مقالات الرأي

الفرفار: عودة المقدس … التدين في زمن العولمة

العولمة كشفت مفارقة حادة , تتمثل في عودة المقدس – و الذي تمت معاداته لمدة طويلة و محاولة القضاء عليه – و أن الإله الذي قتلته العلمانية عاد للحياة من جديد ؟؟
مواطن القرن الحالي و هو مواطن متدين , بغض النظر عن أسباب التدين و رهاناته , هي بلا شك كثيرة و متعددة بتعدد الرهانات و المصالح و الغايات و السياقات المنتجة له .
ربما الحداثة الأوربية بشرت بإنهاء سحر الأديان , و قطعت العلاقة بين السماء و الأرض , أو على الأقل جعلت الدين سلوكا ارضيا لا ينزل من السماء .
المفارقة الحادة كشفت أن إنسان القرن الحادي والعشرين هو كائن متدين , وان معاداة الدين في مرحلة (ما )لا يعني استئصاله نهائيا .
ربما اللحظة الأكثر راديكالية في تدبير مجال تدين الإنسان في تاريخ البشرية هي لحظة نتشه , و الذي صاح في مؤلفه هكذا تكلم زرادشت : إن الإله قد مات , و إن حفاري القبور قد كفنوه و دفنوه , وان الإنسان هو من قتل الإله لكي يعيش ويسود .

انه الدرس النتشاوي في اقسى درجات الثورة على المقدس , و إعلان القطيعة النهائية مع عالم القيم المتعالية , باحتقار المقدس و الاحتفاء بالمدنس .
نتشه لم يكن حالة فردية معزولة , بل هو جزء من نسق كامل لبنية تعكس فلسفة الإنسان الأوربي ورؤيته للوجود و الحياة المعلمنة و اللائكية , الرغبة في القضاء على عالم السماء المتعالية , وليست محايثة للوجود الإنساني كقيم الجسد و الأرض و الطبيعة و الاقتصاد و اللذة و الرغبة و الموت .
رؤية جديدة تعادي الدين و المقدس لتعلن في لحظة تاريخية ما , القضاء النهائي على الميتافيزيقا بموت الإله و ميلاد الإنسان القوي القادر فك كل الأغلال و التحرر من كل القيود , الإنسان الذي لا يقبل بالتفاوض و بأنصاف الحلول , وهو الإنسان الذي لا يخاف الموت , بل يبحث عنه , هو القادر على خوض حربين كونيتين في اقل من 20 سنة كلفت أكثر من 45 مليون قتيل ؟؟
رؤية أنتجت ميلاد إنسان بلا اله قادر على صناعة الفناء و إنتاج كل إشكال التدمير و القتل الجماعي هيروشيما وناكازاكي نموذجا , و تدمير البيئة و القضاء على الحضارات و الشعوب الأصلية وهو ما يقود إلى نهاية العالم ؟؟

نتشه الذي لا يفكر إلا عندما يحمل معه مطرقته , من اجل تهديم الأصنام و تفكيك الأوثان لتهيئ الطريق لظهور إنسان جديد قادر على تكسير قيود الدين , و أغلال الكنسية و تحقير أخلاق الكهنوت من اجل الخلاص.
يتشه يعتبر عصر الأنوار و فلسفة الأنوار مذنبة، لأنها لم تحارب ضد الأوثان الميتافيزيقية. وإنما صنعت أصناما جدد مثل : العقل , الذات، الوعي، الإرادة،التاريخ، التقدم، الحرية، الديمقراطية , المساواة , الحق .
في اقل من مئة على سيادة هذا الخطاب المعادي للدين و المقدس و الذي قتل الإله و انتصر للقوة و اللذة و الغريزة على حساب العقل و القيم و النظام , الذي انتصر لقيم الأرض و الجسد على قيم الروح و السماء , وقع تحول عميق في بنيات التفكير و الاعتقاد لدى الإنسان الأوربي تحديدا من خلال العودة إلى المقدس و انتعاش السلوك الديني .
ربما غياب الإله جعل العالم يعيش أزمة قيم و أزمة معنى , و سادت حالة من القلق و الوجودي و الاغتراب و التشظي و الضياع و العبث , و هو ما عبرت عنه الفلسفة الوجودية مع كيركجارد و سارتر و كامي و باردييف و غيرهم . .

ربما الإنسان اكتشف حالة الضياع نتيجة غياب المعنى , حاول البحث عن الهوية المريحة بدل الضياع و القلق , من خلال استعادة الأسئلة الكبرى المحررة للعقل الأوربي من هيمنة التقنية و القراءات الدقيقة الجزئية قتلت الإنسان و أعلنت نهايته و انتهاء فعاليته / فلسفة نهاية الإنسان .
الرغبة في استعادة المقدس هي طريق لاستعادة المعنى , وإرجاع الروح للإنسان الذي حولته التقنية إلى كائن جامد بلا عاطفة و بلا إحساس , يمكن تلمس هذا الاحتياج في رواية تولستوي” لماذا نحيى” حيت كان انشغاله الّأساسي هو البحث عن جوهر الحياة و التحرر من كل الظواهر الخادعة , و انطلق من قصة رمزية: ان الرب عاقب الملاك الذي رفض ان يقبض روح ام لطفلين صغيرين بعد وفاة والدهما و معاقبته تكمن في تحويله من ملاك الى ا نسان مع ترك باب التوبة مفتوحا لكي يعود إلى أصله , لكن بعد ان يعرف المعنى من الحياة و لماذا يعيش الإنسان على هذه الأرض ؟؟؟
رؤية تولستوي هي إطار ناظم تعكس ميلاد رؤية جديدة للإنسان في مرحلة ما بعد الحداثة , و انبثاق حركية جديدة وسط الكنائس و في الأزقة و والشوارع و الجامعات و المدارس و الساحات العمومية ولدت رغبة جديدة في البحث عن المعنى الأساسي للوجود
فكانت الرغبة في استعادة المقدس , و استعادة جاذبية الخطاب الديني و انتعاشه .

في هذا السياق انتعش الدين و السلوك الديني من جديد , و استعاد المقدس قيمته و حضوره واحتفاليته في الفضائين العام و الخاص .
الأكيد ان للعودة أسبابها الكثيرة و المتعددة بما يستبعد السبب الوحيد المفسر , دور العولمة احد هذه الأسباب , لأنها النظام الباحث عن الربح و تحويل أي شئ إلى سلعة قابلة للعرض و البيع و الشراء و الربح , وهو ما يقود إلى استنتاج أنها عملت إلى تحويل الدين إلى فعل تجاري , و حولت المؤسسات الدينية إلى شركات تبيع منتوجا دينيا متنوعا يجعل من المتدين زبونا ,عبر خلق أسواق دينية لبناء اقتصاد ديني و تحويله من اقتصاد غير مهيكل إلى اقتصاد مهيكل خاضع للمراقبة .

ما يدعم هذه الفرضية ان العولمة وفرت فضاءات واسعة لحركية التنقل و التجوال و عبر طرق سيارة في كل مكان , و عبر شبكات متداخلة و مفتوحة أمام الجميع بفضل التطور التقني في مجال الاتصال و التواصل . وهو ما منح للإنسان حرية التنقل و فرصة التجول بين الديانات من اجل استكشاف الأرض التي سيقيم عليها مشروعه الوجودي .
كما أن العولمة ألغت و فسحت المجال أمام عرض منتوج ديني معولم , وهو ما أتاح للإنسان حرية الاختيار و بناء الديانة التي يريد و فق ما يحلو لهم , بذلك أصبح المتدين زبونا يختار دينه كما يختار ملابسه او نوع طعامه .

حتى أولئك الذين يرفضون التدين فهم متدينون لكن خارج المضمار وفق تسمية السوسيولوجي المتخصص في الدين إيف لامبير “التدين خارج المضمار”، أي خارج مجاله، وينتشر هذا التدين في فرنسا وهولندا البلدين الأكثر علمانية في أوروبا.
أصبح الإنسان المعاصر كثير الترحال لأنه مازال يشعر بعدم تملك الحقيقة و المعنى معا . و هو ما يكشف حالات تغيير الديانات بشكل مستمر و علني .
ربما إحدى التفسيرات لهذا الترحال هو البحث عن المعنى و ربما وفق رؤية الروائي تولستوي من اجل الرجوع إلى الأصل , فكان الإنسان تائها وفقد طريق العودة الى ذاته .
يمكن القول ان الحداثة و العلمانية لم تستطع القضاء على المقدس , و صرخة نتشه بموت الإله لم تدم طويلا , اذ سرعان ما أعلن ان الحداثة أنجبت التدين , و هو مؤشر على شروق الدين و غروب شمس الحداثة المعادية لكل نزعة دينية .
ربما ما سبق ان أعلن عنه نتشه حول انفصال بين عالم السماء و الأرض لم يكن إلا رد فعل عن واقع و ممارسة دينية , و ليس ضد التدين كسلوك يبحث عن معاني الوجود و يبني أرضية الاستقرار النفسي و الوجودي .

يوسف الصديق الفيلسوف التونسي اعتبر إن القرن 21 انتعش بعودة الدين إلى الفضاء العام , و هو ما يعني انحسار الفضاء العمومي الذي تحدث عنه هابر ماس و الذي ينبغي إن يكون مؤسسا على قيم العقلانية و الحوار و الإيمان بفاعلية الفرد داخل هذا الفضاء .
الانتشار الكثيف لمظاهر التدين بما فيها اعتناق اوربيين لافكار جهادية, و انخراطهم في صفوف التيارات العنيفة والتي تأخذ من العنف أداة للعمل , دفعت الرئيس الفرنسي إلى محاولة تأسيس علمانية صلبة تؤمن بحق الاعتقاد , وهي محاولة من اجل التحكم و إذابة الإسلام داخل النسق الفرنسي .

مستشار الرئيس الفرنسي حكيم القروي و الذي اعتبر أن الإسلام ديانة فرنسية , طالب بالتعامل الجدي مع الخطر الإسلامي القادم من الأسفل و من المجتمع الفرنسي نفسه اظافة إلى المهاجرين .
لذا طالب بضرورة البحث عن التعامل الصارم و الحذر مع السلوك الإسلامي و هنا يفهم لماذا طالب بضرورة دعم التمرد الثقافي و القيمي داخل الأوساط المسلمة من اجل التشتيت .
الأمر الذي أكدته الباحث الفرنسي ميشيل أونفري الذي انتقد الإسلام في “نفي اللاهوت”. حين اعتبره دين حرب و دم و ان المسلمين يتلذذون بإراقة الدماء و انه دين فاشي .
التحولات أشرت على انعطافة جديدة في نمط وجود الإنسان , فالمسيح لم يعد عدوا , و الله لم يمت , و عادت مظاهر التدين إلى الفضاءات العامة .

الفرفار العياشي دكتوراه في علم الاجتماع

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق