بانوراما

قطبي … حصص ضرب يومي

قطبي… لعبة الفن والحياة2

خلف الوجه الطفولي والنظرات المليئة بالحماس والاندفاع، تستتر تفاصيل حياة قاسية مليئة بغرائب المفاجآت والصدف، التي قادت طفلا فقيرا من حي التقدم بالرباط لتسيد كبريات المعارض والأروقة الفنية عبر العالم. في هذه الحلقات، يحكي قطبي عن “ومضات” في مسار حياته ومحطات فارقة، رسمت طريقه من العاصمة إلى أرقى الأحياء الباريسية.

انقطعت عن الدراسة مبكرا ووزير الدفاع وجد عملا لأختي بالتبني واقتنى لي ملابس جديدة

تركت المدرسة وعمري لم يتجاوز 12 سنة، جلت في أزقة وشوارع الرباط هائما، أبحث عن بديل يؤمن لي لقمة العيش، فلا دخول إلى البيت بدون ثمن، هذه هي شروط والدي الذي لم تكن العصا تفارق يده، فبالنسبة إليه كان يؤدي رسالته ويحاول أن يضمن لي مستقبلا جيدا، قبل أن تغير الصدف مجرى حياتي.

كنت دائم الانشغال خلال تلك الفترة بتجنب حصص الضرب اليومية، أقضي النهار في التفكير في حل لهذه المعضلة. لمحت سيارة جميلة أمام فيلا رائعة في حي التقدم، ولم أعلم حتى الآن ما الذي جعلني أتحرق شوقا وأتمسك بالبقاء وانتظار من سيركب هذه السيارة. مر زمن طويل وأنا جالس أرضا أترقب هوية هذا الشخص، قبل أن أفاجأ برجل وسيم يرتدي بذلة أنيقة ورفقته فرنسية شقراء.
مصاحبة شابة شقراء كان للمناسبة أمرا رائعا واستثنائيا حينها. اندفعت نحو هذا الرجل الذي كان خلال تلك الفترة، المحجوبي أحرضان، وزير الدفاع، برفقة زوجته، وطلبت منه إيجاد عمل لأختي بالتبني رقية، التي كانت تتوفر على شهادة في الرقن (dactylo)، فاستجاب لطلبي وحدد لي موعدا في الوزارة في اليوم الموالي. عدت والفرحة تقفز من عيني، لأني وجدت عملا لأختي، ولكن لعثوري على حل سيجنبني حصة الضرب المسائية التي كانت تنتظرني.

فتح أبي الباب وعزم على ضربي قبل أن يتوقف على خبر عمل رقية الجديد. للمناسبة كانت هذه الأخت بالتبني تعامل أحسن مني في البيت، مثل الأميرة. الوظيفة التي أمنتها، جنبتني الضرب وغيرت موقعي في الأسرة، فمنذ أن تعرفت على أحرضان أصبح الجميع يحترمني، ولم يعد أبي يجبرني على البقاء في المنزل والتشدد حول السماح لي بالخروج كل مرة.
لم يكن صعبا حينها الاتصال بأي مسؤول كبير في الدولة. الأمور اتسمت بالبساطة وغياب التعقيدات. قصدت مقر وزارة الدفاع، من أجل لقاء الوزير أحرضان وعمري لم يتجاوز 13 سنة، فأمر مساعديه فور مشاهدة وضعي، باقتناء ملابس جديدة لي، إذ كنت نحيفا ورثا، لذلك أحتفظ لهذا الشخص بجميل التقدير والامتنان على ما فعله من أجلي، علما أن علاقتنا ما زالت مستمرة إلى اليوم، ونتذكر بعض فصول تاريخها، كلما سنحت الفرصة.

بدر الدين عتيقي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق