افتتاحية

القفة الانتخابية

تتحرك أشباح كثيرة في خيام توزيع قفة رمضان، إذ لم تحد مقتضيات وزارة الداخلية، الهادفة إلى ضبط الإحسان، من مفعول استعمال القفة الرمضانية لمآرب أخرى، غير البحث عن الثواب في الشهر الكريم.
ولم تعد عمليات استغلال حاجة المعوزين مقتصرة على المبادرات الخاصة، بل تسلل منطق الدعاية الشخصية، إذ يحرص المسؤولون وكبار الدوائر على توزيع القفة أمام وسائل الإعلام التي تلتقط صورا لفقراء في طوابير للظفر بحصة غذائية، لا تكفي مؤونة أسرة أكثر من يومين، ولا تستحق كل ذلك التشهير وامتهان الكرامة.
ولا تغيب رائحة الانتخابات عن الوجبات الموزعة، ولم ينفع الضبط في طرد أشباح منتخبين يختفون خلف مبادرات جمعوية لغزو دوائرهم، التي نجحوا فيها، أو تلك التي يحلمون باقتحامها في انتخابات مقبلة.
وخلف الجمعيات والجماعات، تختفي حرب تحصين الأتباع من الاختراق والبحث عن موطئ قدم في دوائر انتخابية مستهدفة، لأن ضمان ولاء وسطاء الأصوات يتطلب إيصال الإمداد بشكل مستمر، باستغلال كل المناسبات. فبعد أيام الإفطار الجماعي ستأتي ملابس العيد “الصغير”، تحت غطاء الزكاة ثم كبش العيد “الكبير”، وتوزيع الكتب والمحافظ في الدخول المدرسي.
وتحاول الدولة تأمين قنوات هذا النوع من الدعم المقدم للفقراء بالدعم الغذائي ومبادرة مليون محفظة وغيرهما، لكن هول الخصاص الاجتماعي وعدم كفاية الموارد المرصودة دفعا بارونات سوق الانتخابات إلى التهافت على حجز الجمعيات والممونين الحاصلين على رخص إقامة إفطارات جماعية مجانية.
وهناك حالات كثيرة أكدت فرضيات حصول وسطاء مبادرات الإحسان على تموين من الأعيان، وأدركت الداخلية في بعضها حملات سابقة لأوانها فاستنفرت أعوانها من أجل ضبط قنوات التضامن، إذ تلقى الولاة والعمال تعليمات صارمة تحث على مراقبة التبرعات التي يتم تنظيمها في شهر رمضان، لتفادي استغلالها لأهداف بعيدة عن الغايات المعلن عنها، من الجهات المنظمة لها.
وفرضت التعليمات على السلطات المحلية إلزام الجهات المتقدمة بطلب تنظيم “موائد الرحمان” بضرورة المرور عبر مصالح وزارة الداخلية، قبل الترخيص لوضع طلبات التقيد في السجلات، بغرض وضع هذه القنوات تحت عيون المراقبة، تفاديا لحملات عشوائية يتم تنظيمها في بعض بؤر الصراع الانتخابي، خاصة في الأحياء الهامشية وضواحي المدن الكبرى.
ووصلت سطوة الشبكات الانتخابية حد اختراق العملية الرسمية لتوزيع المساعدات الغذائية في رمضان تحت إشراف مؤسسة محمد الخامس للتضامن، إذ تعددت الحالات التي أمرت فيها الداخلية بفتح تحقيقات حول اتهامات موجهة لمنتخبين وأعوان سلطة، بتلاعبات لترجيح كفة بعض الأحياء والمعاقل الانتخابية، مثل أسماء موتى منحت حصصهم لغير مستحقيها.
ليست هناك طريقة للحد من استغلال الحاجة والفقر من أجل الحصول على القفة، إلا بمنح المحتاجين بطاقات تموين، لكن ذلك يبقى مجرد حلم، قبل إتمام السجل الاجتماعي للفقراء، الذي لم ير النور بعد.
وإلى ذلك الحين، عيثوا فسادا أيها الأباطرة تحت غطاء الإحسان.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق