بانوراما

“واش تضمن لي راجل؟”

محاكمات فوق العادة2

هي محاكمات وقضايا غير عادية، ليس بسبب موضوعها أو خطورة الجرم المرتكب أو حساسيتها، وغيرها من الأسباب التي يمكن أن تطبع المحاكمة وتجعلها تخرج عن المألوف. المثير في هذه المحاكمات هي أنها تخص العالم القروي، حيث الإنسان يجهل إلى حد كبير المعرفة القانونية للحقوق والواجبات، وأن مجرد الوقوف أمام القاضي يتطلب من الشخص التوفر على جرأة وقدرة كبيرتين، إلا أنه في حالات عدة انقلبت الآية وكان لتدخل المتقاضين أو أجوبتهم تغيير في مسار القضايا.

أضحت عائشة محط أطماع أبناء الدوار والحل الوحيد للحفاظ عليها هو تزويجها
لم تكن قصة تلك الطفلة القادمة من البادية إلى مركز القاضي المقيم للحصول على الإذن بالزواج رفقة والدها، تمر دون أن تترك ذكرى في مخيلة كل من حضر تلك الجلسة بالنظر إلى جرأتها غير المعهودة، خاصة من قبل طفلة، لم تلج يوما باب المدرسة، أن تكون بتلك الشجاعة للدفاع عن حقها وإن كان يبدو أنه غير قانوني.
وقفت عائشة التي تتحدر من إحدى قبائل منطقة دكالة بجانب والدها، أمام القاضي للنظر في طلب الإذن لها بالزواج، بالنظر إلى أنها مازالت لم تكمل بعد السادسة عشرة سنة، وبعيدة عن السن القانوني للزواج.
بمجرد ما اطلع القاضي على وثائق الملف، توجه بالسؤال إلى والدها، كيف له أن يقبل بتزويج ابنته الطفلة التي يفترض أن تكون في المدرسة إلى جانب الفتيات اللواتي في سنها، ساعتها طأطأ الوالد الرأس في محاولة لعدم الإجابة عن السؤال المحرج، خاصة أنه لا يرى في ابنته أنها مازالت طفلة، بل عروس أضحت محط أطماع أبناء الدوار، والحل الوحيد للحفاظ عليها هو تزويجها، ولم يكن ذلك السبب الوحيد وراء الزواج والإصرار على تزويجها، هناك العريس القادم من المدينة، والذي يشكل بالنسبة إلى العائلة طوق النجاة الذي سينقذ ابنته من البقاء في البادية.
في تلك اللحظة التي عم فيها الصمت تدخل صوت طفولي، للإجابة عن سؤال القاضي الذي لم يكن سوى صوت عائشة التي لم يكن يظهر على مظهرها أنها مازالت قاصرا، بل لها التركيبة الجسمانية ما يوحي أنها امرأة في عز شبابها، وقالت للقاضي إنها ترغب في الزواج، ليقاطعها بالقول “إنك ما زالت صغيرة ولا يمكن قبول تزويجك، والقانون يمنع ذلك”، ساعتها انتفضت المرأة التي بداخل عائشة لتثور في وجه القاضي، بأنها ليست طفلة وأن جميع الفتيات اللواتي في سنها أصبحن أمهات.
لم يكترث القاضي لجوابها وقبل أن يقرر إنهاء الملف ورفض الطلب ثارت عائشة مرة أخرى في وجه أبيها وطالبته بالتدخل، وأن لا يظل ساكتا. أمام ذلك الإلحاح تبادر إلى القاضي أنه ربما أن العائلة سبق لها أن عقدت زواج الفاتحة وربما أن الطفلة حامل، فخاطب القاضي والدها هل هناك أي مشكلة؟ لم يفهم الأب كلام القاضي، غير أن الفتاة كانت أنبه من والدها لتجيب القاضي، “لا أسيدي ما عمرو قرب لي وأنا باقي عزبة”، تفاجأ القاضي لنباهة عائشة، الشيء الذي زاد في إصراره لكي يرفض طلب الإذن بالزواج لها بالنظر إلى أن القانون لا يسمح بتزويج القاصرات إلا في حالات معينة، وخاطبها قائلا” لماذا لا تحاولي الدخول إلى المدرسة أو تعلم أي صنعة تفيدك فليس الزواج هو منتهى الحياة”، ليأتي الجواب الشافي من فمها والذي لم يستطع معه القاضي أن يواصل المناقشة، و”سيد القاضي إلى أنا متزوجت دابا واش تضمن لي باقا نلقا عريس؟”، “الضامن هو الله” كان هذا جواب القاضي الذي قرر إرجاع النظر في ملفها إلى الجلسة المقبلة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق