ربورتاج

عائلات معاقين … معاناة مزدوجة

رحلة علاج طويلة وكلفتها عالية ومجتمع لا يرحم المرضى ويعتبرهم لعنة

تعيش بعض العائلات التي يوجد بين أفرادها أبناء معاقون، معاناة مزدوجة، بين ارتفاع كلفة العلاج وبين نظرة المقربين والمجتمع، الذي ينظر إليهم مثل مذنبين ارتكبوا خطيئة لا تغتفر، وكأن مرض أبنائهم، عقاب إلهي. أمهات وآباء يعانون في صمت، متحملين هذا القدر الذي ابتلاهم به الله، بصبر. حياتهم كلها تتمحور حول المرض والإعاقة، وكيف يمكن تجاوزها بأقل الأضرار، لكن بأعلى التكاليف.

عائلات كانت على قدر الحمل الثقيل والمسؤولية الكبيرة، ولمثلها ترفع القبعات. تحدثت «الصباح» إلى بعض الحالات، وتنقل لكم، في الورقة التالية، حكايات مريرة لا يسع الحيز ذكرها كلها، لكنها تتقاطع في الكثير من تفاصيلها.

إنجاز: نورا الفواري

“ماشي ساهل يكون عندك ابن أو ابنة معاقة فهاد البلاد اللي حتى الناس الأسوياء ما عايشينش فيها مزيان”… هكذا، وبنبرة لا تخلو من غضب ومرارة، بدأ أحمد، والد لابن معاق يبلغ من العمر 4 سنوات، كلامه مع “الصباح”.
يعاني أنس، ابن أحمد، موظف، مرضا نادرا في القلب نتجت عنه إعاقة واضحة في حركته ونقصان في إحدى قدميه، لم يتمكن والده من معالجتها، رغم إجراء العديد من العمليات الجراحية الفاشلة.

رفض المدرسة

يقول أحمد “لن أتحدث لك عن رحلة العلاج التي تطلبت سنينا طويلة قبل تشخيص حالة ابني والتوصل إلى حقيقة مرضه، بين طبيب وآخر ومستشفى وآخر. وكلها يلغي بلغاه. إلى درجة أنني لا زلت إلى اليوم أشك في صحة روايات الأطباء، وأسعى بكل ما أوتيت من جهد وقوة إلى السفر به إلى دولة أجنبية، عسى أن يطمئن قلبي وقلب والدته، لكنني سأخبرك عن المعاناة التي وجدتها من أجل تسجيله في المدرسة، رغم أن قدراته الذهنية والفكرية سليمة. فبعد أن اتفقت مع الإدارة على جميع الإجراءات، انتبهت المديرة في آخر لحظة إلى عرج خفيف في مشية ابني أنس واستفسرت عنه، فاضطررت إلى أن أخبرها بأنه يعاني مرضا يؤثر على حركته مثلما اضطررت إلى أن أريها بعض المناطق من جسده التي أصيبت بضمور جعلها تبدو وكأنها مستأصلة من مكانها. وهو المنظر الذي أرعب المديرة وجعلها تعاود التفكير في إمكانية قبول ابني داخل مدرستها التي لا تضم سوى أطفال سليمين مائة بالمائة، على حد قولها”.

أدوية مرتفعة

من جهتها، تعاني أمينة، أم لابن يعاني التوحد، منذ سنوات بسبب هذا المرض الذي لا تعيره الدولة أي اهتمام، وتقول، في حديثها إلى “الصباح”: “الدولة غائبة تماما. لا وجود لها. لا نسمع سوى الشعارات الفارغة. ما كاين لا دعم لا تا شي حاجة. كاع النهار وهوما يوقعو فالاتفاقيات ما شفنا والو».
تتحدث أمينة عن معاناتها مع ابنها ذي الست سنوات بداية من الأدوية والعلاج باهظ الثمن وغير المتوفر في أغلب الأحيان. تقول إن «أغلب الأدوية التي يحتاجها الأطفال المصابون بالتوحد غير متوفرة في المغرب. أما سعرها فمرتفع كثيرا ولا يتم تعويضها من طرف مؤسسات التغطية الصحية. حصص العلاج أيضا أسعارها مرتفعة وتكلف الواحدة منها على الأقل 400 درهم».

“ربيه بحال يلا عندك كلب”

أما عن التمدرس، فتحكي أمينة، ربة بيت، بمرارة قائلة “تجب إعادة النظر في الجمعيات الخاصة بالأطفال الذين يعانون التوحد لأنها جمعيات ربحية مائة بالمائة وتضحك على ذقون الآباء والأمهات”، مضيفة “هاجس هذه الجمعيات هو الحصول على الدعم. تستقدم خادمات في البيوت، لا يفقهن شيئا، وتجعل منهن مربيات بعد أن يخضعن لتكوين قصير حول كيفية التعامل مع طفل مصاب بالتوحد. تؤدي العائلات من 4500 أو 5500 درهم في الشهر للجمعية مقابل أن يقضي أبناؤها المصابون يومهم هناك. يلعبون معهم قليلا ويستفيدون من حصص الترويض وعلاج النطق مرة في الأسبوع. أما الأولاد المصابون بالتوحد الخفيف، فلديهم أقسام مدمجة في المدارس، وتلك قصة أخرى”.

تتذكر أمينة إحدى النساء التي لديها ابن مصاب بالتوحد رفضت إحدى الجمعيات قبوله. وحين سألت ماذا تفعل له أجابتها إحدى المسؤولات “ربيه بحال إيلا عندك شي كلب… وكليه وشربيه وصافي». انهارت السيدة نفسيا بسبب هذه العبارة، تقول.

وحول سؤالها كيف تتعامل مع طفلها بشكل يومي منذ أكثر من 6 سنوات، قالت أمينة: «ابني يعتمد علي كليا في كل شيء. أنا اللي كا نلبسو وندير ليه ليكوش ونوكلو… لا يتكلم أبدا. لقد تعودت على الأمر، وبمرور الوقت والزمن أصبحت أفهم متطلباته. والده أيضا أصبح يفهمه. أكثر ما يحز في قلبي أن أشاهده مريضا متألما ولا أعرف ما به. حتى الطبيب لا يمكنه أن يعرف مصدر ألمه. حينها أقف عاجزة أمام هذه الوضعية ولا أجد ملجأ سوى الله سبحانه وتعالى».

أنجبت منغوليا… أنت طالق

سمية حالة أخرى مختلفة في التشخيص لكنها شبيهة في المعاناة نفسها. ابنها من ذوي الاحتياجات الخاصة، وبسببه طلقها زوجها. تحكي بأسى قصتها ل”الصباح”: “أكرم ابني الوحيد. بمجرد أن اكتشف والده أنه منغولي، طلقني وهجرنا ويكره أن يرى ابنه أو يصطحبه معه أو يشاهده أحد من عائلته وكأنه لعنة. وهو ما يضاعف معاناتي، دون الحديث عن نظرة أقرب المقربين من عائلتي، التي تنظر إلي وكأنني ارتكبت معصية لا تغتفر وعاقبني الله عليها”. تقول “ضروري ما تسمعي شي كلمة ماشي هيا هاديك أو يشوفو فيك شي شوفة ناقصة».

مجتمع لا يرحم

أما بالنسبة إلى نظرة المجتمع، فحدّث ولا حرج. تقول سمية إنها تشعر وكأنها ترافق معها مسخا. الكل ينظر إليها وإليه، في كل مكان دخلت إليه. “لن تسلمي من كلام الناس ونظراتهم. بحال إيلا نتي اللي درتيه ولا بغيتيه هاكاك. ما عرفتش كيفاش كا يفكرو هاد الناس. النظرة ديال الناس فاش كا يكون جالس معايا ولدي فشي محل بحال يلا كا يشوفو شي خلق عجيب. الناس ما فيهمش الإنسانية. نهائيا»، تقول.

أمينة أيضا تعاني بسبب نظرة المجتمع وأقرب المقربين. تحكي عن حادثة وقعت لها أخيرا وتقول «اصطحبت ابني معي إلى أحد المراكز التجارية وكنت أنوي ركن سيارتي في المكان المخصص للمعاقين، قبل أن أفاجأ بسيارة أحد الأشخاص تسابقني من أجل الحصول على المكان نفسه، فما كان مني إلا أن نزلت لأسأله إن كان يحمل في سيارته شخصا معاقا. حينها كاين يمكن أن أخلي له المكان، لكنه أجابني بالنفي. وحين قلت له إني أحمل معي ابنا معاقا، تخيلي ماذا كان جوابه: «إيلا كان معاق ولا مريض سيري داويه».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق