الذي لارجعة فيه، في بناء دولة ديمقراطية يسودها الحق والقانون، تواصل بعزم مسيرة توطيد وتقوية مؤسسات دولة حديثة، مرتكزاتها المشاركة والتعددية والحكامة الجيدة، وإرساء دعائم مجتمع متضامن، يتمتع فيه الجميع بالأمن والحرية والكرامة والمساواة، وتكافؤ الفرص، والعدالة الاجتماعية، ومقومات العيش الكريم، في نطاق التلازم بين حقوق وواجبات المواطنة”، وتأسيسا على هذا، يمكن الجزم بأن التضامن أضحى في حد ذاته قيمة دستورية مع دستور 2011، مفروض بموجب القانون باعتباره التزاما مواطنيا، وليس فقط مجرد عمل إحساني تطوعي فقط، بدليل ما أكدته المادة 40 من الدستور ذاته، والتي ألزمت الجميع، بأن “يتحمل، بصفة تضامنية، وبشكل يتناسب مع الوسائل التي يتوفرون عليها، التكاليف التي تتطلبها تنمية البلاد، وكذا تلك الناتجة عن الأعباء الناجمة عن الآفات والكوارث الطبيعية التي تصيب البلاد”.

هل هناك قوانين أخرى تصب في الاتجاه نفسه؟
بالطبع، إذ فضلا عن الدستور، فقد تضمنت قوانين الجماعات الترابية، العديد من المقتضيات، التي تنص تصريحا أو تلميحا إلى مسألة التضامن هذه، ليس من طرف المواطنين فقط، بل بين هيآت الدولة، المحلية والمركزية ذاتها، تكفي الإشارة في هذا الباب، إلى ما نصت عليه، المادة 142 من الدستور، التي فرضت إحداث صندوق للتأهيل الاجتماعي، يحدث لفترة معينة لفائدة الجهات، هدفه سد العجز في مجالات التنمية البشريــــــة، والبنيات التحتية الأساسية والتجهيزات، إضافة إلى تنصيص المادة ذاتها، على إحداث صندوق للتضامن بين الجهات، بهدف التوزيع المتكافئ للموارد، قصد التقليص من التفاوتات بينها. هذا إذن هو المنصوص عليه، دستوريا وقانونيا…

أين نحن واقعيا من هذه النصوص القانونية؟
من المهم الإشارة في هذا الصدد، إلى أن المغرب أقر في 2016 قانونا، يقضي بمنح تعويضات لضحايا الكوارث الطبيعية عبر صندوق خاص، بعدما تجلى للدولة، ضعف التضامن المالي إبان الكوارث الطبيعية، وعجزها عن التكفل بآثارها البالغة على المتضررين، وعدم فعالية الطرق المعتمدة من قبل السلطات العمومية للمواجهة والتعويض. ولأجل هذا، نص القانون، على آليات تعويض لفائدة ضحايا الكوارث بشتى أشكالها، سواء الطبيعية أوالمرتبطة بالفعل الإنساني، بعد تعريفه للكارثة بأنها “تشمل العوامل الطبيعية غير المتوقعة ذات الخطورة الشديدة والمفاجئة”، إضافة إلى “الفعل العنيف للإنسان”، والذي يشكل فعلا إرهابيا أو فتنة أواضطرابا شعبيا، عندما تكون آثاره ذات خطورة شديدة بالنسبة إلى العموم”.
وعليه، فقد تحدث هذا القانون عن إحداث نوعين من التأمين، واحد موجه للأشخاص الذين يتوفرون على عقد للتأمين، وآخر يخص نظاما للتضامن مع الأفراد الذين لم يبرموا في السابق أي عقد للتأمين، وتطبيقا لهذا المعطى، فقد نص على تعديل مدونة التأمينات، بما يضمن التأمين ضد كل الوقائع الكارثية غير المتوقعة السابق الإشارة إليها.

من أين تأتي أموال هذا النوع من التعويض بالتضامن؟
لتمويل هذا الصندوق، أقر قانون مالية 2019 ضريبة للتضامن تفرض على المقاولات التي تحقق أرباحا تصل أو تتجاوز 50 مليون درهم (5 ملايير) بنسبة 2.5 في المائة، وهو ما يعني أن عدد الشركات التي ستشارك في هذا الصندوق لن يتجاوز 300 شركة، وهو عدد يبقى ضئيلا على أي حال، إذ من المستبعد أن تكون حصيلة ما سيتم جنيه من لدن هذه الشركات، كافية لتغطية الحاجات التضامنية الملحة، سيما في السنين الأخيرة، بعدما ارتفع مؤشر الأعمال الإرهابية ببلادنا، وازدادت وتيرة الكوارث الطبيعية بفعل آثار التغيرات المناخية، التي أخذت أبعادها تتطور سنة بعد أخرى.

استفادة
بإمكان الأسر التي يلحقها الضرر، والمفقودين جراء حدوث كارثة، إذا وردت أسماؤهم في السجل الوطني لتعداد الضحايا، الاستفادة من التعويض، الذي يمكن أن يصل في حالة الأشخاص الذين فقدوا منازلهم الرئيسية جراء الكوارث الطبيعية إلى مبلغ لايقل عن 250 ألف درهم.

تعويض معنوي
الأهم الآن، هو العمل على تفعيل حقيقي لمضامين هذا القانون، والإسراع مثلا بتعويض ضحايا فاجعة “إجوكاك” الناتجة عن الانهيار الجبلي بإقليم الحوز، تنفيذا لمضامين هذا القانون وجبرا لضرر المصابين أو أهالي الهالكين، مع تأكيدنا، على أن التضامن لا يجب أن يظل منحصرا في جانب التعويض المادي فقط، بل لا بد أن يقترن بالتعويض المعنوي، الذي ينص عليه القانون، بل تفرضه الأخلاق والأعراف والإحساس بمعاناة المواطن واستشعاره بأن من يحكمونه، يتضامنون معه فعلا.

في سطور

> أستاذ القانون العام، كلية الحقوق بسلا، جامعة محمد الخامس بالرباط.
> له إسهامات عديدة في مجال إعداد التراب والتهيئة الحضرية.
> اشتغل في المجال الاعلامي سابقا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى