fbpx
افتتاحية

تغول

لم تهدأ ردود الأفعال المختلفة التي رافقت، منذ مساء الخميس الماضي، إيقاف مدير الوكالة الحضرية بمراكش، متلبسا بتسلم رشوة من مقاول بإحدى محطات الوقود الشهيرة بالمدينة، بناء على شكاية “مستثمر” توصل بها الوكيل العام للملك.
ويتناسل، إلى حدود الساعة، عدد من الأسئلة حول حادث التلبس في حد ذاته، ومسطرة تفعيله وملابساته العامة والخاصة، وهوية المقاول صاحب الشكاية وارتباطاته وعلاقاته، وهي الأسئلة التي تنكب الأجهزة الأمنية والقضائية المختصة على تفكيك ألغازها وصولا إلى الحقيقة في ملف مازال محاطا بهالة من الغموض، سيما أن المدير ظل، إلى حدود لحظة الإيقاف، واحدا من أطر الدولة المشهود لها بالعمل والمثابرة والحضور والمواظبة والنزاهة والقدرة على تتبع ملفات المواطنين.
وفي انتظار ما ستسفر عنه التحقيقات ومآل الملف المعروض على القضاء لقول كلمة الفصل فيه، لا يسعنا إلا أن نثير الانتباه، للمرة الألف، إلى أن ما وقع (والكيفية التي وقع بها) مجرد شجرة يريد بها البعض إخفاء غابة العلاقات المختلة في عدد من القطاعات الحساسة بعدد من الجهات والأقاليم والعمالات، التي تجعل الموظفين السامين ومسؤولي الإدارات العمومية تحت “رحمة” رجال السلطة، يفعلون بهم ما يشاؤون وفق أهواء وأمزجة لا راد لقضائها.
ويبلغ الأمر ذروته، حين يصل إلى قطاع الاستثمار ودائرة رجال الأعمال الذين تبذل الدولة، من أعلى مستوياتها، مجهودات جبارة لتشجيعهم على ضخ أموالهم وخبراتهم وإمكانياتهم في مشاريع عقارية وصناعية وتجارية وخدماتية منتجة للشغل.
إن بقاء ملفات الاستثمار والحسم في الملفات والتراخيص والإشراف الفعلي على الشبابيك الموحدة للتعمير بيد رجال السلطة هو أم الأخطاء الجسيمة التي ينبغي أن تعالج بمراجعة شاملة وجذرية للمنظومة القانونية التي تخلق (بشكلها الحالي) ديناصورات جبارة في الجهات والأقاليم والعمالات، تفترس كل من يقترب من مصالحها، أو مناقشة “وجهة نظر” لا تكون صائبة في كثير من الأحيان.
فمنذ 1999 وبداية العهد الجديد، اجتهدت الدولة، في سياقات مختلفة، وعلى نحو سلس في تقليم أظافر “أم الوزارات” وتحويلها إلى وزارة عادية وغير مخيفة للشركاء الآخرين، مهمتها الضبط والأمن والتتبع والمراقبة ورفع التقارير عن الاختلالات التي يمكن أن تقع في بعض القطاعات، حتى يتم تداركها، لكن بعد مرور سنوات عادت الأمور إلى سيرتها الأولى، بل أضحى الوالي والعامل وغيرهما هم الآمرون الناهون والمتحكمون في الرقاب.
ما يقع في عدد الجهات والأقاليم من تعطيل كارثي لعجلة التنمية والاستثمار وكثرة الملفات “المرفوضة” والإطلاق العشوائي والمشوه لرخص الاستثناء، مرده إلى الحضور المبالغ فيه لسلطة رجال الداخلية، الذين كان الأجدر بهم إنجاز الأعمال المنوطة بهم، بدل حشر أنوفهم في قطاعات تتطلب خبرات دقيقة لمعرفة خفاياها والحسم فيها.
إن المستقبل لا يصنع بالضغائن والأحقاد وتصفية الحسابات الضيقة والكمائن، بل بترسيم حدود المسؤوليات والاختصاصات التي تعبد الطريق أمام المحاسبة.
لقد انتهى زمن أكباش الفداء..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى