fbpx
حوادثمقالات الرأي

الهروس: الحق في التقاضي الأسري العادل

الخضوع للإجراءات المسطرية نفسها ووجوب تطبيقها على قدم المساواة على الجميع (3/1)

بقلم: الدكتور جواد الهروس *

لا شك في أن الحق في التقاضي العادل ذو بعد كوني في العصر الحديث، فقد أكدت عليه العهود والمواثيق الدولية والدساتير باعتباره وسيلة مخولة للمتقاضي تتيح له اقتضاء حقه أمام محكمة مستقلة ومحايدة وفق الضمانات المقررة في قانون الدولة، الملزمة بضمان هذا الحق باعتباره عنوان سيادتها وصمام هيبتها الذي يلعب دورا أساسيا في تحقيق الأمن القضائي والقانوني وشيوع الثقة بين أفراد المجتمع، وبالتالي تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية. ومن مظاهره الحق في المساواة أمام القضاء والحق في حياد القاضي.

تطبيق هذا الحق وفق مقاربة حقوقية في المجال الأسري يجعلنا أمام إشكالية ذات أهمية كبرى هي: ما مدى استيعاب مدونة الأسرة لضوابط ومعايير التقاضي العادل كما هو مقرر دوليا وكذا وفق الضوابط الدستورية، وكذلك الإجراءات المسطرية وفق قواعدها العامة؟
والإجابة عن هذه الإشكالية تقتضي الإلمام بجوانب عديدة من أهمها مدى ملاءمة مدونة الأسرة للمنظومة العامة لحقوق الإنسان الخاصة بالتقاضي العادل. وهو ما سأتطرق إليه في هذا الموضوع التي عنونته بـ ” الحق في التقاضي الأسري العادل: قراءة حقوقية في بعض مواد مدونة الأسرة ” من خلال محورين اثنين، سأخصص الأول للحديث عن ضوابط التقاضي العادل، والثاني لملاحظات ومقترحات بخصوص بعض مواد مدونة الاسرة.
المحور الأول: ضوابط التقاضي العادل:
لا جرم في أن الحق في التقاضي غايته العدالة التي لن تتحقق إلا بالمساواة أمام القانون والقضاء (أولا) وحياد الجهة القضائية (ثانيا)، فالمتقاضي يجب أن يتمتع بالحقوق نفسها المخولة لباقي أطراف الدعوى متى اتحدت وضعياتها ومراكزها القانونية، وبجميع الضمانات التي تكفل له ولها الوصول إلى العدالة باعتبارها جوهر الحق وأساسه.
أولا ـ مبدأ المساواة وعدم التمييز أمام القضاء:
من ضوابط التقاضي العادل الخضوع للإجراءات المسطرية نفسها وتطبيقها على قدم المساواة على الجميع وبالكيفية نفسها. لأن من خصوصيات القاعدة القانونية أنها عامة وملزمة يخضع لها جميع الناس دون تمييز على أساس الجنس أو غيره.
“والمقصود بمبدأ المساواة القضائية أن كل المتقاضين في الدولة يجب أن يكون من حقهم اللجوء إلى نفس المحاكم لتطبيق القانون الإجرائي والموضوعي نفسه، فالناس سواسية أمام القضاء ولا مجال للتمييز بينهم على أساس معايير العرق أو الجنس أو الدين أو المركز الاجتماع”.
وهذا المبدأ مكرس في المادة 7 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي جاء فيها: (الناس جميعا سواء أمام القانون، وهم يتساوون في حق التمتع بحماية القانون دونما تمييز، كما يتساوون في حق التمتع بالحماية من أي تمييز ينتهك هذا الإعلان ومن أي تحريض على مثل هذا التمييز).
كما نصت على هذا المبدأ الفقرة الثانية من المادة الثانية من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لسنة 1966، وكذا المادة 14ـ1 من العهد الدولي نفسه: (الناس جميعا سواء أمام القضاء). وكذا المادة 10 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي جاء فيها: (لكل إنسان على قدم المساواة التامة مع الآخرين الحق في أن تنظر قضيته محكمة مستقلة ومحايدة، نظرا منصفا وعلنيا، للفصل في حقوقه والتزاماته وفي أي تهمة جزائية توجه إليه).
وهذا المبدأ كرسه الدستور المغربي لسنة 2011 في الفصل 19 منه الذي جاء فيه (يتمتع الرجل والمرأة على قدم المساواة بالحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية الواردة في هذا الباب من الدستور).
مبدأ عدم التمييز:
أقرت المادة الثانية من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان هذا المبدأ إذ جاء فيها: (لكل إنسان حق التمتع بجميع الحقوق والحريات المذكورة في هذا الإعلان، دونما تمييز من أي نوع، سيما التمييز بسبب العنصر، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدين، أو الرأي سياسيا وغير سياسي، أو الأصل الوطني أو الاجتماعي، أو الثروة، أو المولد، أو أي وضع آخر. وفضلا عن ذلك لا يجوز التمييز على أساس الوضع السياسي أو القانوني أو الدولي للبلد أو الإقليم الذي ينتمي إليه الشخص، سواء أكان مستقلا أو موضوعا تحت الوصاية أو غير متمتع بالحكم الذاتي أم خاضعا لأي قيد آخر على سيادته).
كما أقرته المادة الثانية من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وكذا المادة 26 من العهد نفسه التي جاء فيها: (الناس جميعا سواء أمام القانون ويتمتعون دون أي تمييز بحق متساو في التمتع بحمايته، وفي هذا الصدد يجب أن يحظر القانون أي تمييز وأن يكفل لجميع الأشخاص على السواء حماية فعالة من التمييز لأي سبب، كالعرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي سياسيا أو غير سياسي، أو الأصل القومي أو الاجتماعي، أو الثروة أو النسب، أو غير ذلك من الأسباب).
ثانيا ـــــ مبدأ الحياد:
الحياد كذلك ضمانة أساسية من ضمانات التقاضي العادل، والمقصود به ألا يميل القاضي عند نظره في نزاع معين إلى هذا الجانب من الخصوم أو ذاك، وعليه تطبيق القواعد القانونية التي تحقق العدالة للجميع دون تمييز، ذلك أن الملتجئ إلى المحكمة من أجل عرض طلباته ودفوعاته يجب أن تترسخ لديه قناعة بأنه سيعرضها على جهة قضائية محايدة. والحياد وجه من وجوه التجرد، ومن مقتضيات التجرد أن لا يكون القاضي طرفا في الدعوى، إذ لا يجوز له الجمع بين صفة الحكم والخصم في الوقت نفسه، كما أن الحياد مركز قانوني يكون فيه القاضي بعيدا عن التحيز لفريق أو خصم على حساب الآخر”، وهو ما قد يزعزع ثقة المتقاضين في القضاء، ولذلك يجب عليه خلال نظره في الدعوى أن يتقيد بما طلبه أطرافها وبما أدلوا به من حجج، وهو ما أجمعت عليه قوانين المرافعات والمساطر المدنية التي قررت أن الأطراف هم أصحاب الدعوى، وأنهم مالكو الحق في رفعها، وبالتالي فإن القضاء ينظر في طلبات الخصوم ولا يملك تعديها أو الفصل في أكثر منها. وهذا ما أشار إليه الفصل الثالث من قانون المسطرة المدنية المغربي الذي نص على أنه: (يتعين على القاضي أن يبت في حدود طلبات الأطراف ولا يسوغ له أن يغير تلقائيا موضوع أو سبب هذه الطلبات، ويبت دائما طبقا للقوانين المطبقة على النازلة، ولو لم يطلب الأطراف ذلك بصفة صريحة).
ويجب التنبيه إلى أن حياد القاضي بالنسبة إلى الوقائع ليس جامدا إلى أقصى الحدود، بل يمكن له أن يطلب تلقائيا من الخصوم إيضاح بعض العناصر الضرورية كما جاء في الفقرة الأخيرة من الفصل 32 من قانون المسطرة المدنية المغربي: (يطلب القاضي المقرر أو القاضي المكلف بالقضية عند الاقتضاء تحديد البيانات غير التامة أو التي وقع إغفالها)، وكذا الفقرة الأولى من الفصل 280 من ق م م : (يمكن للمحكمة أن تنذر الأطراف بمقتضى أمر غير قابل للطعن بتسليم كل المستندات والوثائق والمذكرات أو الحجج التي من شأنها أن تنير القضية داخل أجل محدد … ).
* باحث في الفقه الإسلامي والقانون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق