fbpx
تقارير

التضامن بين الجهات… رهان القضاء على التفاوتات

جهات سبقت أخرى بـ 40 عاما في التنمية الاقتصادية والاجتماعية و20 عاما في التعليم

أصبحت مسألة التفاوتات المجالية والفوارق الاجتماعية بين جهات وأقاليم المملكة تثير الكثير من القلق، وتهدد السلم الاجتماعي واستقرار البلد، خاصة أنها كبيرة، تترجم في احتكار جهات بعينها لحصة الأسد من إنتاج الثروة، والاستفراد بالعرض الاقتصادي والاجتماعي، إذ تسيطر ثلاث جهات فقط تمثل نصف الناتج الداخلي الخام، بالإضافة إلى وجود فوارق كبيرة في ما بين أقاليم الجهة الواحدة، ذلك أن 20 إقليما الأقل نموا بالمغرب موزعة على جميع جهات المملكة. ولعل ورش الجهوية الموسعة الذي أعطى الملك محمد السادس انطلاقته منذ 2011، السبيل الوحيد للحد من الفوارق المجالية، من خلال منح تركيز الاختصاصات والقرارات في الجهة، إلا أن نقل الاختصاصات والموارد البشرية الضرورية والاعتمادات المالية ما يزال يقف في وجه هذا الورش.

نظم مجلس المستشارين، بشراكة مع مجلس جهة الدار البيضاءـ سطات، وجمعية رؤساء الجهات والجمعية المغربية لرؤساء مجالس العمالات والأقاليم والجمعية المغربية لرؤساء الجماعات، ندوة حول “الفوارق المجالية وتحديات التضامن بين الجهات”، الأربعاء الماضي بمقر جهة البيضاء، حضرتها شخصيات وازنة، يتعلق الأمر بحكيم بنشماش، الرجل الرابع في هرم الدولة، وعبد الأحد الفاسي الفهري، وزير التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، ومصطفى الباكوري، رئيس جهات البيضاءـ سطات، بالإضافة إلى عشرات الفعاليات الجمعوية والمدنية ومنتخبون وغيرهم.

بنشماس: التفاوتات المجالية خطيرة

قال حكيم بنشماش، رئيس مجلس المستشارين، إن هناك العديد من الدراسات التي تم إنجازها من قبل مؤسسات وطنية، خلصت إلى أن التفاوتات المجالية تنعكس بشكل سلبي على التنمية ببلادنا، مضيفا أن هناك تركيزا مجاليا قويا للأنشطة الاقتصادية، وضعفا في استثمار القدرات المجالية، ومساهمة أربع جهات فقط بأزيد من 62 بالمائة من نمو الاقتصاد الوطني.

وأضاف بنشماش في كلمة ألقاها أمام الحاضرين، “إن النموذج التنموي المغربي، الذي نطمح إليه جميعا، والذي يوجد قيد إعادة النظر والبناء التشاركيين، يتأسس على العدالة الاجتماعية، ويضمن الولوج الفعلي إلى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، وعلى المساواة بين الجنسين، مستطردا أن النموذج التنموي يتأسس على إعطاء الأولوية للفئات الهشة، وللإدماج الاقتصادي والاجتماعي للشباب، من خلال التكوين والتشغيل، وابتكار حلول عملية لجملة المشاكل الحقيقية التي تعترضهم ، خاصة الذين يقطنون بالمناطق القروية والأحياء الهامشية الفقيرة، مبرزا أن هذه الأهداف لن تتجسد على أرض الواقع، إلا إذ تم الحد من الفوارق الطبقية ومعالجة التفاوتات المجالية.

وأردف بنشماش، في سياق حديثه عن النموذج التنموي، الذي دعا إليه الملك محمد السادس، أن تحقيق أهدافه مرتبط بتوفر الالتزام والرؤية والتنفيذ والمتابعة والتقييم، إذ ستمكن هذه الآليات حسب قوله، من أن يجد النموذج التنموي الوطني أبعاده الخاصة بكل مجال ترابي، في انسجام مع الرؤية الشاملة التي يقوم عليها النموذج الوطني، مشيرا إلى أن هذا الورش، يتطلب أيضا استثمارا أقصى لكل الإمكانيات التي تتيحها المنظومة القانونية الجديدة للجماعات الترابية، وتنشيط آليات التمثيل والوساطة والآليات التشاركية على المستوى الترابي.

واشتكى بنشماش مما وصفه، بتأخر نقل الاختصاصات إلى الجهات، قائلا “نحن مدعوون إلى تسريع الانتقال الإداري والتقني من المركز إلى الجهات، والسعي نحو تطوير نماذج تنموية جهوية مبتكرة تنسجم مع الجيل الجديد من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، مشددا على أن هذه الرؤية التي تربط بين العدالتين الاجتماعية والمجالية، باعتبارها أساس النموذج التنموي المغربي قيد البناء، تجد مرتكزاتها المعيارية على الخصوص في أحكام الفقرة الثالثة من الفصل 35 من الدستور، التي تحدد طبيعة الالتزام الإيجابي للدولة بالعمل على تحقيق تنمية بشرية مستدامة من شأنها تعزيز العدالة المجالية.

الفاسي: اختلال الموازين بين الجهات

أكد عبد الأحد الفاسي الفهري، وزير إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان، تسجيل اختلال موازين القوة بين الجهات، إذ قال إن جهات الدار البيضاء/سطات، الرباط/سلا/قنيطرة، وطنجة/الحسيمة، لا تمثل من المجال المغربي سوى 7 بالمائة، إلا أنها تنتج 58 بالمائة من الناتج الداخلي الخام،فضلا عن استقطابها لحوالي 44 في المائة من السكان، وحصة أخرى مهمة من الأنشطة الاقتصادية.

وشدد الفاسي، في كلمته أمام المجتمع المدني والمنتخبين بجهة البيضاء، على أن حل إشكالية التفاوتات المجالية يستدعي بالضرورة إعادة النظر في العلاقات التي تجمع بين الدولة والجماعات الترابية، من أجل تقوية أدوات التخطيط والتدخل، قصد إضفاء البعد المجالي عليها، باعتباره دعامة أساسية في تحقيق التنمية المستدامة، مشيرا إلى أنه من الواجب على المغرب أن يكسب رهان الالتقائية بين السياسات خلال العشرية القادمة، مبرزا أن مختلف السياسات والإستراتيجيات التي وضعت في الآونة الأخيرة، أدت إلى تحسن كبير في القدرة التنافسية الوطنية، إلا أنها ذات تأثير متفاوت ومحدود على المجالات وعلى السكان.

وذكر الفاسي، بحصيلة التقرير التركيبي الذي أعدته وزارته حول الدينامية والتفاوتات المجالية والاجتماعية وذلك على ضوء التحديات والرهانات التي يواجهها المغرب في الفترة الحالية، مبرزا أن جل الاختلالات تتمثل في استمرار وجود فوارق مهمة على مستوى ثروة المجالات ومساهمتها في التطور الاقتصادي، وكذا في تمركز قوي للأنشطة الاقتصادية.

الباكوري: لا نحلم بمجتمع خال من الفقر

قال مصطفى الباكوري، رئيس جهة الدار البيضاء/سطات، “إن الجهوية المتقدمة التي تبناها المغرب، رغم أنها ما تزال في بداياتها، يجب أن نتذكر سبب نزولها، إذ ترمي إلى تحقيق قفزة في التنمية، وفتح آفاق جديدة للتنمية، وهذا ما نحاول تجسيده في النموذج التنموي قيد الإنجاز، ولكن هذا الطموح لا يمكن أن يتحقق بصورة شاملة، دون إيلاء العناية اللازمة لإشكالية الفوارق الاجتماعية والمجالية. ونبه الباكوري في المقابل من أنه لا يستقيم أن نحلم بمجتمع خال من الفقر”.

وأضاف الباكوري، أن هذا اللقاء المنظم في البيضاء، يرتقب أن تشهده جميع الجهات في القادم من الأيام، إذ سيتكرر النقاش حول الموضوع، مبرزا أن مشروع الجهوية في حاجة إلى مجموعة من المبادرات للنقاش والحوار وتبادل الخبرات.

وحذر الباكوري، من بعض الأرقام التي تقدم بطريقة مغلوطة التي تسيطر على العقول، ومفادها أن هناك جهات تحتكر 60 بالمائة من الثروات، وهذا أمر صحيح، لكن لا يجب أن ننظر إلى المسألة بطريقة سلبية، بل هناك حاجة إلى تقوية تلك الجهات من أجل المساهمة في الرفع من الدخل الفردي العام للمواطنين، الذي يقل كثيرا عن دول الشمال القريبة منا.

عصام الناصيري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى