fbpx
مقالات الرأي

هل تراجع الحزب الأول عن تنصيب حكومته؟

برلمانيو “بيجيدي” بمجلس النواب عارضوا القانون الإطار وإجراءات التقاعد والمتعاقدين وقانون السلطة القضائية

* عبد الكبير طبيح

مر ما يقرب من 9 سنوات على دخول دستور 2011 حيز التنفيذ في بلادنا، ويظهر أننا لم نستطع اللحاق بقطاره، إذ بدا أن ذلك الدستور أكبر من أن يستوعبه بعض الفاعلين السياسيين الذين يتولون أمور تدبير شأننا العام.

“البلوكاج” الحقيقي

لقد كان من أهم ما أتى به دستور 2011 هو احترامه للمنهجية الديموقراطية، وهو ما طبقه جلالة الملك عندما عين رئيس الحكومة من الحزب الذي تصدر الانتخابات الأخيرة، وذلك في اليوم الثالث لإعلان نتائجها. وهو ما يكذب ما روج له مما سمي ب “ بلوكاج “. بينما “البلوكاج” الحقيقي هو الذي مارسته الأحزاب التي تشتكي اليوم من البلوكاج بعد انتخابات 2002، عندما تصدر الاتحاد الاشتراكي تلك الانتخابات، وتمت عرقلة قيادته للحكومة. وهو الموضوع الذي يمكن الرجوع اليه عند المنازعة في هذه الواقعة التي شهد عليها التاريخ السياسي المغربي.
فعندما يعجز الشخص المعين عن تشكيل أغلبية برلمانية تستند إليها الحكومة التي سيقترحها على جلالة الملك من أجل تعيينها، يعين شخص آخر ليشكل الحكومة، لكن من الحزب نفسه الذي تصدر الانتخابات.
بينما في إسبانيا مثلا والتي عرفت هي كذلك انتخابات برلمانية قبلنا، أفرزت تقدم الحزب الشعبي وتلاه الحزب الاشتراكي، بادر ملك إسبانيا إلى تعيين رئيس الحكومة من الحزب الشعبي، وعندما فشل في تشكيل الحكومة، انتقل مباشرة ملك إسبانيا الى تعيين رئيس الحكومة من الحزب الاشتراكي، الذي فشل هو كذلك، والبقية معروفة.
فالحكومة الحالية إذن هي مسندة إلى أغلبية يشكل الحزب السياسي الذي ينتمي إليه رئيسها الأغلبية داخلها.
فالسند الدستوري والبرلماني للحكومة هم أعضاء مجلس النواب المنتمون للحزب الذي ينتمي إليه رئيسها.

إلزامية تنصيب الحكومة

وإذا كنا نستحضر أن الحكومة في ظل كل الدساتير التي عرفها المغرب كانت تستمد وجودها من تعيينها من قبل جلالة الملك فقط، أي لم يكن للبرلمان أي دور أو سلطة أو اختصاص في ذلك التعيين، وإنما التصويت الذي يقوم به مجلس النواب كان ينصب على البرنامج الذي يقدمه الوزير الأول وليس على تنصيب الحكومة، و ذلك إعمالا للفصل 60 من دستور 1996 مثله مثل كل الدساتير السابقة، التي تنص على ما يلي: “الحكومة مسؤولة أمام الملك وأمام البرلمان. يتقدم الوزير الأول أمام كل من مجلسي البرلمان بعد تعيين الملك لأعضاء الحكومة، ويعرض البرنامج الذي يعتزم تطبيقه، ويجب أن يتضمن هذا البرنامج الخطوط الرئيسية للعمل الذي تنوي الحكومة القيام به في مختلف مجالات النشاط الوطني وبالأخص في الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والشؤون الخارجية.
يكون البرنامج المشار إليه موضوع مناقشة أمام كلا المجلسين، ويتلو مناقشته في مجلس النواب تصويت يجب أن يقع وفق الشروط المنصوص عليها في الفقرتين الثانية والثالثة من الفصل 75 و يترتب عليه الأثر المشار إليه في الفقرة الأخيرة منه.
و بالرجوع إلى الفصل 75 من الدستور نفسه نجده ينظم كيفية سحب الثقة من الحكومة، وهو ما يؤكد أن وجود الحكومة مرتبط فقط بتعيينها من طرف جلالة الملك وهي قائمة، من يعترض عليه أن يقدم طلب سحب الثقة منها.
لكن، التحول الكبير، الذي لا يظهر أن بعض الفاعلين السياسيين استوعبوه، هو أن الحكومة التي تعين في ظل الدستور الحالي، لابد أن يتم تنصيبها من قبل مجلس النواب وذلك وفقا لأحكام الفقرة الأولى والثانية من الفصل 47 الذي ينص على ما يلي:
“يعين الملك رئيس الحكومة من الحزب الذي يتصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب وعلى أساس نتائجها ويعين أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها”.
وأحكام الفصل 88 من الدستور الحالي الذي ينص على ما يلي: “بعد تعيين الملك لأعضاء الحكومة يتقدم رئيس الحكومة أمام مجلس النواب مجتمعين، ويعرض البرنامج الذي يعتزم تطبيقه بكون البرنامج المشار إليه …إلخ
تعتبر الحكومة منصبة بعد حصولها على ثقة مجلس النواب المعبر عنها بتصويت الأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم لصالح البرنامج الحكومي.
ويتبين أن الوضع الدستوري للحكومة اليوم هو مرتبط كذلك بألية التنصيب من قبل مجلس النواب، أي القاعدة المكونة من أغلبية أعضاء مجلس النواب.

“بيجيدي” يعارض سياسات العثماني

فعندما يعارض الحزب الأول الذي يشكل أغلبية داخل الأغلبية بمجلس النواب، والحال أن الرئيس الدستوري للأغلبية بذلك المجلس هو رئيس الحكومة، في قضية تهم السياسات الاستراتيجية التي وضعتها الحكومة في مجال حساس كالتعليم، فإن ذلك يعني أن الأغلبية تعيد النظر في تنصيبها لحكومتها.
إن ما يدفع إلى هذا الواقع هو عدم فهم الرأي العام المعنى السياسي والحقوقي والمجتمعي، لموقف حزب رئيس الحكومة، إذ كيف يعقل أن الحزب الأول في الأغلبية الذي ينتمي إليه رئيس الحكومة هو من يعترض على السياسة التعليمية التي وضعتها حكومة الحزب الأول في مجلس النواب.
وأنه من المفيد التذكير أن هذا التصرف يعتبر التصرف الثالث الذي يقوم به الحزب نفسه.
فإضافة الى اعتراض الحزب الأول بمجلس النواب على الإجراءات التي اتخذتها حكومته السابقة بخصوص أزمة التقاعد و أزمة المتعاقدين من رجال التعليم، فلقد مارس الشيء نفسه عندما قدمت حكومته للبرلمان القانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية والقانون التنظيمي المتعلق بالنظام الأساسي للقضاء ضمنت فيه، أي الحكومة، أن النيابة العامة ستصبح تابعة للوكيل العام للملك لدى محكمة النقض.
غير أن الحزب الأول في الأغلبية في مجلس النواب تقدم بمقترح تعديل يقضي بأن تبقى النيابة العامة تابعة لوزير العدل، وكأن أعضاء الحزب الذي ينتمي إليه رئيس الحكومة لا علاقة لهم بحكومتهم.
إن تصرفا كهذا لا يعني إلا أن البعض يتصرف خارج المنطق الدستوري لدستور 2011، وبالتالي خارج أي فهم صحيح للفعل الديموقراطي الذي يلزم أعضاء الأغلبية، على الخصوص، الحزب الذي ينتمي إليه رئيس الحكومة، بالدفاع عن سياسة حكومته، وليس أن يتحولوا إلى معارضين لها، مع الاحتفاظ بوضعه داخل البرلمان.
وإن معارضة أعضاء الحزب الذي ينتمي إليه رئيس الحكومة للقانون الذي قدمه، هو من الناحية الدستورية تراجع الأغلبية عن تنصيب رئيس الحكومة، فيجب، وفقا لأخلاقيات العمل السياسي النبيل والمؤمن بالديمقراطية، أن يذهب أعضاء مجلس النواب إلى نهاية موقفهم بإعمال مقتضيات الفصل 105 الدستوري، إذا كانوا فعلا يعارضون حكومتهم، وإلا فعليهم مساندتها.
* محام بالبيضاء

يقولون ما لا يفعلون

أما إذا كان الغرض من الموقف هو توجيه رسائل للرأي العام فقط، مفادها على أنهم حماة اللغة العربية، فإن هذا السلوك يطرح إشكالية ممارسة السياسة في علاقتها مع الأخلاق، نظرا لأن كل من له إمكانيات ولو عادية لا يوجد له أي طفل في المدرسة العمومية، التي تريد لها الأغلبية أن تسجن أبناء الطبقات الفقيرة في اللغة العربية وحدها والتي يعلم الجميع، وفي مقدمتهم أعضاء الاغلبية البرلمانية، أنها اليوم لا تساعد على الحصول على أي عمل يمكن أي شاب من العيش العادي.
فكيف تطلبون من المواطن أن يسترجع الثقة في السياسة والسياسيين، وهو يلاحظ أن منهم من يقول ما لا يفعل.
فاتقوا الله في هذا الشعب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى