fbpx
الصباح السياسي

الصحراء … ما بعد أحداث العيون

إعادة النظر في جهاز شيوخ القبائل والمقاربة الأمنية وتفعيل دور العائدين من أطر بوليساريو

خلال المفاوضات التي صاحبت قضية مخيم “اكديم إزيك”، انكشفت الكثير من الحقائق. فقد تأكد أن عمل أجهزة الدولة بمنطق أن المنطقة مثل باقي التراب الوطني، لا خصوصية لها، طرح خاطئ، وأن شيوخ القبائل الذين ظلت تراهن الدولة على دورهم من أجل “الوساطة” في حالة الخلاف، لم يعد بإمكانهم القيام بهذه الوظيفة، أو بفعالية أقل. وأن الطرح الانفصالي، لم يعد مجرد فكرة، يحملها بعض الحقوقيين من باب المغالاة في الدفاع عن حقوق الإنسان، بل تحول إلى فعل مادي يحظى بتمويل ورعاية من جهات أجنبية.تأكد أيضا، أن جو الانفتاح الديمقراطي واتساع هامش الحريات، ظل يسير بسرعة أكبر من السرعة العادية التي تسير عليها الانتقالات الديمقراطية في مختلف البلدان التي عاشت تجارب ديمقراطية فتية. وتأكد في النهاية، أن بعض المسؤولين وصلت بهم درجة “الحول” إلى حد المخاطرة بمكتسبات القضية الوطنية من أجل حسابات انتخابية وحزبية صغيرة تهدف التضييق على طرف لـ”حرث الأرض” لصالح طرف آخر في هذه المغامرة. إبان الأحداث تنازلت الدولة عن كبريائها، ونزلت من باب “الانفتاح الديمقراطي” لتحاور تنسيقية اتضح في نهاية المطاف أنها عبارة عن تجمع لأفراد بينهم ذوو السوابق العدلية والمبحوث عنهم والمطلوبون للعدالة وانفصاليون يحملون أجندة سياسية، لا علاقة بالمطالب الاجتماعية المشروعة. فقد اتضح أن الأمر يتعلق بمشروع لتأجيج الوضع وتصريف الأموال التي تلقاها عدد منهم في إثارة الفتنة. غير أن الدولة تفطنت إلى الأمر متأخرة، بعد أن وجدت نفسها رهينة مخيم “اكديم إيزيك”، لا تستطيع أن تحرر سكانه طالما أن هذه الفئة من المجرمين تحكم قبضتها عليه. كان لابد من تفكيك المخيم بعد أن تحولت المطالب إلى إجراءات سياسية يقوم بها أعضاء في التنسيقية، وبعد أن بدأت البيانات توزع داخل المخيم تحمل مواقف سياسية ودعوات انفصالية ضد الوحدة الترابية، هنا كان لزاما على الدولة أن تسترجع هيبتها وأن تفرض احترامها أولا والقانون ثانيا.
لقد اتضح أن الشيوخ الذين كانت الدولة تراهن عليهم داخل المنطقة، لم يعد بإمكانهم القيام بالدور نفسه، بل حتى أعضاء داخل جهاز المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية (كوركاس)، لم يتمكنوا من الولوج إلى المخيم المحاصر بمليشيات انفصالية. ولم يفهم الكثيرون أي دور جاء يبحث فاعل سياسي في حزب الأصالة والمعاصرة انتقل إلى المنطقة، وماذا كان يمثل بالنظر إلى أن لا موقع في الأجهزة الرسمية الدولة، ولا يتجاوز صفة عضو قيادي في الحزب.
فهمت الدولة أن جهاز شيوخ القبائل، لم يعد قادرا على ضبط الموقف، وأنه لا بد من إعادة النظر في النهج الذي اتبعته، وبالتالي فإن إعادة النظر فيه بات ضرورة يفرضها العجز الذي أبان عنه في التعامل مع أحداث العيون، ولعله المبرر نفسه الذي ساقه أحد الشيوخ حينما رد على طلب خليهن ولد الرشيد، في اجتماع له بالعيون، بضرورة أن يتدخل شيخ كل قبيلة لسحب أفراد قبليته من المخيم، حين قال إن لا سلطة لهم على هؤلاء الأفراد.
من الدروس الذي استخلصتها الدولة، أن الفاعل السياسي في المنطقة لم يساعد على استقطاب وتكوين الشباب وتحصينهم ضد النزوعات الانفصالية، بقدر ما ظل منطق الريع الاقتصادي يحرك العمل السياسي، وهنا تشكلت نخب تدين بالولاء للمصالح أكثر من ولائها لأحزابها، ولعله المعطى الذي يفسره كثرة الترحال السياسي بين الأحزاب داخل المنطقة، والانقلابات التي يقودها الأعيان ضد أحزابهم التي تفقد حضورها ومقراتها بمجرد رحيل واحد من الأعيان إلى حزب آخر.
استمرار إبعاد الأطر الصحراوية، التي قدمت في إطار إن الوطن غفور رحيم، وحصر دورها على وظائف في المركز، لا يخدم القضية الوطنية. واحدة من الخلاصات التي توصلت إليها الدولة خلال هذه الأزمة، فبعيدا عن استفزازات شرذمة من المجرمين في حق بعضهم، فقد تأكد أن كثيرا من هؤلاء الأطر الصحراوية لهم مكانتهم وكلمتهم داخل الأقاليم الجنوبية، وبالتالي لم يعد مقبولا أن يبقوا بعيدين عما يجري، ويبقى دورهم استشاريا أو عابرا حسب موقع كل واحد منهم داخل وزارة الداخلية. ولعل التجربة الناجحة لوالي الداخلة السابق، محمد صالح التامك، في إدارة شؤون الجهة دليل على أن إشراك هؤلاء الأطر قد يسعف في تحقيق مكاسب للقضية الوطنية، شريطة أن تتكلف الدولة بنبذ القبلية.

إحسان الحافظي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى