fbpx
خاص

الوضع الدستوري لرئاسة النيابة العامة 2/2

رئيس النيابة العامة مسؤول عن كيفية تنفيذه السياسة الجنائية أمام السلطة التي عينته

أثير، أخيرا، نقاش حول الطبيعة الدستورية لمؤسسة رئاسة النيابة العامة إثر توصل مجلس النواب بتقرير رئيس النيابة العامة حول تنفيذ السياسة الجنائية وسير النيابة العامة، وهو التقرير الذي تنص عليه المادة 110 من القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية. وأظن أنه من أجل تسهيل مأمورية فهم الإشكال الذي طرح، التذكير بمسلمتين مركزيتين، هما بمثابة مفتاح لمقاربة الجواب أو إبداء الرأي حول الإشكال المذكور: المسلمة الأولى أن القضاء سلطة قررها أفراد الأمة عن طريق الاستفتاء على دستور 2011.
في الفصل 107 منه. المسلمة الثانية أن اعتبار رئيس النيابة العامة سلطة قررها نواب الأمة في البرلمان عن طريق التصويت على القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية في المادة 66 منه.

بقلم: عبد الكبير طبيح *

ثالثا: المناقشة البرلمانية لتقرير رئيس النيابة العامة

إذا نص القانون التنظيمي على تقديم رئيس النيابة العامة تقارير إلى المجلس الأعلى للسلطة القضائية، فإن المجلس الدستوري اعتبر أن “تقارير الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض بصفته رئيسا للنيابة العامة، تعد تقارير تهم الشأن العام القضائي التي يجوز للجميع، سيما البرلمان، تدارسها…”. وأقر بذلك دستورية المقتضى الوارد في المادة 110 من القانون التنظيمي سالف الذكر، التي تسمح للجنتي العدل والتشريع بالبرلمان بدراسة تقارير رئيس النيابة العامة، رغم استقلال السلطة القضائية عن السلطة التشريعية.
غير أن المجلس الدستوري حدَّد الأهداف من المناقشة البرلمانية وشروطها، بهدف تعديل أو تطوير السياسة الجنائية، كما حرص المجلس الدستوري على التأكيد على ان ذلك يجب ان يتم باحترام للسلطة القضائية المستقلة، كما سيأتي بيانه لاحقا.

وإذا حسم المجلس الدستوري في الجهة التي تضع السياسة الجنائية وهي البرلمان، وأكد هذه القاعدة بمقتضى قراره سالف الذكر، الذي ورد فيه أن “المشرع، باعتباره المختص بوضع السياسة الجنائية، يحق له تتبع كيفيات تنفيذ هذه السياسة…”. وكذلك بمقتضى قرار آخر له يحمل رقم 16-992، صدر بالتاريخ نفسه جاء فيه: “حيث إن صلاحية وضع السياسة الجنائية، التي تعد جزءا من السياسات العمومية، … تظل من الصلاحيات المخولة إلى السلطة التشريعية…”، فإن هذا المقتضى هو مجرد تأكيد للاختصاصات التشريعية التي خولها الفصل 71 من الدستور للبرلمان في ما يتعلق باستئثاره دون غيره من السلطات بالتشريع في مجال التجريم والعقاب (القانون الجنائي) والمسطرة الجنائية. وذلك باعتماده على تعريف للسياسة الجنائية من قبل (ليدويغ فيورباخ) الذي اعتبر أن “السياسة الجنائية هي التدابير الزجرية التي تتخذها الدولة لمحاربة الجريمة”). وهو ما أكده قرار المجلس الدستوري 991-16 سالف الذكر بالقول: “حيث إن صلاحية وضع السياسة الجنائية، التي تعد جزءاً من السياسات العمومية، من خلال سن قواعد وقائية وزجرية لمكافحة الجريمة، حماية للنظام العمومي وصيانة لسلامة الأشخاص وممتلكاتهم وحرياتهم، وكذا تحديد الكيفيات والشروط القانونية لممارسة قضاة النيابة العامة لمهامهم، تظل من الصلاحيات المخولة إلى السلطة التشريعية”.

وإذا كانت المادة 110 من القانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية تنص على عرض التقرير الذي يقدمه رئيس النيابة العامة إلى المجلس الأعلى للسلطة القضائية، على أنظار لجنتي العدل والتشريع بغرفتي البرلمان ومناقشته من طرفهما، فإن المجلس الدستوري حدد الأهداف من هذه المناقشة وشروط إجرائها. ففيما يتعلق بالأهداف فقد نص عليها قرار المجلس رقم 991-16، وأكد أن تقارير رئيس النيابة العامة “تعتبر من التقارير التي تهم الشأن العام القضائي، يجوز للجميع الاطلاع عليها ومناقشتها، ولاسيما البرلمان المختص بوضع السياسة الجنائية… يحق له تتبع كيفيات تنفيذ هذه السياسة قصد تعديل المقتضيات المتعلقة بها وتطويرها إذا اقتضى الأمر ذلك”.

لذلك فإن المجلس الدستوري حدد الغاية من مناقشة البرلمان لتقرير رئاسة النيابة العامة، لم يذكر من بينها مساءلتها، علما أن المساءلة الدستورية كمهمة رقابية التي يقوم بها البرلمانيون بالنسبة محصورة في عمل السلطة التنفيذية أي الحكومة.

وبما أن مهام وأدوار النيابة العامة هي من مهام وأدوار السلطة القضائية التي نص الدستور على أنها مستقلة عن السلطة التشريعية وعن السلطة التنفيذية. وهو الاستقلال الذي أكد علية المجلس الدستوري بمقتضى قراره عدد 991-16 بالقول:

“حيث إنه، لئن كانت الجهة القضائية التي تتولى رئاسة النيابة العامة، تظل – “وفقاً للمبدأ الدستوري القاضي بربط المسؤولية بالمحاسبة – مسؤولة عن كيفية “تنفيذها للسياسة الجنائية الموضوعة من قبل السلطة الدستورية المختصة، فإن “إعمال هذا المبدأ لا يمكن أن يتم، فيما يخص السلطة القضائية المستقلة عن “السلطتين التشريعية والتنفيذية، بالكيفيات والأدوات ذاتها التي يتم بها في “مجالات أخرى، بالنظر لطبيعة السلطة القضائية واستقلالها وآليات اشتغالها “والسبل المقررة لتصحيح أخطاء أعضائها…”.
لهذا فتقرير رئاسة النيابة العامة المعروض على لجنتي العدل والتشريع بالبرلمان تتم مناقشته من أجل أن يتمكن البرلمان من الإلمام بنتائج تنفيد السياسة الجنائية التي وضعها، حتى يتمكن عند الاقتضاء – من تعديل النصوص القانونية أو تحسينها وتطويرها على ضوء ذلك، وبناء على التوصيات التي قد يتضمنها التقرير.

وهو ما يؤسس لعلاقات التوازن بين سلطات الدولة دون المساس بصلاحيات البرلمان في الاختيارات التشريعية التي يراها مناسبة.
وأما كيفية مناقشة اللجنتين البرلمانيتين للتقرير، فقد ذهب قرار المجلس الدستوري إلى أنها يجب أن تتم “مع مراعاة مبدأ فصل السلط والاحترام الواجب للسلطة القضائية المستقلة”. وهو ما يستفاد منه كذلك، أن المناقشة لا تتم لغاية تقييم أداء النيابة العامة، مع كل ما يستتبع ذلك , وإنما تلك المناقشة يجب أن تستحضر مبدأ استقلال السلطة القضائية والالتزام بالاحترام الذي يقرره القانون لهذه السلطة، بالنظر للهدف من المناقشة التي لا تتم لغاية المساءلة، وإنّما لتعديل أو لتطوير السياسة الجنائية.

رابعا: تقديم تقرير رئيس النيابة العامة

لم يحدد القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية كيفية إحالة تقرير رئيس النيابة العامة على لجنتي البرلمان، بل أنه لم يتحدث عن أي إحالة، واستعمل عبارة يتلقى المجلس الأعلى للسلطة القضائية التقرير. قبل عرضه ومناقشته من قبل لجنتي البرلمان.

وإذا كان المجلس الدستوري قد حسم في عدم قيام رئيس النيابة العامة بمهمة العرض والتقديم، فإنه لم يتناول تحديد كيفية توصل البرلمان بالتقرير، ولا تعيين الجهة المخول لها توجيه التقرير إلى البرلمان.
وبالنظر إلى أن تقرير رئيس النيابة العامة يعتبر تقريرا يهم الشأن العام القضائي يحق للجميع دراسته، فإن تعميمه يعتبر ضروريا لتحقيق هذه الغاية الدستورية.
وأن البرلمان عندما صادق على المادة 110 من القانون التنظيمي:

– نص على أن التقرير يجب ان يعرض عليه باعتباره أولى الجهات المعنية بدراسة تقرير النيابة العامة لارتباطه باختصاصاته في وضع السياسة الجنائية.
– نص على أن يتم عرض ذلك التقرير بعدما يتم عرضه على المجلس الأعلى للسلطة القضائية معطيا الأسبقية لهذا الأخير في الاطلاع على ذلك التقرير.
– هو الذي لم ينص على أن ضرورة وإلزامية أن تتم عملية العرض من قبل رئيس النيابة العامة، كما هو الحال بخصوص رئيس المجلس الأعلى للحسابات الذي يلزمه الدستور بأن يقدم هو باعتباره رئيسا للمجلس المذكور, تقريرا أمام البرلمان وفقا للفقرة الأخيرة من الفصل 148 من الدستور.

ومن جهة أخرى، فرغم أن القانون التنظيمي الذي أعطى للبرلمان صلاحية مناقشة تقرير رئيس النيابة العامة لم يلزم هذا الأخير بتوجيه التقرير إلى البرلمان، فإن المبدأ الدستوري لتعاون السلطات يقتضي منه أن يتخذ المبادرة لوضع التقرير رهن إشارة البرلمان لتمكين لجنتي العدل والتشريع من القيام بمهمتهما المتعلقة بدراسة التقرير.

وبطبيعة الحال فإن وضع التقرير رهن إشارة البرلمان ليست إحالة دستورية مثل الإحالات المنصوص عليها في بعض فصول الدستور كالفصل 78 و132 و148 من الدستور، أو الإحالات المنصوص عليها في بعض القوانين التنظيمية كالمادتين 61 و109 من القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية والمادة 21 و22 من القانون التنظيمي للمحكمة الدستورية.

ومن جهة أخرى، فإن المبادرات بتَعميم التقرير أو إحالته على أي جهة أخرى ترجع لرئيس النيابة العامة بوصفه السلطة الدستورية الملزمة بوضع التقرير، والمسؤول عن تنفيذ السياسة الجنائية. فهو الذي يقدم التقرير للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، علماً أن هذا المجلس يتلقى تقارير من جهات أخرى لا تنتمي للسلطة القضائية حددتها المادة 110 من القانون التنظيمي للمجلس الأعلى لتلك السلطة كالوزير المكلف بالعدل ومؤسسات وهيآت حماية الحقوق والحريات والحكامة الجيدة الدستورية، وجمعيات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية. وبالتالي فإن هذه التقارير تظل تقارير خاصة بالسلطات والجهات التي وضعتها أو أصدرتها ولا تعتبر تقارير للمجلس الأعلى للسلطة القضائية. هذا الأخير حددت المواد 61 و108 و109 التقارير التي يصدرها والتي يرجع إلى رئيسه حق إحالتها إلى الجهات الواجب إحالتها عليها، وحق تعميمها على باقي الجهات، وعلى العموم حين يقتضي الأمر ذلك.

* محام بهيأة البيضاء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى