fbpx
الصباح السياسي

بوطيب: إسبانيا لم تقطع مع ماضيها الفرنكوي

ما هي الأسباب، من وجهة نظرك، التي جعلت العلاقات الإسبانية المغربية دائمة التوتر رغم التظاهر الدائم بين الطرفين بوجود تفاهم مشترك؟
بالنظر إلى المعطيات الجغرافية والتاريخية، وإلى التحولات الكبرى التي يشهدها عالم اليوم على جميع المستويات، وبالنظر إلى رهانات دول منطقة غرب المتوسط والرهانات الداخلية لكل بلد/ فإن التوتر الذي تشهده العلاقات المغربية الاسبانية عاد جدا في الظرف الراهن. ما ليس عاديا، هي بعض الانزلاقات، حتى لا أقول الانحرافات، التي يقع فيها بعض السياسيين والإعلاميين وبعض المدنيين، وللأسف  حتى بعض الأكاديميين، ممن لم يدركوا شيئين اثنين، الأول هو أن زمن الفرنكاوية لم ينته بعد في اسبانيا، وأن زمن الإمبراطورية الاسبانية الكاثوليكية قد ولى بدون رجعة، والثاني هو أن مغاربة اليوم هم المغاربة الذين صنعوا تجربة الإنصاف والمصالحة. هؤلاء السياسيون يعملون على أن يبقى المغرب المشجب الذي يعلق عليه كل الأخطاء والانتكاسات، وموضوعا لحسم الخلافات السياسية الداخلية، والبعبع الذي يتم به تخويف الفئة الهشة من الناخبين للحصول على أصواتهم. أما الإعلاميون، فنحن نعرف أن المؤسسات الإعلامية الإسبانية الكبرى كلها تابعة لجهة ما، الكنيسة، والجيش، والمخابرات، وغيرها من المؤسسات المؤثرة في السياسة الداخلية والخارجية الاسبانية، ولكل مؤسسة رهاناتها الخاصة وحساباتها السياسية، وعندما يتعلق الأمر بالمغرب، خاصة في مراحل الأزمة.
ستظل العلاقات الإسبانية- المغربية متوترة، لأن إسبانيا لم تنه مع ماضيها، المتداخل دوما مع تاريخ المغرب، إنها رؤية ماضوية للعلاقات بين البلدين. ومن سوء حظ المغرب، أن الانتقال الديمقراطي في إسبانيا سنة 1976، لم يقطع مع الماضي الفرنكوي الدكتاتوري.

هل يمكن اعتبار أن الخلفية الاستعمارية حاضرة بدورها في عملية المد والحزر التي تعرفها العلاقات الثنائية؟
الانحرافات التي تحدثت عنها أعلاه تجد  بعض سندها و مبرراتها في   فترات التوتر التي شهدتها العلاقة بين الطرفين، (احتلال الثغور في القرن الخامس عشر والسادس عشر، الجهاد البحري، معركة تطوان 1860، معركة أنوال 1921، ضرب الريف بالغازات السامة، إقحام المغاربة في الحرب الأهلية الإسبانية، هزيمة الجيش الإسباني على يد جيش التحرير المغربي 1958، المسيرة الخضراء 1975، ملف الصيد البحري، ملف سبتة ومليلية، أزمة جزير ليلى)، كل هذه الانحرافات التي نلمسها لها خلفية تاريخية، آخرها تعاطي هؤلاء الإعلاميين والسياسيين والفعاليات المدنية  والأكاديميين مع ما نشب من أحداث في الجنوب المغربي، فكل هؤلاء يعرفون جيدا أن اسبانيا لا تريد الكشف عن الوثائق التي تضع حدا نهائيا لهذا الصراع، باعتبارها الدولة التي استعمرت المنطقة طويلا، وساهمت في تدمير بعض مما يربطنا بالوطن الأم .
أضف إلى هذا، أن مستوى كبيرا من التوتر بين المغرب وإسبانيا راجع إلى تداعيات وجود اسبانيا بمدينتي سبتة ومليلية، وفي هذا الموضوع، يتفق اليسار واليمين حول معاداة الحق المغربي بدون تردد،  مما يعرقل كثيرا الوصول إلى حل ما، أو على الأقل إجراء حوار هادئ وعميق حول مستقبل المدينتين و الجزر المتوسطية .  
وعندما نطرح مثلا ضرورة معالجة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في المرحلة الاستعمارية، من قبيل قصف الشمال بالغازات السامة، يرد علينا من قبل بعض السياسيين والأكاديميين بأننا نحاول تسييس التاريخ، لذا فالانتباه إلى الإشكالات التاريخية العالقة، وإبداع صيغ لمعالجتها، ضرورة مستعجلة لتقوية العلاقة المغربية الإسبانية.

ما هي الحلول الممكنة لتجاوز غياب تفاهم مشترك بين الطرفين حول عدد من الملفات؟
لقد توصلت ندوتنا حول سبتة ومليلية، التي أقيمت بالرباط  يوم 25 شتنبر 2010، إلى خلاصة تركيبية مفادها أن المغرب يشكل عمقا أمنيا استراتيجيا لإسبانيا ولأوربا، وأنه يشكل حاجزا أمنيا، (ليس بالمفهوم الدركي )، بين إسبانيا، وخاصة جزر الكناري من جهة، والجماعات الجهادية في الساحل والصحراء من جهة أخرى، والتي اخترقت مؤسسات بوليساريو بدعم من الدولة الجزائرية، وعلمتها في البدء كيف تذبح الأبرياء من الوريد إلى الوريد، كما فعلوا مع مواطن مغربي كان يقوم بواجبه المهني إبان أحداث العيون، و مع رهينة بريطاني وآخر فرنسي.  
ونبهنا الجارة الشمالية أن مصالحها الإستراتيجية ومصالح أوربا على العموم، تفرض بالضرورة مغربا قويا ديمقراطيا تسود فيه قيم مشتركة مع الإنسانية كونيا.  
عبد السلام بوطيب:  رئيس مركز الذاكرة المشتركة والمستقبل  
أجرى الحوار: رشيد باحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى