بانوراما

فوكس… “أغورا” البيضاويين

فضاءات بيضاوية أسطورية 2
لم تكن البيضاء مثلما هي عليه اليوم. مدينة غول، “يتقاتل” سكانها كل يوم، من أجل لقمة عيش مغموسة بكثير من العرق والذل. لم تكن هي هذه المدينة التي لا مساحة للجمال والثقافة والحضارة فيها بعد أن حوّلها أباطرة العقار إلى “بيدونفيل” ضخم، عشوائي وخانق. في هذه الحلقات، نعود بالزمن إلى الوراء، من خلال سلسلة حلقات حول بعض الفضاءات الأسطورية للبيضاء، التي شكلت مفخرة سكانها عبر السنوات، معتمدين، في هذه الرحلة النوستالجية، على ما جاء حولها في كتب ومقالات ومجلات، وعلى وثائق زودتنا بها جمعية “كازا ميموار”، ومستعينين أيضا بقصص وحكايات بيضاويين أقحاح.
نورا الفواري

كانت أكبر قاعة سينما في إفريقيا ولم تكن تقل شساعة عن لو ريكس بباريس
إذا كان البيضاويون “الأقحاح”، يتذكّرون، بكثير من الحنين، سينما “فكتوريا” و”لوتيسيا” و”فيردان” و”لارك” و”لانكس” و”ريالطو” و”لوكس”، وغيرها من القاعات السينمائية التي كانت مزدهرة في مغرب الستينات والسبعينات، فإن المرارة والحزن والألم يعتصرهم حين يأتي ذكر سينما فوكس، التي تم هدمها من ضمن معالم كثيرة شكلت ذاكرة البيضاء الثقافية.
كانت قاعة سينما “فوكس” أكبر قاعة سينمائية في إفريقيا. وكان البيضاويون، من شدة افتخارهم بها، يعتبرونها أكبر “سينما” في العالم كلّه آنذاك.
فتحت أبوابها في 12 دجنبر 1935، بحضور شخصيات مهمة من بينها المراقب الفرنسي وباشا المدينة، بعد أن سهر على تصميمها وهندستها لسنوات، المهندس المعماري الفرنسي ماريوس بويير، الملقب ب”مايسترو الآرت ديكو”، والذي كان وراء تشييد العديد من المعالم التاريخية للبيضاء، مثل فندق وليلي.
كان مبنى سينما “فوكس”، الذي كان موجودا ب”بلاص دو فرانس”، ضخما. بل كان إحدى أكبر العمارات بالساحة. فقد كان مكوّنا من 4 طوابق، ولم يكن يقل شساعة عن سينما “لو ريكس” بباريس الفرنسية، إذ كان بإمكانه استقبال 2000 شخص تقريبا. لقد كانت “فوكس”، في الوقت نفسه، بمثابة مسرح أو دار أوبرا أو “أولمبياد” للحفلات الكبرى.
اعتبرت السينما، في ذلك الوقت، معلمة هندسية هامة، إذ تميزت قاعاتها بتوفرها على مقاعد كبيرة جدا ومريحة، وتسمح للجميع بالمشاهدة، بغض النظر إن كان الشخص يجلس في المقاعد الأمامية أو الخلفية. أما القاعات “البالكون”، وعددها 3، فكانت تصيب ب”الدوخة”، بفعل ارتفاعها، إضافة إلى أنها كانت مشيدة بطريقة متعاكسة، خلافا للمدارس الهندسية السائدة في ذلك الوقت.
كانت “فوكس” تتوفر أيضا على نظام إضاءة مختلف، غير مباشر ولا يضر بالعين، كما كان لديها سقف قابل للفتح، يمكن المشاهدين من الاستمتاع بالهواء المنعش في الصيف، في وقت لم تكن المكيفات فيه سائدة، ولا نظام التبريد. ويبقى أهم ما كان يميزها، مصعدها الكبير الذي كان يسمح بنقل 35 شخصا إلى طوابقها العليا. لقد كانت هندسة “فوكس” ذات طابع تجديدي طلائعي، مثلها مثل العديد من معالم المدينة الأخرى.
كما كان المبنى يضم، إضافة إلى القاعات السينمائية، مركبا تجاريا وآخر ثقافيا، كانا ملتقى الشباب في تلك الفترة و”آغورا” البيضاويين.
حاضنة “الويسترن”
تخصصت سينما “فوكس”، في عرض الأفلام الأمريكية الجديدة، ومنها التي تعرض للمرة الأولى، خاصة أفلام “الويسترن” التي كانت موضة ذلك الزمان. كما كانت تعرض أفلام البطولات والمغامرات مثل “هيركول” و”طرزان”، في صبيحات أيام الآحاد، كما كانت عائداتها مرتفعة.
هدم مبنى سينما “فوكس”، التي كانت فخر المغاربة، بداية السبعينات (1973) بسبب جشع المضاربين ومافيا العقار. وكانت تلك أكبر مندبة تعرفها البيضاء، وإعلانا عن بداية نهاية مرحلة عرفت فيها المدينة أوج ازدهارها الثقافي والعمراني والحضاري، قبل أن تتحول إلى ما هي عليه اليوم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق