ملف الصباح

الوسائط الجديدة زعزعت القيم الثقافية

الباحث الإيبوركي قال إن الجنس أضحى سلعة معروضة في الفضاء الرقمي

قال الباحث عمر الإيبوركي إن وسائط التواصل الجديدة أذكت ظاهرة التحرش لأنها اخترقت العلاقات الحميمية بين الشباب، ولم يعد هناك رادع أخلاقي أو ديني أو حتى اجتماعي لأن الشارع كان يحول دون ذلك بحضور الآخر الذي لم يعد له معنى. وأضاف أستاذ علم الاجتماع أن نتائج الثورة الجنسية التي أحدثتها الوسائط الجديدة أصبحت تؤرق المجتمع المغربي اليوم وتخلق شكلا من الفوضى العارمة على مستوى العلاقات الاجتماعية.

< إلى أي حد ساهمت وسائل التكنولوجيا في تغيير التمثلات الجنسية للأفراد؟
< مع الثورة التكنولوجية الحديثة، انتقلت العلاقات الاجتماعية من الوسائط التقليدية إلى أخرى أكثر جرأة وإجرائية، إذ أصبح التواصل ممكنا وسهلا فأدى ذلك إلى زعزعة بعض القيم الثقافية، التي كانت تتحكم في التواصل بين الجنسين، أو بالأحرى إلى تغيير التمثلات الجنسية التي ارتبطت أكثر بالجسد والغريزة بدل ما كان يسمى بالحب العذري الذي يلجأ إلى الإبداع الكلامي كالغناء والشعر بل إن التمثل الجنسي اليوم يتأسس على الصورة المباشرة للجسد وإذكاء الغرائز وتهييج العواطف والرغبات.
فالتحرش اليوم مباشر ومتبادل بين الجنسين وأذكت الوسائل التكنولوجية الحديثة ظاهرة التحرش لأنها اخترقت العلاقات الحميمية بين الشباب، ولم يعد هناك رادع أخلاقي أو ديني أو حتى اجتماعي لأن الشارع كان يحول دون ذلك بحضور الآخر الذي لم يعد له معنى، ولأن الإخفاء كان هو السائد. لقد حطمت الوسائل التكنولوجية الحديثة كل العوائق والتمايز الجنسي.

< هل يمكن اعتبار الوسائط التكنولوجية بمثابة وسيط جديد لنوع آخر من الدعارة الرقمية؟
< إن انتشار الدعارة الرقمية جاء بفعل التواصل السهل الذي يسّرته الوسائل التكنولوجية، ولم يعد الباحث عن إشباع الغرائز في حاجة إلى أشخاص وسطاء، قد تحول القوانين دون اللجوء إليهم، بل إن انتشار المواقع والقنوات، قد وسع من مجال هذا التواصل، ووفر الجنس كسلعة تسوق عن طريق الصورة، لدرجة أن البعض يلجأ إلى إشباع الغرائز عن طريق ما يمكن أن نسميه الدعارة الافتراضية، التي تتم عن بعد وكسلعة يمكن اقتناؤها، عن طريق وسائل التواصل التكنولوجية الحديثة.

< إلى أي حد ساهمت الوسائط الجديدة في تجاوز الحاجز النفسي والأخلاقي للفعل الجنسي وجعلته متاحا أكثر من ذي قبل؟
< لقد جعلت الوسائط الجديدة الجنس سلعة معروضة للبيع أو التسويق وحطمت الحواجز النفسية والأخلاقية وعممته على جميع الفئات العمرية والجنسية، وغابت الرقابة المؤسساتية التقليدية التي كانت تمارسها الأسرة مثلا، والتي تلقن نوعا من التربية الجنسية المحتشمة التي تعتبر الجنس محرما، وتكون الغرائز محظورة وخفية، تمارس في السر، فأخرجتها إلى العلن وحولتها إلى علاقات سلعية تسويقية، اكتسحت جميع فئات المجتمع بما فيها الأطفال في غياب الآباء، ولعل هذا من النتائج التي أصبحت تؤرق المجتمع المغربي اليوم وتخلق شكلا من الفوضى العارمة على مستوى العلاقات الاجتماعية.

< كيف يمكن توقع مستقبل العلاقات بين الأفراد في ظل هذا الواقع؟
< إن المجتمع المعاصر والمعولم اليوم يتميز بظهور العلاقات الشبكية اجتماعيا واقتصاديا، وهنا ستتحول العلاقات الجنسية إلى سلع مادية يتم تسويقها عبر هذه الشبكات التواصلية. ونظرا لوفرة الصور وسرعة انتقالها فقد هبطت درجة السرية والحميمية بين الأفراد، وتحولت إلى علاقات يحكمها الربح المادي أكثر، وتوجهها المصالح، وتغيرت شروط اختيار الأصدقاء والأزواج لوفرة العرض، وسهولة التواصل. ورغم تدفق الصور والمشاهد الإباحية، فان العلاقات الجنسية ستعرف تأزما في بعدها الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، لأن هذه الصور تؤثر على الأفراد الذين يعيشون في مجتمع افتراضي أكثر مما يرتبطون بالواقع الحقيقي. وفي اعتقادي أنه في غياب توازن نفسي واجتماعي، وتربية جنسية صحيحة، فان ذلك سيخلق مجتمعا تغيب فيه أنماط الحياة المستقرة. بل إن المجتمع نفسه سيعرف بعض مظاهر ردة الفعل العنيفة، بمحاربة تحرر المرأة، والحجر على الفتاة، ومحاولة إيجاد وسائل دفاع تنتمي إلى المجتمع التقليدي،وهذا سيولد لنا صراعا داخل مؤسسة الأسرة نفسها، بين أجيال لا تنتمي لعصر واحد.

في سطور

ــ أستاذ وباحث في مجال السوسيولوجيا
ـ حاصل على دبلوم الدراسات المعمقة، ودبلوم الدراسات العليا في علم الاجتماع تخصص: النظريات الاجتماعية.
ـ حاصل على شهادة الدكتوراه في علم الاجتماع، من جامعة محمد الخامس بالرباط
ـ أستاذ مشارك في شعبة علم الاجتماع بكل من كليتي الآداب والعلوم الإنسانية، بجامعتي محمد الخامس بالرباط، وابن طفيل بالقنيطرة.
له مساهمات متعددة في مجال السوسيولوجيا:
ـ كتاب “الظاهرة القائدية، القائد العيادي الرحماني”.عن دار بابل للطباعة والنشر، الرباط ،سنة 2000.

أجرى الحوار: عزيز المجدوب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق