منبر

ذكــورية السيـاســة في حكـومة بنكيـران

تأنيث السياسة رهين بثقافة سياسية تشمل الأحزاب والمجتمع

ما إن تشكلت حكومة بنكيران، حتى هيمن على الفضاء العمومي النقاش حول مسألة استوزار المرأة، فشكل غيابها في الحكومة مناسبة للمعارضة وللفعاليات المدنية كحركة اليقظة والمواطنة لإشهار مكامن الضعف الحكومي التي لم تحظ بعد بثقة البرلمان كما ينص الفصل 88 من الدستور على ذلك.


لم تبق حركة نسوية سواء من اليمين أو من اليسار، إلا وأزبدت وأرغدت، مطالبة برد الاعتبار إلى العنصر النسوي الذي تراجعت تمثيليته عما تم تحقيقه في ظل الحكومات السابقة (اليوسفي، جطو وعباس الفاسي)، وهذا التراجع ينم عن عدم إيلاء الاعتبار لمقاربة النوع السياسي. وللأسف، اكتفت بعض الهيآت الحزبية التي تنادي بالحداثة إلى المطالبة بتعديل حكومي، رغم أن الحكومة لم تنصب بعد.
أما حزب العدالة والتنمية، الذي يشكل الحزب الأغلبي في حكومة بنكيران، فأبدى تفهما محتشما، لأن مجلسه الوطني لم يتحمل التعدد النسائي في الاستوزار، مخافة أن لا يعدل ولن يعدل ولو حرص، فاكتفى بواحدة. وربما اعتقد المجلس الوطني أن التأنيث الحكومي فرض كفاية، والحق أن بسيمة الحقاوي تقوم مقام أخواتها الأخريات بمختلف مشاربهن السياسية، وبالتالي تسقط الممارسة الوزارية عليهن.
ولا شك أن دولا سبقت تجربتنا السياسية مع النساء بخمسة قرون، ومع ذلك يبقى تموقعها في الحقل السياسي هشا، لأن الرجال يفعلون كل ما في وسعهم للهيمنة على العمل السياسي.
في الثمانينات من القرن الماضي، كثر عدد النساء البرلمانيات والمستوزرات في عدة دول أوربية، ولكن في زمن البؤس الإيديولوجي والرداءة السياسية.
ففي الديمقراطيات البرلمانية العريقة مازالت السياسة حكرا على الرجال، وهذه الظاهرة القديمة لم يتم حلها بالدساتير ولا بالمؤسسات، إنها قضية سلوك ومسألة بنية ذهنية طالما تحدث عنها علماء الأنتربولوجيا السياسية.. وكل ما نسمعه في وسائل الإعلام السمعي البصري حول تمثيلية المرأة في الحكومة يبقى تمرد قديم تعبر النساء من خلاله عن رغبتهن في تغيير القيم والحصول على قطعة أو هامش محترم من الحقل السياسي. فتاريخ المرأة مع السياسة هو تاريخ الصيح والنواح والإغراء، بل هو كذلك تاريخ الخوف والتشكك. فما فتئت النساء يعبرن عن إرادتهن للمشاركة في الحكم، حتى يصطدمن بالبناء الاجتماعي والسياسي الذي ترسخ في الوعي الجماعي للمجتمع، ولذا فالمرأة لم تخلق للرياسة والسلطة، كما ورد في بعض الأدبيات السياسية للثورة الفرنسية.
فهذه الأخيرة كانت مرحلة ملائمة للحركات الديمقراطية تقودها زمرة من النساء للنضال من أجل الحصول على مقعد في البرلمان أو الحكومة على أساس المساواة، ولكن جل هؤلاء النساء قضين وقتهن لعرض كفاءاتهن الفكرية في سياق إيتوبي دون الحصول على شيء يذكر، رغم قيادتها لبعض الأحداث المهمة في تاريخ الثورة.
لقد رفض الثوار إدماجهن في الحرس الوطني، كما عملوا على إغلاق نوادي النساء، بعد أن تبنوا دستورا باقتراع عام ذكوري مع المنع الكلي لوصول المرأة إلى دفة الحكم.
لقد اعتبرهن الثوار مناضلات من أجل الثورة، ولكن لسن مواطنات من أجل الجمهورية، فرغم شجاعة كوندورسي الذي دعم حقوق المرأة المدنية والسياسية ومجد المساواة في الحقوق باعتبار أن الرجل ليس وحده الممثل للنوع البشري، بقيت المرأة تشعر بالدونية والتبعية التي طالما كرسها القانون المدني النابوليوني.
إن المطلوب من الطبقة السياسية المغربية بمختلف مكوناتها ومشاربها السياسية والإيديولوجية أن تتنبه  كما تنبه الفرنسيون، لأن تأنيث الممارسة السياسية ليست قضية دستور ولا مسألة «كوطا»، بل هي مسألة تنشئة سياسية تنطلق من الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام، وهذا يذكرنا بالأمر الذي أعطته الحكومة الفرنسية لوزير التكوين والتثقيف العمومي بوليت كارنو بتخصيص كرسي الدراسات حول المرأة ب «كوليج دوفرونس»، وهو كرسي ينتقد مضامين الثورة التي همشت نصف الذكاء الفرنسي الضروري لكمال المؤسسات.
في بلادنا، لا نجد قوة سياسية لها الجرأة للتنازل عن حقيبة وزارية لصالح المرأة. والمفارقة، نجد قوة تقدمية كحزب التقدم والاشتراكية الذي له باع طويل في نصرة قضية المرأة (نذكر على سبيل المثال مشروع خطة المرأة الذي تقدم به سعيد السعدي)، ولكنه خيب آمال مناضلات يشكلن قاعدة عريضة في الحزب. ولحفظ ماء الوجه وجبر الخواطر، اكتفى حزب نبيل بن عبدالله بالمطالبة بتعديل وزاري لحكومة لم تنصب بعد، وهذه قمة النفاق السياسي تجاه نصف المجتمع الذي مازال في العمق يفتقد لويته السياسية، وما زالت النساء لا يحصدن في كل العمليات الاستشارية إلا الخيبة والحسرة.
فالنخبة السياسية المغربية بثقلها التقليدي لم تتحمل السياسة بالمؤنث، إلا داخل الدائرة العائلية دون أن يكون لهذا التألق النسوي، انعكاسا على الهياكل القيادية وعلى الستاتيكو الحزبي. 
والملاحظ هو كلما ظهرت امرأة تمتاز بالذكاء والدهاء السياسي إلا وجرت على نفسها عددا من الخصوم جلهم من الرجال، وهذا يذكرنا ب ماري فرانس كارو وسيمون فيي.
ويبدو أن الطبقة السياسية ذات الأغلبية الذكورية تعتبر النساء مزعجات ولا يتقن شفرة السياسة، وغير قادرات على الاندماج في قيمها ودسائسها، فهن يواجهن المشاكل بكل صراحة دون لف ولا دوران، لأنهن لا يتقن لعبة «jonglage»، ويعرف عنهن استعمال لغة الخشب للتنديد بعقم وتفاهة الخطاب السياسي.
فتأنيث السياسة والحكومة رهين بثقافة سياسية تشمل الأحزاب والمجتمع، وهذا عمل شاق يتطلب الإصلاح للمنظومة التربوية لإدماج المرأة وقبولها في المخيال الجماعي ككائن سياسي ومأسسته في مختلف الوظائف الحزبية والوزارية. إن الضمانات الدستورية والقانونية غير كافية إذا لم تصحبها إجراءات سلوكية تشرعن وجود المرأة في المواقع القيادية. وهذا الملف من أكبر التحديات التي ستواجهها الحكومات في المستقبل، لأن مقاربة النوع أضحت من الضروريات لاستجابة لمتطلبات التنمية.

تأنيث السياسة أولوية حكومية
أعتقد أن هذه المقاربة لم تنضج بعد في الحقل السياسي المغربي، لأن القادة المؤثرين على الهياكل الحزبية لم يبدوا استعدادهم لظاهرة التأنيث السياسي، ولذا، فعليهم أن تعلم أن النساء يشكلن قيمة مضافة للتنمية السياسية، لأنهن يعملن كما تقول «سيمون فاي» على الرقي بالسياسة، بما يعطينه من مصداقية وسطوع قصد تنشيطها من الداخل.
والأجدر أن تكون مسألة تأنيث السياسة من الأولويات الحكومية عبر منظومة تربوية وإعلامية فاعلة، وذلك على الأمد الطويل. ومن هنا تنطلق عملية البناء السياسي والمؤسساتي للمملكة في زمن العولمة والانفتاح.. وفي زمن الربيع العربي.

عبدالمالك إحزرير

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق