الصباح السياسي

الترضية السياسية والخريطة المبلقنة وراء تضخم عدد الوزراء

حكومة الفاسي تضم فسيفساء من 6 أحزاب إضافة إلى التقنوقراط

السمة البارزة للتركيبة الحكومية بالمغرب، إضافة إلى تعدد وتباين مكوناتها السياسية، تتجلى في «التضخم» الحاصل في عدد وزرائها. فالحكومة المغربية الحالية تضم 35 عضوا ما بين وزراء وكتاب دولة، يتولون تدبير مختلف القطاعات، بأداء يختلف من قطاع إلى آخر.
وصل عدد أعضاء الحكومة التي ترأسها عبد الرحمان اليوسفي في 1998، إلى 40 عضوا، وفي الحكومة التي ترأسها ادريس جطو في سنة 2002، بلغ عدد أعضاء الحكومة 38 عضوا. وفي تاريخ الحكومات المغربية، نادرا ما نزل العدد عن ثلاثين عضوا. وعلى سبيل المقارنة، فإنه إذا تركنا النموذج المغربي جانبا، فإننا سوف لن نعثر على نموذج يماثله في عدد الوزراء، باستثناء دول قليلة، مثل فرنسا التي ورثنا عنها الكثير من الخصائص والمميزات بحكم ارتباطاتنا التاريخية بها، والتي تضم حكومتها الحالية 38 وزيرا.
في سائر الدول الديمقراطية الأخرى، مثل ألمانيا وإسبانيا، عدد الوزراء لا يتعدى 20 وزيرا، إذ أن الحكومة الإسبانية تضم 17 عضوا، تسعة منهم نساء، وثمانية رجال، وألمانيا تضم أقل من 20 عضوا.
وفي فرنسا، ورغم العدد الكبير من الوزراء الذين تضمهم الحكومة الفرنسية، فإن البلد، على الأقل، تحكمه حكومة يمينية تتوفر على درجة عاليا من التجانس والتناغم، أما عندنا في المغرب، فإن الحكومة تضم فسيفساء تتشكل من خمسة أحزاب: الاستقلال، والاتحاد الاشتراكي، والتقدم والاشتراكية، والتجمع الوطني للأحرار، والحركة الشعبية، إضافة إلى شريحة التقنوقراط،الذين يتمتعون بوزن كبير داخل التركيبة الحكومية، ونسبة كبيرة منهم يتولون المسؤولية على رأس وزارات السيادة (الداخلية، الأوقاف، الخارجية) .
هذا التضخم في عدد الوزراء يُكلف الدولة ميزانية ضخمة،  بالنظر إلى الاعتمادات المخصصة لهذه القطاعات والموجهة أساسا نحو التسيير، ونحو الاستثمار بنسبة أقل، إذ أن رواتب الموظفين والمستخدمين، والمعدات والتجهيزات، تبتلع أكثر من نصف الميزانية بالنسبة إلى العديد من القطاعات.
وفي بلد مثل المغرب،الذي يوجد في أمس الحاجة إلى ترشيد وعقلنة النفقات، يفرض هذا التضخم  في عدد الوزراء وقفة تأمل ومراجعة، على اعتبار أن الأساس ليس هو كثرة أعضاء الحكومة، وتعدد القطاعات، بل المردودية والنجاعة.
وفي هذا السياق، فإن ما يسجله الملاحظون السياسيون هو اختلاف مردودية القطاعات، ففيما أثبتت بعض القطاعات دينامية لافتة، مثل التجهيز والنقل، والإسكان، والطاقة والمعادن، الصناعة والتجارة والتكنولوجيات الحديثة، فإن أداء قطاعات أخرى لا يظهر له أثر لدى الرأي العام الوطني، وإذا طُرح السؤال على أي مواطن حول معرفته بالوزراء، فإن أقصى ما يستطيع ذكره هي أسماء وزراء معدودين على أصابع اليد الواحدة.
تعدد الوزراء والقطاعات لا يستجيب دائما، بالنسبة إلى حالة المغرب، إلى ضرورات وحاجيات موضوعية، بقدر ما يخضع إلى هاجس الترضية السياسية، فالعنصر المهيمن خلال عملية تشكيل الحكومات، هو محاولة إشراك عدد من الأحزاب التي تحتل مراتب متقدمة في الانتخابات. وفي المحصلة، فإن تركيبة الحكومات في المغرب لا تقتصر على حزب سياسي واحد أو حتى حزبين، بل تجاوز العدد ذلك، لكي يصل إلى أربعة أو خمسة أو في بعض الأحيان سبعة أحزاب، فالهاجس الذي ظل طاغيا في المغرب هو ترضية الهيآت السياسية الأساسية، من خلال إشراكها في الحكومة.  ويرى المحللون السياسيون أنه من بين العوامل التي  ساعدت على   إفراز هذه الظاهرة، صعوبة حصول أي حزب على أغلبية مطلقة أومُريحة تؤهله لتشكيل الحكومة بمفرده أو بتحالف مع حزب رئيسي آخر. فالنتائج الانتخابية لم تفرز خلال الانتخابات التشريعية التي نظمت في العقد الأخير، أي فائز حقيقي، بل إن الفوز تتقاسمه مجموعة من الأحزاب، تتطلع كلها إلى المشاركة في الحكومة.
ويتجلى العامل الثاني الذي يؤدي إلى تعدد الوزراء، في هاجس إشراك وزراء تقنوقراط، رغم أنهم لا يشاركون في الانتخابات، بل يتم تعيينهم خارج المنافسة الانتخابية، ويتم «تلوين» بعضهم بألوان سياسية في آخر دقيقة لشغل مناصب هامة في الحكومة. فالتقنوقراط ينافسون الأحزاب في هذا المجال.
الظاهرة الأساسية المسجلة بشأن التركيبة الحكومية بالمغرب تتجلى في تفرع عدد من كتاب الدولة عن الوزارات الأساسية، فقد تفرع عن قطاع السكنى والتعمير قطاع التنمية المجالية، وتفرع عن قطاع الشؤون الخارجية والتعاون كاتبان للدولة، ويتوفر قطاع التربية والتكوين على وزير وكاتبة دولة مكلفة بالتعليم المدرسي، وتفرعت عن وزارة الداخلية كتابة الدولة في الداخلية. إلى جانب ذلك، هناك وزير منتدب لدى الوزير الأول مكلف بالشؤون الاقتصادية والعامة، وكاتب دولة مكلف بالماء والبيئة، وكاتب دولة لدى وزير السياحة والصناعة التقليدية مكلف بالصناعة التقليدية… ويبقى السؤال مطروحا بشأن مردودية العديد من القطاعات، وضروراتها، مما يفرض استحضار هذه المسألة، خلال الولايات المقبلة.
جمال بورفيسي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
assabah

مجانى
عرض