fbpx
مقالات الرأي

رجاء العالم: بعيدا عن الشعارات

تشهد فرنسا حالياً حراكاً فريداً، ويجدها المحللون بمواجهة لمفترق طرق، فلأول مرة منذ قيام جمهوريتها تتوزع الساحة السياسية لا بين أحزاب اليمين واليسار وإنما بين تيار يشد للتقليدي الكلاسيكي، وتيار يشد للتحديث والمغامرة صوب الانفتاح المستقبلي التقني وحماية البيئة. ويظهر ذلك بشكل واضح في البرامج السياسية التي يطرحها المرشحون الأحد عشر، وخاصة بين أقصى طرفي النقيض بين أولئك مثل مارين لوبين ممثلة اليمين المتطرف ومانويل ماكرون المستقل ممثلاً للوسطية جامعاً اليمين واليسار منادياً للانفتاح الاقتصادي بلاحدود.

وفي غمرة هذه المعمعمة والتي ستُحسم خلال هذا الشهر أبريل ٢٠١٧ يتشكل حراك مغامر وتتشجع وسائل الإعلام للخوض في التجريب الإبداعي وهز الصورة الكلاسيكية للمجتمع والمسلَّمَات الفرنسية، إذ تبتكر برامج تليفزيونية تحاول تقديم الوجه الآخر أو الوجه الخفي للمرشحين، مثل البرنامج التليفزيوني اعترافات حميمية Confessions Intimes والذي تستضيف فيه المذيعة كارين لومارشون كل مرشح في جو حميم وتقوم بالنبش في خلفيته الإنسانية، تقدمه كإنسان في ضعفه وأحلامه لحظات فشله ونجاحه.

ومن ناحية أخرى يأتي المشروع التليفزيوني الآخر والذي قامت بالإعداد له الصحافية ميليسا توغيو Melissa Theuriau لتسجيل فيلم فيديو قامت فيه بتشجيع الأطفال في فصول مدرسية منتخبة لاستضافة المرشحين للرئاسة مثل ماكرون هامون وفيون وميلانشون ورفضت مارين لوبين المشاركة، وقام الأطفال المهتمون بالسياسة بتوجيه أسئلة لأولئك المرشحين، أسئلة تذهلك ببراءتها ومباغتتها وطرافتها وعمقها تأتي من أفراد من المجتمع يظن أنها بعيدة عن الصراع لكنها تتأثر بالدرجة الأولى وتُصاغ رؤيتها للحياة. فمثلاً من الأسئلة الموجهة لماكرون: «اشرح لنا في مدة لا تتجاوز الدقيقة الفرق بين حزب اليمين وحزب اليسار، وسنحسب الزمن».. ويسارع ماكرون للإجابة مسابقاً الثواني الستين مستعيناً باللوح الأسود، «تعرفون أن الدستور الفرنسي يقوم على ثلاثة الحرية المساواة والأخوة، ونجد أن اليمين بالنسبة له فإن الحرية هي الأساس بينما لليسار المساواة هي الأساس. ونحن بحاجة للاثنين بالإضافة للأخوة».

وبالنهاية تمت مقابلة الأطفال لمعرفة كيف شعروا بحضور كل مرشح وجاءت إجابتهم مثل أشعة إكس عفوية ودقيقة قالوا: «الأخف ظلاً والأكثر طرافة هو مرشح اليسار المتطرف ميلانشون، بينما الأكثر توتراً هامون مرشح اليسار».

والطريف السؤال الذي وجهته المذيعة للأطفال: «من متابعتكم للمشهد السياسي ومناورات المرشحين هل تحبون أن تكون السياسة حرفتكم حين تكبرون؟» الإجابة الأطرف جاءت من تلك الطفلة السوداء بعينيها اللامعتين بذكاء وضفيرتيها الطائرتين، قالت ضاحكة: «أعتقد أن بوسعي احتراف السياسة لكن كآخر خيار، إذا انعدمت كل فرصي لاحتراف أي عمل آخر».

إجابة تجعلنا نتساءل: ما الذي يحرض الرجال للتدافع لمنصب خطير كمنصب رئيس الجمهورية؟

مثل هذه البرامج ومهما استعدت لها الأطراف المعنية إلا أنها تفرض مباغتاتها وتكسر رتابة وكلاسيكية الفعل السياسي وصرامة الشخصيات السياسية وتكشف جوانبهم الإنسانية بعيداً عن الشعارات.

العربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى