fbpx
مقالات الرأي

الفرفار: عنف الملاعب … حين تصبح الرياضة فعلا سياسيا

تتحدد وظيفة السؤال السوسيولوجي حسب بيير بورديو على القدرة على معرفة الاسباب المخفية و استكشاف المسكوت عنه والمضمر ، لذا يصبح الاستعانة بخدمات الفكر السوسيولوجي امرا ملحا . من اجل اختراق مناطق العتمة الكثيفة المحيطة بالعنف الرياضي و شغب الملاعب ، باعتباره حدثا مرعبا و مخيفا في الوقت ذاته باعتباره عنفا متعدد .

الكثير من الوقائع العنيفة المرتبطة بمباريات كرة القدم لاسيما من طرف مشجعي الفرق ،وحجم الخسائر التي يخلفها شغب الملاعب يقود الى تبني فرضية حروب الملاعب، وان كرة اقدم اصبحت ارض معركة مفتوحة ، تتعدى حدود الملعب و رقعته و تتجاوز القوانيين الرياضية و الاخلاقية المؤطرة للعبة ، مما يقود الى استنتاج ان كرة القدم لم تعد لعبة فقط و انها اكثر من دلك بكثير .

أحدات ملعب هيزل الشهيرة و وفاة اكثر من 39 مشجع ايطالي ، و احداث بورسعيد الدموية ووفاة اكثر 72مشجع يكشف حجم العنف المضخم ، المحيط بلعبة ربما قد تتحول الى لعبة عنف و شغب .

الامر يقود الى تساؤل اساسي من اين يأتي هذا العنف و ما مصدره ، وكيف يتحول فضاء فرجوي الى فضاء للعنف بكافة اشكاله ؟

الموضوع يقتضي قراءة سوسيولوجية لموضوع العنف الرياضي اسبابه و نتائجه .

عنف الملاعب هو عنف يلفه الغموض ، لأنه عنف مخفي ، و قد يكون أسوأ أشكال العنف بحسب بيير بورديو .

اولا – العنف الرياضي : الماهية و الاسباب

ارتبط تنظيم المسابقات الرياضية بالعنف في الكثير من مراحل تاريخ الانسان ، لاسيما في القرون الوسطى حيت كان الفعل الرياضي هو احتفاء بالعنف .

فالرياضة هي فعل تنافس من اجل الفوز ، وهو ما يقود الى وجود طرفين في أي لعبة منتصر و منهزم ، مما يغدي مشاعر الاحباط و التوثر عند الطرف المنهزم الامر الذييقود الى الى سلوكات عدوانية على الطرف الاخر، و هو سلوك قديم نجده اسسه في حلبة المصارعين وفق ما اشارت اليه موسوعة ويكي بيديا.

فالعنف ينتقل عبر عدوى العنف مما يوسع دائرته , و هنا تكمن خطورته انه عنف انتشاري لاسيما في وجود سياقات اجتماعية ملائمة , كتلك التي توفرها فضاءات الجماهير و الحشود ، مما يجعله عنفا غير متحكم فيه حين يتجاوز حدود الملعب وينتقل عبر العدوى الى المدرجات و الجماهير المتحمسة ، فكل هزيمة هو تغذية لمشاعر الاحباط عندها يقود الى ارتفاع منسوب التوثر و العنف المادي اتجاه المشجعين الفريق الاخر و ضد الممتلكات العامة .

احداث ملعب هيزل سنة 1985 كانت لحظة حاسمة و مؤثرة في تاريخ العنف الرياضي و لفتت الانتباه الى خطورة الفعل .

مند تلك اللحظة اصبح مفهوم مثيرو الشغب و صانعي العنف في المدرجات مفهوما مركزيا عبر الحديث عن ظاهرة الهوليغانز.

فالهوليغانيزم Hooliganism يؤشر في اللغة الإنجليزية على الشغب و الفوضى، و قد ذكر الاسم اول مرة في تقارير شرطة لندن في صيف عام في إشارة إلى سكير ايرلندي سيء السمعة، اسمه باتريك هوليجان يعيش في لندن ويشارك بانتظام في مواجهات شوارع لندن، و كان شخصا عنيفا لا يؤمن الا بالعنف لتدبير حياته و نزاعاته.

و هناك من يعتبر ان اصل الكلمة مشتق من الاسم سيكون شخصًا يتصرف بنفس الطريقة، فرضية أخرى هي أن هذا الاسم يأتي من اسم عصابة HooleyIslington .

تعتبر احداث ملعب هيزل لحظة حاسمة التعاطي بجدية مع ملف شغب الملاعب ،حيت اصبحت الفرجة مرتبطة في احيان كثيرة العنف ، اصبح هاجس تدبير المباريات محكوما بأعداد خطط لمواجهة أي تهديد محتمل .

ظاهرة الشغب ستعرف انزياحات متوالية عن متنها الأصلي، ذلك بدءا من تجاوز رقعة الملعب في شكل اشتباكات بين اللاعبين أو اعتداءات على الحكام، إلى المدرجات في صيغة مشاحنات بين المشجعين و أجهزة الأمن، و أخيرا في مستوى نقل ممارسات الشغب إلى خارج الملعب بتخريب الممتلكات الخاصة و العامة .

الشغب هو اعتداء جماعي على الافراد و على الممتلكات العامة و بهدف الاضرار و الحاق الاذى .

و قد عرفه ابن خلدون باعتباره نزعة طبيعية ،حيت ان أخلاق البشر فيهم الظلم والعدوان، بعض على بعض، فمن امتدت عينه إلى متاع أخيه امتدت يده إلى أخذه إلى أن يصده وازع، و اعتبر ان سبب العنف فهو العصبية، وتعني عنده: الالتحام الذي يوجب صلة الأرحام حتى تقع المناصرة، وأساس العصبية عند ابن خلدون هو الاستعداد الفطري الذي يدفع الفرد إلى نصرة قريبة بالدم والدفاع عنه.

واعتبر توماس هوبز احد منظري فلسفة العقد الاجتماعي أن الطبيعة الإنسانية مشبعة بالعنف، و ان الانسان دئب لأخيه الانسان نتيجة الاشباع المحدود للرغبات مما يولد صراعا حولها ، ما يقود الى حرب الكل ضد الكل نتيجة التنافس الشامل .

اما ماركس فقد اعتبر ان العنف ليس فعلا غريزيا ،و لا يمثل حالة الطبيعة و انما هو

سمة للحالة الاجتماعية التي أفسدها الاستحواذ بوسائل الإنتاج، فالتنافس بين الناس سبب عامل سياسي يتعلق بملكية وسائل الإنتاج، لذلك فإن الصراع ليس هو الحرب الشاملة وفق ما اشار اليه توماس هوبز و لكن هو صراع طبقات اجتماعية .

و اعتبر كارل ماركس اعتبر ان للعنف دورا وظيفيا بناءا و ايجابيا، لأنه اداة من اجل صناعة التغيير و تحقيق العدالة الاجتماعية بالقضاء على الملكية الفردية لوسائل الانتاج .

فالعنف فهو شرط أساسي لتجاوز هذا الخلل ولإحداث التغيير فهو مولد كل مجتمع قديم يحمل في طياته مجتمعاً جديداً كما أنه الأداة التي تحل بواسطتها الحركة الاجتماعية مكانها وتحطم أشكالاً سياسية جامدة وميتة.

أما دوركهايم فقد اعتبر ان أن العنف ظاهرة ثقافية مرتبطة بتطور البنى الاجتماعية و بالتطور الاجتماعي و الانتقال من اشكال التضامن الالي الى التضامن العضوي .

ويعتبر جورج زيمل أبرز من تعامل مع ظاهرة العنف باعتباره مجموعة تصرفات عدائية تصدر عن الأفراد اتجاه الاخر ، استنتج ان التصرفات العدائية تعتبر تصرفات وظيفية من اجل تماسك النظام الاجتماعي؛ لأنها تساهم في استمرار العلاقات تحت ظروف التوتر والضغط، فالسلطة الناتجة عن الضغط و القوة تساهم في الحفاظ على تماسك انسق و استمراريته و غياب الضغط يقود الى الفوضى و التشتت . فالضغط يمنع انحلال النظم الاجتماعية و الجماعات البشرية , وبالتالي فهو – العنف – شبيه بصمامات الأمان ( [7]).

هناك نظريات سوسيولوجية اعتبرت ان العنف هو ناتج الانظمة السياسية سواء الرأسمالية او الاشتراكية ، فالنظام الرسمالي يسحق الذات الفردية لاسيما نتيجة التفاوتات الطبقية والشيوعية عملت على سحق الذات الفردية، مما يعني انهما نظامان ساهما في انتاج العنف بكافة اشكاله و مستوياته .

عموما فالدرس السوسيولوجي في مناولته لمفهوم العنف ينطلق من فكرة عن نسبية العنف المرتبط بنظام المعايير و القيم الاجتماعية الخاصة بكل مجتمع . بمعنى أن كل نظام يحدد قيمه الخاصة التي تبين الحدود التي ينبغي ان يكون عليها التصرف و السلوك الفردي و الجماعي ، من اجل بناء النظام الاجتماعي و الحفاظ عليه ، وان كل خروج عن القيم و المعايير التي تصنع النظام تقود الى انتاج العنف و صناعة الفوضى و اللانظام .

فالعنف وفق المدلول السوسيولوجي يكون نتيجة العلاقة المتوثرة بين قهرية القيم الاجتماعية و الرغبة في التمرد و عدم الخضوع و الامتثال لها .

وفق ماسبق فان العنف هو تصرف خارج النظم و القيم و المعايير الاجتماعية المحددة للنظام و يحيل الى كل تصرف يمثل اختراقا قصديا أو عفويا لمعايير العقل الجمعي و قيمه .

فالشغب و العنف الرياضي من الناحية السوسولوجية هو محاولة اعتداء على الاطار القيمي المنظم للأنشطة الرياضية و الاجتماعية ، و التي تهدف الى خلق اجواء من المتعة و الفرجة .

فالعنف يشكل عنصر اعتداء مادي على القيم مما يقود الى تحويل الفرجة الى ازمات و شغب و خسائر و اعتداءات على الارواح و الممتلكات، نتيجة الفرح المبالغ به في حالات الفوز او عدم قبول النتيجة او الاستنكار و الرفض و الاعتراض و الرفض . فالشغب داخل الملاعب الرياضية يدل على نوع التحرك الفجائي و الذي ينتشر بسرعة في المدرجات و خارجها .

فهو شكل تعبيري عن حالة اختراق لنظام القيمي و صناعة للفوضى ، و نتيجة اختراق غياب محددات الضبط القيمي و الاجتماعي و القانوني و التي تحدد ضوابط السلوك بما يحقق الاستقرار و الانسجام بين السلوك و القيم .

ميزة الشغب الرياضي و عنف الملاعب لا سيما في مباريات كرة القدم انه يندلع بشكل فجائي و يتجاوز سقف مسبباته ، و شروط إنتاجه المباشرة ، مما يجعل منها عنفا لحظيا و اندفاعيا يصعب التحكم فيه يتميز بمايلي :

اولا – عنف مجالي : ما يميز عنف الملاعب انه عنف مرتبط بالملاعب أي بمجال جغرافي محدود و مراقب ، فهو مرتبط بكل ما يتعلق بالملعب و محيط الملعب و الطرق المؤدية اليه .

ثانيا – عنف غير محدد اجتماعيا : ان اغلب المشاغبين لا يمثلون فئة متجانسة من حيت الفئات الاجتماعية و الوضع الاجتماعي و المهني .

ثالثا – عنف شبابي : ان اغلب المشاغبين من فئة الشباب و هو ما يجعله عنفا شبابيا .

رابعا – عنف تعويضي : تعتبر بعض الدراسات ان هذا النوع من العنف يشكل فرصة لتفريغ المكبوتات و يشكل الية للتفريغ و التنفيس عن الذات المثقلة بإكراهات الواقع و صرامته .

خامسا – عنف غير مدروس : إن الجماهير المحتجة لا تحتج بناء على خطة مسبقة ، و حتى إن وجدت هذه الخطة، فإنه لا يتم الانضباط إليها كلية، ان العنف المنفلت هو عنف فجائي وجد الفرصة المناسبة للخروج و التعيير عن نفسه .

حيت يصير الشغب احتجاجا بديلا عما يعانيه المحتجون من تهميش و إقصاء، مما يجعل منه احتجاجا سياسيا ، و لو في اطار زمني مؤقت و ضاغط عبر رسائل قصيرة تكون محملة في الاغاني و الاهازيج ، في هذا السياق ندكر اغنية الرجاء البيضاوي في بلادي ظلموني و التي تحولت الى اغنية تملأ الساحات العمومية و الفضاءات العامة و اصبحت اغنية تلازم كل حركة احتجاجية في الشارع .

فالأغنية تحمل رسائل سياسية بالغة ودقيقة تشكل رؤيته الخاصة من الواقع العام ال\ي يعيشه الشباب وموقفهم مما يجري .

فالاغنية تكشف مواطن الاعطاب في السياسة العامة للبلاد , وهي رسالة ينبغي قرءاتها من اجل التعامل معها لاسيما في ضل تراخي و ضعف مؤسسات الوساطة السياسية , و هشاشة الفعل الحزبي و ضعف قدراته التنظيمية و التأثيرية للشباب .

هناك محاولا ت كثيرة لفهم اسباب العنف المحيط بالملاعب و ان هناك قلق اصبح متزايدا حول هذا الواقع المرعب .

كل المؤشرات تكشف ان ملاعب كرة القدم اصبحت تمثل فضاءا سياسياً بامتياز من خلال نوع وطبيعة الشعارات التي ترفع و حجم التحديات الامنية المرتبطة بتدبير الزمن الرياضي المخصص للمباريات .

فالشعارات التي ترفع تتجاوز ماهو رياضي ، و انما تعمل على توظيف ما هو رياضي لتمرير رسائل سياسية، اغنية في بلادي ظلموني نموذجا .

فالعنف المرتبط بالملاعب مرتبط بوجود بيئة مناسبة لان الرقابة الاجتماعية و المؤسساتية المرتبطة بأجهزة الدولة تصبح غير فعالة نتيجة تشتيت المسؤولية و تعويمها و ارتفاع منسوب الحماسة الجماهيرية , و ان الرقابة تتشتت داخل الجماهير، وبالتالي تضعف المسؤولية الفردية، وتعوّض بالحماسة الجماهيرية , وهو ما يمنح الجمهور و المتفرجين اطارا حمائيا من اية متابعة , مما يساعد مواصلة الاحتجاج و التعبير العنيف من اجل توجيه رسائل سياسية من غير الممكن تمريرها , او التعبير عنها خارج زمن الملاعب .

فالملعب يوفّر الاطار النفسي و الاجتماعي للاحتجاج و التعبير و الرفض وحتى المواجهة و العنف و التمرد ضد مؤسسات الدولة .

غوستاف لوبون من خلال كتابه الموسوم بسيكولوجية الجماهير قدم تصورات تؤطر وضعية الجماهير و مجموعات الألتراس , حين اكد ان معدلات الانفعال تكون عالية لدى الجماهير، مما يعني فقدان السيطرة على الذات و تكريس سلوك انفعالي و اندفاعي , لان الفرد داخل الحشود سيفقد قصديته وارداته اثناء الفعل الجماهيري, و يجد نفسه خاضع لإرادة الجمهور و مسلوب الارادة و جزءا من ذهنية عامة لها قوانينها الخاصة و المتحكمة في الافراد و في تصرفاتهم , القوة الحماسية للجمهور يصعب التحكم فيها و بالتالي تصبح محفزا لتعبئة الافراد و الجماعات .

وفق رؤية لوبون فان قائد الألتراس هو الشخص الذي يملك كاريزما التاثير على المجموعة ,و يعمل على حسن توظيف و استثمار تصورات لوبون من اجل ضمان المزيد من التحكم , و ضمان اتساقها في اطار من الفعالية سواء كان ذلك بوعي منه و بدون وعي .

السؤال الاساسي الذي يطرح مادا لو لم يتمكن القائد من التحكم في انفعالات الألتراس

لان الفعل الاحتجاجي غالبا ما يندلع في لحظات خاصة, وفي حالة توفر الظروف المناسبة للتعبير عن نفسها , لا سيما في الحالات الضاغطة كالهزيمة مثلا و هي لحظات تكون شديدة التوثر , و شديدة الانفعال مما يقود الى تهيئة اجواء تفجير العنف عنف كبير .

ما يميز العنف و الاحتجاج الجماهيري المنطلق انه احتجاج تطوري ينطلق من شعارات بسيطة تم شعارات عنيفة و بعدها العف المادي بكافة اشكاله .

فالاحتجاج الواقع هو احالة الى واقع نفسي ومكبوت جماعي وجد فرصته للظهور و التعبير عن ذاته ، لان كل فعل احتجاج هوتصريف لواقع يختزن بوادر الازمة المجتمعية و تعقيداتها المركبة وهو ما يعني ان العنف بالملاعب الرياضية هو عنف مجتمعي لم ينزل من السماء و انها هو نتيجة تراكمات ومسلسل من الاحباطات اليومية .

الفعل الاحتجاجي هو فعل سياسي , لأنه اداة تعبير عن مواقف سياسية لم تجد المناسبة و الاطار الملائم لتصريفها , لاسيما في ظل الموت السريري للمؤسسات الوساطة لاسيما الجمعيات و الاحزاب السياسية الموكول اليها مهام التأطير.

امام ضعف الاحزاب السياسية و عدم قدرتها على ممارسة التأطير السياسي و الحزبي لاسيما لفئة الشباب و الذي وجد نفسه خارج المؤسسات الاجتماعية و مؤسسات الوساطة , و جد نفسه وحيدا يعبر عن نفسه في المناسبات الخاصة : الملاعب الرياضية نموذجا.

فالملاعب و الجماهير و العقل الجمعي تمنح ارضية ملائمة للتعبير عن الذات الفردية و الجماعية بكافة اوجاعها و امالها و احباطاتها نستحضر دائما رمزية اغنية في بلادي ظلموني .

إن الاحتجاج بهذا المعنى يعد فرصة لتفريغ المكبوت السياسي، فالانخراط في المجوعة التشجيعية او الالتراس يساعد الفرد على امتلاك مزيد من الجرأة بحسب غوستاف لوبون , هذه الجرأة الزائدة و المؤمنة بفضل الانتماء الجمعي للحشود تمكن من تصريف الشحنات المكبوتة و التحرر من الخوف و اكتساب تقافة و شرط المواجهة و التحدي , و منه يتحول الموقف الاحتجاجي في كثير من الأحيان إلى فضاء للتفريغ السيكولوجي أكثر منه فضاء للمطالبة بالتغيير.

الدرس السوسيولوجي يؤكد ان العنف يولد عنفا محتملا , و ان العنف في الملاعب ليس عنفا من خارج البنية الاجتماعية و انا هو سلوك تعبيري لشباب يعاني مشكلات حياتية و ان المجتمع ينظر لهم نظرة عدم تقدير باعتبارهم شباب بلا قيمة ، عديمو المسئولية، وينشغلون بأمور صغيرة لا قيمة لها.

وفي حقيقة الأمر، فإن غالبية هؤلاء الشباب يعانون من الفقر، والبطالة، والاقصاء، والتهميش الاجتماعي، الأمر الذي يجعل من ظاهرة تشجيع كرة القدم حالة تنفيس، وشكل من أشكال التمرد الاجتماعي على الأوضاع السائدة.

ملاعب كرة القدم اصبحت شبيهة بعيادات الطب النفسي من اجل استعادة المكبوث و ملاذاً لهؤلاء الشباب، الذين يفضلون الاحتجاج كوسيلة تعبير عن انفسهم كوسيلة لمقاومة كل اشكال التعسف و اللاهتمام .

ثانيا : الهوية الوسيوسيولوجية للاتراس :

االألتراس ظاهرة اصبحت واقعا ، هي مجموعات تشجيع خاصة بكل فريق رياضي تصنع فرجة في الملاعب لكنها في احين كثير ة اصبحت مصدر عنف .

فاالألتراس هي جماعات تشجيعية تحرص على تشجيع الفريق ، عن طريق شعارات وأغان وألوان خاصة بها. وتقوم فلسفتها على التشجيع الدائم فريقها و هو تشجيع يقترب من درجة التعصب.

من اهم مبادئهم التشجيع المتواصل للفريق بغض النظر عن النتيجة فوزا او هزيمة ، و التشجيع وقوفا و الحضور الدائم و التتبع لكل مباريات الفريق سواء داخل الملعب او خارجه .

فمفهوم االألتراس كلمة لاتينية الاصل تعنى حرفيا الفائق أو الزائد عن الحد، أما المعنى الشائع فهو فئة من مشجعى الفرق الرياضية معروفة بانتمائها وولائها الشديد للفريق و تحمل اسما خاصا و تضع شعارا خاصا بها يكون بمثابة رمز لهويتها ، فاالألتراس تعني التشجيع الزائد عن الحد انها التشجيع الجنوني .

و يعتبر الكابو او القائد الذي يقود تشجيعات االألتراس : يقود التشجيع والذى يكون مسئولا عن اختيار الأغانى والهتافات وتوقيتها وحركات الأيدى والتشكيلات، وعادة ما يكون مكانه بارزا في الملعب حتى يستطيع التواصل مع الجميع و يضمن الاتساق و الانسجام في كل الانشطة التشجيعية .
كما تتميز تقافة االألتراس بما يسمى بالموكب وهي مسيرة تضم أفراد المجموعة خلف اللافتة التي تحمل شعار المجموعة التشجيعية .
اما مفهوم التيفو Tifo: فهي كلمه ايطالية تعنى المشجع، ويقصد بها افتتاح النشاط التشجيعي و يتم فيه رفع شعار االألتراس و الرسائل التشجيعية للفريق و كل ما يتعلق بالندي و تاريخه.

فالسلوك التشجيعي لالألتراس هو سلوك جماعي من خلال تغيب قيم الفردانية , و اعتبار ان قيمته تحدد في انخراطه في المجموعة و ذوبانه فيها .
وهو ما يفسر ظهور أفراد االألتراس عادة ملثمي الوجوه، اشارة الى ان االألتراس هي فعل جماعي . و لعل اهم ميزة اجتماعية تميز مجموعة االألتراس هو الولاء المطلق للمجموعة و هو ما يؤسس عصبية رياضية مؤسسة على حب الفريق و قيم الفريق وهو ما تعكسه الشعارات المرفوعة [8] .

ان العصبية المؤسسة لمجموعة الألتراس تشكل سببا اضافيا لتغذية العنف لاسيما حين يتعلف الامر بحالة احباط او مس بهوية الفريق او احد رموزه .

كما أن اختيار اسم الألتراس و شعاره ليس تلقائيا ولا عفويا و انا هو اختيار وظيفي ومدروس و مؤسس على خلفيات تقافية سواء بشكل شعوري او غير شعوري , و يمكن التوقف عند بعض الامثلة مثلا :

ان اغلب الاسماء تدل على القوة و الصلابة و الشجاعة و حتى قيم الافتراس مثل : القرش، الفدائي، النمر، النسر، الحربي أو العسكري, وقليلة هي الجماعات التي تفضل قيم السلم كما هو الحال بالنسبة الألتراس المغرب التطواني . و من المفارقات ان التراس المغرب التطواني و رغم انه يحمل صفة للسلم , فانه تورط في اكثر من مرة في اعمال عنف و شغب .

العنف في الملاعب الرياضية ليس عنفا مستوردا لكنه نتيجة لعنف مجتمعي , هو عنف مبرر باسباب و سياقات انتاجه , الامر ال\ي يستدعي فهما دقيقا من اجل التعامل معه و ايجاد الحلول الواقعية و الممكنة.

الفرفار العياشي: دكتوراه في علم الاجتماع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى