خاص

توظيف الأموال … كذبة كبرى

هيآت أحاطتها الدولة بضمانات لتمويل مقاولات ناشئة فحولتها قروش المال لمشاريعها الخاصة

عرفت التشريعات المتعلقة بتوظيف الأموال والرساميل تطورات كبيرة خلال السنوات الأخيرة، إذ تناسلت في العشرية الأخيرة القوانين المتعلقة بآليات تثمين الادخار والرساميل. وسعت كل هذه القوانين إلى إحاطة هذه الآليات بالضمانات الكافية من أجل حماية المستثمرين فيها. وتهدف المقتضيات الجديدة إلى توفير بدائل لتثمين المدخرات والرساميل، لكن أيضا لتوفير مصادر تمويل جديدة بالنسبة إلى المقاولات الصغرى والمتوسطة والناشئة التي لها مشاريع مبتكرة ولا تتمكن من الولوج إلى التمويلات الضرورية. وتندرج في هذا الإطار صناديق التوظيف الجماعي العقاري أو للرأسمال، التي جاءت التشريعات الخاصة بها من أجل إنعاش سوق الرساميل، الذي ما يزال في طور التشكل. لكن الفضيحة التي تورطت فيها إحدى شركات تدبير صندوق لتوظيف رؤوس أموال، يمكن أن تعصف بالمجهودات التي بذلت حتى الآن، ما لم يتم التعامل مع هذه القضية بالحزم المطلوب في مثل هذه القضايا.

وصلت القيمة الإجمالية للاعتمادات التي تمت تعبئتها من قبل صناديق التوظيف الجماعي للرأسمال إلى مليار و 680 مليون درهم، خلال السنة الماضية، مقابل مليار و 310 ملايين درهم في السنة التي قبلها. وتجاوزت المبالغ المتراكمة التي تم تجميعها لفائدة صناديق توظيف رؤوس الأموال، منذ انطلاقها  إلى غاية نهاية 2018، 19 مليار درهم، حسب الإحصائيات الأخيرة للجمعية المغربية للمستثمرين بالرأسمال، وتتوزع بين 13 مليارا و800 مليون درهم بالنسبة إلى رأسمال الاستثمار، و 5.5 ملايير درهم لفائدة صناديق البنيات التحتية. ويوجد، حاليا، ما لا يقل عن 27 شركة لتدبير هيآت التوظيف الجماعي للرأسمال وصناديق الاستثمار، وتدبر 50 صندوقا، 19 منها في طور النشاط، في حين أن الأخرى في طور تصفية الاستثمارات أو تمت تصفيتها.

هيمنة الصناديق الأجنبية

تفيد معطيات المهنيين أن الصناديق الأجنبية تهيمن على 77 % من إجمالي الموارد التي تمت تعبئتها حتى الآن، وارتفعت حصة هيآت التنمية الدولية، مثل الشركة المالية الدولية، والبنك الأوربي لإعادة البناء والتنمية، والبنك الإفريقي للتنمية وغيرها، من رؤوس الأموال المعبأة من 20 % إلى 80 %، في حين تراجعت نسبة المستثمرين المؤسساتيين المغاربة.

وتظل الصفة القانونية الخاصة بالصناديق الأجنبية المهيمنة على المقاولات النشيطة في المجال، إذ تهيمن على 83 % من إجمالي الموارد، في حين أن 13 %، فقط من الصناديق تأخذ الشكل القانوني لهيأة التوظيف الجماعي للرأسمال، ولا تمثل صفة الشركات المجهولة سوى 4 %.

استثمارات عامة واستفادة محدودة

نجحت 14 مقاولة صغرى ومتوسطة في جلب استثمارات صناديق التوظيف بقيمة إجمالية تجاوزت 760 مليون درهم، في حين استفادت 12 أخرى من عمليات إعادة الاستثمار. ووصل العدد الإجمالي للمقاولات المستفيدة من هذا الصنف من التمويلات 200 مقاولة حتى الآن، إذ وظفت بها رؤوس أموال بقيمة إجمالية  ناهزت 7 ملايير و 400 مليون درهم. لكن 80 % من هذه التمويلات على شكل استثمارات في رأس المال تتمركز في جهتي الدار البيضاء  سطات والرباط سلا القنيطرة، وهمت نسبة 89 % من المبالغ المستثمرة، خلال السنتين الأخيرتين،  مقاولات في طور النمو والتطوير. لكن هذه الموارد تظل محدودة ولا تهم المقاولات الناشئة المبتكرة المعروفة بـ”ستار توب”، التي غالبا ما تكون حاملة لمشاريع ذات قيمة مضافة كبيرة، بالنسبة إلى  النسيج الاقتصادي الوطني، لكنها تكون محتاجة إلى مصادر تمويلات خاصة، مثل صناديق توظيف رؤوس الأموال. فهناك عدد من المشاريع التي بدأت فكرة ثم أصبحت ضخمة عالمية، بفضل مستثمرين آمنوا بالفكرة.

صناديق  المشاريع المبتكرة

أنشأت الحكومة بدعم من البنك الدولي صناديق  (Fonds innov invest) لتمويل المشاريع المبتكرة التي  تحملها مقاولات ناشئة مبتكرة “ستارتاب”، بالنظر إلى غياب مصادر متخصصة في تمويل هذا الصنف من المقاولات والمشاريع، وعهد إلى الصندوق المركزي للضمان بتدبيرها، وذلك لإحاطة هذه الصناديق بضمانات الدولة ومنح ثقة أكبر للمستثمرين الذين يرغبون في توظيف أموالهم فيها، إذ أن هذه الصناديق عبارة عن أوعية مؤسساتية لتجميع رؤوس الأموال عبر طلبات عروض في السوق المالي.  وتتدخل هذه الآليات عبر ثلاث واجهات تتمثل في دعم حاملي المشاريع عبر مساعدات وقروض، ودعم المقاولات الناشئة المبتكرة، من خلال المساهمة في رأسمالها ، كما تقدم هذه الصناديق دعما تقنيا لشركات التدبير التي تتكفل بتدبير رؤوس الأموال وتوظيفها في مشاريع مبتكرة.

واعتمد صندوق الضمان المركزي أربعة صناديق استثمار من أجل مواكبة انطلاق المقاولات الناشئة والمساهمة فيها، شرعت ثلاث منها  في نشاطها منذ السنة الماضية ووصلت الاستثمارات إلى حوالي 30 مليون درهم.  ويسعى صندوق الضمان المركزي إلى مواكبة 300 مشروع مبتكر، خلال خمس سنوات، ما يمثل استثمارات بقيمة إجمالية تصل إلى 500 مليون درهم. كما سيتم ضخ 700 مليون درهم في صناديق الاستثمار في المقاولات المبتكرة، سيساهم صندوق الضمان المركزي بـ 300 مليون درهم منها، في حين سيتم تجميع المبلغ المتبقي، أي 400 مليون درهم، من مستثمرين خواص محليين وأجنبيين.

لكن، وكما يقال، فإن الطريق  إلى الجحيم محفوف بالنوايا الحسنة، إذ تبين بعد أشهر من إطلاق هذه الصناديق أن  ما تم الترويج إليه خلال إطلاق هذه الآليات حول أهميتها بالنسبة إلى المستثمرين والمقاولين والإمكانيات التي تتيحها للطرفين مجرد أوهام.

مصداقية الدولة في الميزان

أحاطت الدولة هذه الآليات بضماناتها من أجل كسب ثقة المستثمرين، الأمر الذي دفع ببعض المستثمرين الذين يوظفون أموالهم في المساهمة في مشاريع ومقاولات، إلى الانخراط في هذا القطاع الذي ما يزال في أطواره الأولى بالمغرب. لكن الفضيحة التي تورطت فيها شركة تدبير أحد الصناديق الأربعة أرخت بظلالها على المبادرة بأكملها وهزت ثقة مستثمرين، كانوا يعتزمون توظيف رؤوس أموالهم في هذا القطاع، الذي يؤمن مردودية مناسبة. ويتعلق الأمر بصندوق “غرين إنوف أنفست” الخاص بتمويل مشاريع المقاولات الناشئة المبتكرة في مجال الحلول البيئية، الذي  تشرف على تدبيره شركة “غلوبل نيكسوس”، التي تملك فيها رئيستها، أغلب الأسهم، إذ تصل حصتها 52 %، وإذا أضيفت إلى ذلك حصص أقاربها، فإن النسبة تصل إلى 76 %.

ضمانات زائفة

‎حصلت “غلوبل نيكسوس” على تأشيرة من الهيأة المغربية لسوق الرساميل من أجل التقدم بطلبات لجمع الادخار العمومي، وأشرت الهيأة على مذكرة المعلومات الخاصة بطلب جمع رؤوس أموال بقيمة إجمالية تصل إلى 500 مليون درهم، لكن الصندوق لم يحصل سوى على التزامات بقيمة 220 مليون درهم، 50 مليونا منها من صندوق الضمان الاجتماعي. ومثلت التأشيرة التي حصلت عليها الشركة من الهيأة  ضمانة بالنسبة إلى المستثمرين الباحثين عن فرص لتوظيف رؤوس أموالهم، إذ تعتبر بمثابة شهادة على توفر كل المعايير والشروط القانونية في الشركة للقيام بمهام تدبير الصندوق. إضافة إلى ذلك، فإن رئيسة الشركة من الشخصيات البارزة المعروفة في أوساط عالم المال والأعمال، بل إنها صنفت من قبل المجلة الأمريكية البارزة “فوربس” في الرتبة 29 ضمن أحسن مائة مسيرة ومديرة  الأكثر تأثيرا في المغرب. كما أنها تتوفر على مسار علمي ومهني متميز، إذ حصلت على دبلومات وشهادات من أرقى الجامعات والمدارس بأوربا والولايات المتحدة الأمريكية، ما مكنها من الولوج بشكل مبكر إلى دهاليز البنك الدولي، الذي استمرت به طيلة ثماني سنوات، ما بين 1996 و 2004، قبل أن تلتحق بديوان إدريس جطو، عندما كان وزيرا أول، مكلفة بمهمة، ليتم تعيينها، خلال 2007، مديرة عامة لبورصة البيضاء.

‎كل ذلك مكنها من الحصول على ثقة السلطات المالية وصندوق  الضمان المركزي والبنك العالمي وإضفاء الشرعية والمصداقية على شركتها “غلوبل نيكسوس” والصدوق الذي تدبره “غرين إنوف إنفست”. وكان ذلك بمثابة ضمانات كافية لجلب ثقة بعض المستثمرين للمساهمة في الصندوق، الذي حددت مهمته في المساهمة في مقاولات ناشئة تقدم مشاريع خاصة بحلول بيئية، كما أن وجود مؤسستين عموميتين، صندوق الضمان المركزي ومعهد البحث في الطاقة الشمسية والطاقات الجديدة، ضمن المساهمين كان بمثابة ضمانة إضافية للمستثمرين من أجل المساهمة في الصندوق، ليتضح في ما بعد أن كل هذه الضمانات كانت زائفة وأن ليس كل ما يلمع ذهبا.

ضمانة بأموال الغير

عمق مكتب الافتحاص الأبحاث من أجل رصد المسار الذي سلكه مبلغ 10 ملايين درهم، لمعرفة سبب مطالبة المستثمر  بتحويله في حساب الشركة المدبرة عوض حساب الصندوق الخاص بمساهمات المستثمرين كما ينص على ذلك القانون. وتبين بعد تعميق البحث أن التحويل تم ثلاثة أشهر قبل التاريخ المحدد للاكتتاب، ما يضع الشركة المدبرة وصاحبتها تحت مقتضيات المادة 23 من القانون رقم 44 – 12 المتعلق بطلب عروض للادخار، التي تنص على عقوبات حبسية في مثل هذه الحالة تتراوح بين 3 أشهر حبسا و سنة وغرامة مالية تتراوح بين 20 ألف درهم و 500 ألف درهم أو إحدى هاتين العقوبتين.

وأبان البحث بشأن مآل أموال المستثمر أن هناك وثائق تؤكد أن الشركة المدبرة اقتنت بقعة أرضية بحي السفراء الراقي بالرباط بمبلغ 13 مليون درهم، وما يثير الانتباه والتساؤل في الآن ذاته هو طريقة تمويل عملية الاقتناء، إذ أن الشركة اقتنت الأرض عن طريق قرض من البنك المغربي للتجارة الخارجية، وأن من بين الضمانات التي تقدمت بها الشركة تقديم رهن للبنك عبارة عن وديعة لأجل، يتزامن تاريخ إنشائه مع التاريخ الذي تم التحويل فيه، ما جعل المستثمر يشك في أن تحويله استعمل ضمانة لحصول الشركة المدبرة على قرض.

التمويل في المقربين أولى

وأبانت تحقيقات المكتب الذي عهد إليه المستثمر بالبحث في القضية، أن هناك مجموعة من التجاوزات والاختلالات التي تهم تدبير الصندوق، إذ أن أغلب المساهمات التي استثمر فيها الصندوق كانت في مقاولات ترتبط برئيسة المقاولة المدبرة أو بأقربائها أو بعض المساهمين في الصندوق. وتأكد، حسب ما توصلت إليه التحريات، ان هناك مشاريع تم تمويلها، علما أنها لا تستجيب للمعايير والشروط المحددة من قبل الصندوق، كما ان بعض المقاولات التي استفادت من تمويلات الصندوق تأسست منذ سنوات ولا تتوفر فيها صفة المقاولة الناشئة المبتكرة.

قرر المستثمر بعدما توصل إلى كل هذه التجاوزات تقديم شكاية للهيأة المغربية للرساميل، من أجل فتح تحقيق واتخاذ الإجراءات في حق الشركة المدبرة ومسؤولتها القانونية.

‎مستثمر يفضح المستور

كان من بين المستثمرين الذين اقتنعوا بالمشروع  مجموعة “H &A Investement Holding”، الذي التزم بالمساهمة بمائة مليون درهم، وحول تسبيقا ماليا بقيمة 10 ملايين درهم في شتنبر 2017، لكنه لم يتوصل بحصصه في صندوق “غرين إنوف إنفست”، إذ حصل فقط على إيصال بالتوصل موقع من قبل الرئيسة المديرة العامة للشركة المدبرة للصندوق.  وتبين بعد ذلك أن رقم الحساب الذي طلب منه  تحويل المبلغ إليه يعود لشركة “غلوبل نيكسوس”، في حين أن القانون يفرض أن تحول أموال  المستثمرين  المساهمين في حساب صندوق “غرين إنوف إنفست” الخاص بالمساهمة في  مشاريع المقاولات الناشئة المبتكرة في المجال البيئي، وليس في حساب الشركة المدبرة له، ما دفع المستثمر إلى الإصرار على المطالبة بالحصول على حصصه، مقابل المبلغ الذي سبق أن حوله إلى الشركة المدبرة.  وبدل أن تتم الاستجابة لطلباته، فإنه توصل بإشعارات من أجل مزيد من التحويلات، علما أن المبالغ التي سبق أن حولها تفوق بكثير المبلغ الذي يحدده القانون المنظم لهذه العملية، إذ ينص على أن يتم تحويل مبلغ أولي في حدود 3 % من إجمالي المبالغ التي تم الالتزام بها، أي أنه كان عليه أن يحول 3 ملايين درهم فقط، ما يطرح التساؤل حول مآل 7 ملايين درهم، والسبب وراء مطالبته بتقديم تسبيق بنسبة 10 %، في حين أن القانون يحدد الشطر الأول من المساهمات في 3 %، علما أن المساهمة الأولى للمؤسستين العموميتين كانت في حدود النسبة المحددة في القانون.

ولجأ المستثمر، بعدما تعذر التواصل مع الشركة المدبرة، إلى مكتب متخصص من أجل استجلاء الحقيقة، فكانت المفاجأة.

صمت غير مفهوم

يتساءل المهتمون بعالم المال والأعمال عن سبب صمت المؤسستين العموميتين المساهمتين في الصندوق، الصندوق المركزي للضمان ومعهد البحث في الطاقة الشمسية والطاقات الحديثة وتجاهلهما هذه للقضية علما أن الأمر يتعلق بأموال عمومية. ولا يستبعد أن تكون ضغوطات مورست على مسؤولي المؤسستين العموميتين من أجل التريث، إلى حين إيجاد مخرج لهذه القضية.

كما يستغرب المتتبعون عدم فتح النيابة العامة لتحقيق في الموضوع، رغم أن عددا من وسائل الإعلام تناولت القضية وكشفت عن طبيعة الأفعال المتهم ارتكابها من قبل الشركة المدبرة.

وتنتظر أوساط المال والأعمال ما سيفضي إليه تحقيق الهيأة المغربية لسوق الرساميل، إذ أن الخلاصات التي ستتوصل إليها وجديتها في التعامل مع الملف، ستكون حاسمة في تعزيز مصداقية سوق الرساميل.

إنجاز: عبد الواحد كنفاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق