الصباح السياسي

زين الدين*: حكومة محدودة العدد ومنسجمة لبلورة سياسات ناجعة

 هل يمكن أن نتحدث عن تشكيلة حكومية محدودة في مجال تدبير السياسات العمومية؟
ضرورة وجود تشكيلة حكومية محدودة ومنسجمة لم تعد مطلبا ديمقراطيا، بل هي خيار استراتيجي لا محيد عنه من أجل بلورة سياسات عمومية تخضع لمتطلبات النجاعة والفعالية والحكم التشاركي والحكامة والحرص على تشكيل فريق حكومي منسجم على مستوى  الأهداف والاستراتيجيات، مما يمكنه من تحقيق التضامن الحكومي. وهذا الأمر لا يتأتى إلا في وجود فريق مصغر، وليس حكومة مكونة من أربعين وزيرا. فلو أخذنا على سبيل المثال لا الحصر النظام السياسي الانجليزي، سنجد رغم تمتع رئيس الوزراء بالصلاحيات الهامة، إلا أنه، حسب الأعراف الدستورية البريطانية يبقى مطالبا بأن يعرض القرارات الوزارية على الوزراء البارزين فقط في حكومته في إطار ما يعرف بالحكومة الداخلية التي لا ينبغي أن يقل عدد أعضائها عن ستة ولا يتجاوز العشرين.
بيد أنه رغم أهمية المقاربة العددية في هذا الصدد، إلا أنه ينبغي التركيز على مقومات أخرى من أبرزها ضرورة وجود انسجام بين مختلف مكونات التشكيلة الحكومية لا من حيث المبادئ أو التوجهات العامة؛ فالانسجام عنصر أساسي في بلورة حكومة فاعلة وفعالة إلى جانب الاشتغال بمهنية وضرورة توفر أعضاءها على القوة الاقتراحية، وأخذ المبادرة السياسية في مجالات اشتغالهم …
إن بلورة سياسات عمومية ناجعة تقتضي وجود حكومة متوافق عليها ومتفاوض حولها، لا تسعى إلى تغليب المنطق السياسي أو الإيديولوجي أو الشخصي إلا في مدى ارتباطه بالمصلحة العامة. وقد لجأت العديد من الدول في الآونة الأخيرة إلى مراجعة سياساتها العمومية من خلال القيام بإعادة تنظيم وظائف الوزارات المختصة والعمل على توفير قنوات وأليات للتنسيق بين المكونات الحكومية والتعاون بين مختلف الفاعلين وتطوير نظم المعلومات مما يحقق الفعالية الحكومية.

كيف تقرؤون تضخم تعداد أعضاء الحكومة من الناحية الدستورية؟
ليس هناك حدود أو مقتضيات دستورية تعقلن مسألة تضخم عدد أعضاء الحكومة؛ فالباب الرابع من الدستور المغربي لم يشر صراحة في فصوله من الفصل التاسع والخمسين إلى السادس والستين إلى تحديد دقيق لعدد أعضاء الحكومة.

هل تعتقدون أن الأمر يرتبط بحاجة قطاعية أم تلبية رغبة سياسية تحت ضغط الأحزاب المشاركة؟

الأمر هنا يمكن النظر إليه من زاويتين أساسيتين؛ الزاوية الأولى وهي الحاضرة بشكل مركزي تتمثل في ضغط الأحزاب السياسية المشاركة في الحكومة من أجل توسيع حجم مشاركتها في الحقائب الوزارية؛ وهي بدورها خاضعة إلى مطالب نخبها السياسية التي ارتكنت إلى المعارضة ردحا طويلا من الزمن خصوصا الأحزاب التي لم تتأقلم مع وضعها في المعارضة.
هذا الطرح يحضر بقوة في الوقت الراهن لدى الأحزاب التي التحقت مؤخرا بالأغلبية خصوصا الحركة الشعبية والاتحاد الدستوري الذي يسانده في هذا المطلب التجمع الوطني الأحرار دون أن ننسى أن الأحزاب السياسية الرئيسية هي بدورها تتطلع إلى توسيع حجم مشاركتها في التشكيلة الحكومية، ومن هنا تبرز إشكالية مركزية تتمثل في كيفية التوفيق بين التوازنات السياسية وتحقيق الفعالية والنجاعة.
ومن زاوية ثانية، يبرز ضرورة إجراء تعديل حكومي كنتيجة لقصور أداء بعض الوزراء في مهامهم، بحيث يبدو التعديل الحكومي هنا مسألة طبيعية تجرى في جل الأنظمة السياسية الديمقراطية؛إذ يستهدف هنا تحقيق قدر كبير من التساوق بين مختلف القطاعات الحكومية وتحقيق الفاعلية والنجاعة في تنفيذ وتسريع وتيرة المخططات التنموية الكبرى التي انخرط فيها المغرب، بحيث لابد للحكومة من أن تصل إلى الوتيرة الضرورية الكفيلة بتحقيق مختلف هذه الأهداف.
الملاحظ حاليا أن جل المؤشرات المطروحة تسير في اتجاه فصل قطاع السكنى عن قطاع التعمير؛ وهو فصل أصبح أكثر إلحاحا في ظل تردي وضع قطاع التعمير؛ إذ بات الحديث هنا عن إسناد هذا القطاع إلى وزارة الداخلية لاعتبارين أساسيين أولهما أننا أمام الاستحقاقات الانتخابية لسنة 2012 التي قد يوظف بعض المرشحين الأحياء الهامشية إلى كتل انتخابية، مع ما ينتج عن هذا الوضع من انتشار للبناء العشوائي وتزايد مدن الصفيح، وهو أمر يتعارض جملة وتفصيلا مع التوجهات الإستراتيجية للدولة.
ثانيهما أن قطاع التعمير يتدخل فيه متدخلون متعددون بشكل يصعب معه معرفة الطرف الذي يتحمل نتائج هذا الوضع.
والواقع أن مسألة التعديل الحكومي لا تقتصر على تدبير المجال التقني الصرف، بل إن لها تداعيات سياسية تؤثر على مستقبل الحكومة ذاتها، وهو أمر يدرك حزب الوزير الأول جيدا، فالحكومة ليست بحاجة من الناحية السياسية لمساندة حزب جديد لأنها تتوفر على الأغلبية  البرلمانية، لكن في المقابل تصطدم بتطلعات تمثيلية أحزاب الأغلبية، إما في وجود حضور لها داخل  الحكومة-حالة الاتحاد الدستوري- أو توسيع  حجم المشاركة في هذه الحكومة -حالة الحركة الشعبية- أو تكريس حضور أكثر توسعا مثلما هو عليه الحال بالنسبة إلى حزب الاتحاد الاشتراكي، لكن الكلفة السياسية لتحقيق هذه المطالب ستكون كبيرة.
أجرى الحوار: إحسان الحافظي
* أستاذ العلوم السياسية بكلية الحقوق بالمحمدية

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق