ملف الصباح

الدروس الخصوصية … آليـة للاستقطـاب السياسـي

التحذير من مخاطر شحن التلاميذ بعيدا عن أهداف العملية التعليمية

باتت الدروس الخصوصية هاجسا يقض مضجع أغلبية الأسر، خاصة مع اقتراب موعد الامتحانات ومباريات الالتحاق بالمدارس والمعاهد العليا، وأضحت المؤسسات الخاصة وأساتذة التعليم العمومي على حد سواء يتهافتون على استقطاب التلاميذ، من أجل التحضير للامتحانات، في “سوق” تنعدم فيها الضوابط والأخلاق، ويتحول فيها التلميذ إلى ضحية في غياب أي رادع من الوزارة الوصية.
ولم يقف الأمر عند الاستغلال المالي للتلاميذ والأسر واستنزاف جيوبهم، باسم أهمية الدروس الخصوصية في تجاوز النقص في التحصيل الدراسي العادي، سواء بالمدرسة العمومية أو الخاصة على حد سواء، بل أضحت مجالا للاستغلال السياسي والديني، من قبل بعض الجهات التي تسعى إلى الاستقطاب تحت غطاء تقديم خدمة اجتماعية لفائدة الأسر، من خلال تقديم دروس خصوصية في المقرات والبيوت، تكون مناسبة لاستقطاب التلاميذ، واستثمار تلك العلاقة في الوقت المناسب في الانتخابات أو اللقاءات الحزبية.
واعتادت المنظمات الشبابية الوطنية والجمعيات التربوية، على تنظيم حملات تدريس بعض المواد وتقديم دروس خصوصية لفائدة التلاميذ، بشكل تطوعي، يساهم فيها الأساتذة دون مقابل، في إطار الدور التربوي الذي كانت التنظيمات والجمعيات تمارسه، خارج أي خلفية استقطاب ضيق أو هدف ربحي.

ويرى محمد الرباحي، الفاعل التربوي ومفتش التربية المتقاعد، أن بعض التنظيمات تستغل مناسبة التحضير للامتحانات، لفتح مقراتها من أجل تقديم حصص للدعم والمراجعة، وهي العملية التي تلقى إقبالا كبيرا، خاصة من الأسر التي لا تقوى على توجيه أبنائها للاستفادة من الساعات الخصوصية بالمقابل، والتي تتطلب مبالغ مالية.

وأوضح الرباحي في حديث مع “الصباح” أن بعض الجهات اعتادت استغلال قرب موعد الامتحانات، لتنظيم حملات للدروس في جميع المواد والمستويات، عبر تعبئة رجال التعليم المنتمين إلى صفوفها، قصد تخصيص ساعات لإعطاء دروس لفائدة التلاميذ، على أساس أن الحزب، أو الجهة التي تقف وراء المبادرة هي التي تتكلف بتوفير المقر والوسائل التربوية، وتسجيل التلاميذ وتحديد ساعات الدرس.
وإذا كانت تجربة بعض الجمعيات التربوية التي عايشها في مساره المهني، قد مارست هذا الدور، بعيدا عن أي خلفية حزبية ضيقة أو استقطاب فج، فإن بعض التنظيمات التي تجد صعوبة في إقناع الشباب وتأطيرهم، تقوم باستثمار الساعات الخصوصية لمد جسور التواصل مع آباء التلاميذ، والدعاية للون حزبي معين. ومن منظور تربوي صرف، يرى الرباحي أن الدعم لا يكون من خارج العملية التعليمية، إذ يعتبر جزءا لا يتجزأ منها، لأن العملية التربوية مترابطة ارتباطا وثيقا من مرحلة التحضير إلى الإنجاز والتقويم ثم التصحيح، وهو ما يصطلح عليه بالدعم التربوي.

ويرى الفاعل التربوي أن الساعات الخصوصية بالطريقة التي تمارس بها اليوم، تبقى مجرد شحن للتلاميذ، إذ لا يمكنها أن تحقق المنشود منها، دون ربطها بنتائج التقييم، فغالبا ما تكون الدروس الخصوصية خارج نظام المراقبة التربوية، وخارج هيأة التفتيش المنوط بها الحرص على تحقيق أهداف منظومة التربية والتعليم، وبالتالي فهي معرضة للكثير من المنزلقات والمخاطر.
وتمارس بعض الجماعات الاستغلال السياسي والديني، عبر تمرير إيديولوجية قد تكون في الغالب عكس المعارف والقيم والمهارات والسلوكات التي تروم نشرها منظومة التربية والتكوين، من سلوك المواطنة وحقوق الإنسان، وقيم العقل والتنوير والتربية على الديمقراطية وقيم الحرية والاختلاف والتسامح.
وبخلاف التجربة التي مارستها منظمات تربوية وهيآت شبابية، في وقت سابق، من دور تربوي سليم في العلاقة مع التلاميذ، فإن واقع الحال، يقول الرباحي، يختلف اليوم، حيث تنشر بعض الجهات، مضامين مناهضة للديمقراطية والحداثة والتسامح، وترهن عقل التلميذ، عوض تنمية قدراته في التفتح والنقد.

ومن المنزلقات التي تعرفها العملية خارج إطارها التربوي، الاستغلال السياسي من قبل بعض الجماعات، في محاولة لبسط السيطرة على مقدرات المجتمع سياسيا واجتماعيا، واستثمار العلاقة مع الآباء لتوسيع النفوذ السياسي والحزبي، عبر التوظيف في الحملات الانتخابية والتصويت في الانتخابات.

برحو بوزياني

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق