fbpx
تحقيق

سبتة… حقائق من داخل المدينة المحتلة (الحلقة الثانية)

الصباح” تسللت إلى مخازن “طارخال” وتكشف خيوط مافيا التهريب عبر باب سبتة

يصورها الإسبان على شكل “امرأة مستلقية” على مضيق جبل طارق، وهذا ما يمكن أن يتخيلوه من ضفتهم، لكن كل مغربي يصعد فوق جبل بليونش، لن تظهر له أي امرأة مستلقية أو نائمة، سيعيق نظره السياج السميك الذي يفصله عن أرض تسمى “سبتة”، أنجبت قضاة وفقهاء وأطباء وعلماء أغنوا بكتاباتهم واجتهاداتهم الخزانات المغربية والعالمية… ورغم مرور أزيد من خمسة قرون على احتلالها استحال على الإسبان فصلها عن طبيعتها وجغرافيتها وتاريخها… وحتى بوجود علم الاتحاد الأوربي المرتفع بالمعبر الإسباني على الأرض المحتلة، فلا أحد يمكنه أن يقول إن إسبانيا توجد في إفريقيا أو أن سبتة في أوربا.
“الصباح” قضت ستة أيام بالمدينة وتنقل في سلسلة تحقيقات واقع سكان المدينة تحت الاحتلال، بين السياسي والديني والاجتماعي والاقتصادي، في ظل أزمة وتمييز عنصري حركا انتفاضة مليلية، وإنزال أمني واستخباراتي تخوفا من اندلاع انتفاضة أخرى بسبتة يمكن أن توقظ تلك المرأة المستلقية على أرض “سيوتا” وهو الاسم المحرف إسبانيا للمدينة السليبة. وضعت سلطات مدريد قبل سنتين إجراءات قانونية مشددة لمواجهة هجرة المسلمين المغاربة إلى مدينة سبتة المحتلة بهدف ترجيح كفة الوجود الإسباني الكاثوليكي، من خلال تشجيع التجار الإسبان على الاستثمار بالثغر المغربي، بل أكثر من ذلك منحت امتيازات لرجال أعمال يهود وصينيين لإقامة مشاريع، وأبرز دليل أن مستودعات “طارخال” المركز الاقتصادي بالمدينة، أضحت تملك بعضها حاليا مجموعة من اليهود والصينيين والهنود.
وأثر التضييق الإسباني على “السبتاويين المغاربة”، إذ رفضت السلطات الإسبانية على مدى ثلاث سنوات الأخيرة منحهم تراخيص لإقامة مشاريع اقتصادية أو تشييد محلات تجارية بالأحياء التي يقطنها الكاثوليك الإسبان، وهو ما نتج عنه “تفريخ” متاجر عشوائية بالأحياء التي تقطنها غالبية مغربية مثل “برينسيبي” و”خادو”، كما أن مخازن “طارخال” التي كان يملك المغاربة 94 في المائة من مستودعاتها، دفعتهم الأزمة الاقتصادية والتضييق الإسباني إلى بيع عدد منها إلى إسبان وصينيين ويهود.

حكاية تجار مغاربة

“طارخال كانت منطقة تجارية مغربية بامتياز، لم يكن هناك أي تاجر إسباني في بداية ثمانينات القرن الماضي، اليوم وفي ظل الضغط الذي مورس على التجار المغاربة، اضطروا إلى بيع محلاتهم التجارية ومستودعات تخزين السلع إلى يهود وإسبان وصينيين، لأن المجلس البلدي بالمدينة يفضل التاجر الصيني على المغربي، لأن أسماءنا العربية تذكرهم أنهم يحتلون مدينتنا”، الكلام لتاجر “سبتاوي”، اضطر إلى بيع محله التجاري بحي برينسيبي وشراء سيارة لنقل البضائع بين المدينة السليبة والمضيق.
بين أهم التجار في سبتة اليهودي الإسباني “رافائيل”، الذي يمتلك أكبر مستودع ومحل تجاري في مخازن طارخال، التي تعتبر المصدر الرئيسي للمواد المهربة عبر نقطة باب سبتة.
تربط هذا اليهودي الإسباني علاقات متميزة بالتجار المغاربة، بل إن أغلب مهربي منتوجات “الشوكولاتة” ومشتقات الحليب وعصائر الفواكه يتعاملون معه منذ سنوات، ويعد ممونهم الرئيسي، لأنهم يعرض السلع بأثمان أرخص من باعة الجملة الآخرين ب”طارخال”.
يقول تاجر مغربي التقته “الصباح” بالقرب من مستودع اليهودي “رفائيل”، “إن بعض المستودعات بمخازن طارخال تحولت إلى مصانع سرية لتزييف تاريخ انتهاء صلاحية استهلاك مواد تهرب من داخل إسبانيا وبعض دول أوربا الشرقية، وهذا ما يمثل خطرا على صحة المستهلك خاصة المغربي، لأن الإسبان لا يستهلكون المواد التي مصدرها “طارخال”، بحكم أنهم يعتبرونها غير قابلة للاستهلاك أو فاسدة، كما يقولون، في حين تهرب أطنان منها بشكل يومي عبر “باب سبتة في غياب أي مراقبة من طرف الجمارك أو المصالح الصحية”.
ورغم أن إسبانيا تتوهم أن سبتة هي الحد الجغرافي للإتحاد الأوربي ، وعلقت على مدخل المدينة لوحة كبيرة كتب عليها «مرحبا بكم في الإتحاد الأوربي»، فإن الإجراءات التي تتخذ في بلدان الاتحاد بأوربا لحفظ صحة المستهلك الأوربي، لا شيء منها يطبق في المدينة المحتلة، لأنه لم يسبق، وفق عضو في جمعية محلية ببرينسيبي أن زارت لجنة صحية أو مختصة في المراقبة مخازن طارخال، للوقوف على أطنان من المواد الاستهلاكية المودعة في مستودعات لا تتوفر على أبسط شروط السلامة الصحية.

سماسرة يحكمون طارخال

يتحكم سماسرة إسبان ومغاربة في عمليات البيع “الحصري” لأطنان من المواد الاستهلاكية الفاسدة التي تهرب من إسبانيا إلى المغرب عبر المدينة السليبة، إذ يزور في مخازن تقع ب”طارخال” تاريخ انتهاء صلاحيتها أو تعاد تعبئتها من جديد بطرق لا يكشف أمرها من طرف المصالح المغربية المختصة في نقطة العبور “باب سبتة”.
وزارت “الصباح” عددا من مخازن “طارخال” بسبتة ولاحظت أن أطنانا من المواد الاستهلاكية تهرب من إسبانيا وبعض دول أوربا الشرقية إلى المدينة المحتلة، ويتم تزوير تاريخ انتهاء صلاحية استهلاكها أو إعادة تلفيفها أو تعبئتها ببعض مخازن “طارخال” غير الخاضعة للمراقبة من طرف السلطات الإسبانية، لأسباب تظل مجهولة، وهو ما يفسر عدم تردد التجار الإسبان عليها لاقتناء المواد الاستهلاكية لإعادة الاتجار فيها محليا.
وتبعد مخازن “طارخال” ببضعة أمتار عن السياج الأمني المحاذي لمعبر باب “سبتة”، وتعتبر مقصدا للمغاربة الذي يمتهنون التهريب المعيشي وكذا عدد من التجار بشمال المغرب، إذ يقتنون أطنانا من المواد الاستهلاكية التي يزيف تاريخ انتهاء صلاحية استهلاكها، لتباع في متاجر وأسواق بمدن مغربية.
واستغربت جمعيات بسبتة امتناع السلطات الإسبانية عن تفعيل لجن المراقبة الصحية بمخازن “طارخال” التي تعود ملكية عدد منها لإسبان ومغاربة من سكان المدينة المحتلة إضافة إلى يهود وصينيين وهنود…
ولا يتردد عدد من تجار سبتة في كشف حقائق عن مستودعات مقفلة بمنطقة “طارخال” تحولت منذ سنوات إلى مخازن للمواد الاستهلاكية المعدة للتهريب إلى المغرب، وذلك دون أو تتوفر على أدنى الشروط الصحية.

مواد تهرب من أوربا الشرقية

تهرب المواد الاستهلاكية إلى سبتة من إسبانيا ودول أوربا الشرقية مثل بولونيا ورومانيا، إذ تعمد “المافيا” المختصة في تهريبها إلى إعادة تلفيفها وكتابة عبارات باللغة العربية على أغلفتها، حتى يكون عليها الإقبال من طرف المستهلكين المغاربة.
وتتحكم المافيا المختصة في تهريب المواد الفاسدة والسامة، في غياب تحرك حازم من طرف السلطات المغربية لمنع تهريب مثل هذه البضائع غير الخاضعة لأي رقابة عبر باب سبتة، في عمليات نقل تلك المواد من إسبانيا وبعض الدول الأوربية إلى المدينة المحتلة، ما يفسر صمت عدة جهات إسبانية، بحكم أنها لا تباع للمستهلك الإسباني وإنما موجهة إلى الأسواق المغربيةّ.
ويقول أحد السماسرة المغاربة بسبتة “إن العشرات من الإسبان اغتنوا من عملية إغراق الأسواق المغربية بمثل هذه المنتوجات الفاسدة، غير القابلة للترويج في البلدان الأوربية وحتى بالمدينة المحتلة”.
وحسب رواية تجار بسبتة، فإن المافيا تستخدم طرقا حديثة في تزييف تاريخ انتهاء صلاحية المواد الاستهلاكية، وذلك بواسطة آليات متطورة تهرب من طرف صينيين إلى المدينة.

تجار صينيون وهنود

حسب أرقام حصلت عليها “الصباح”، فإن عدد التجار المغاربة في سبتة يقدرون ب4200 تاجر، أغلبهم يملكون محلات تجارية بالأحياء الهامشية أو بمخازن طارخال، بينما عدد التجار اليهود لا يتجاوز 26 تاجرا والصينيون 50 تاجرا، لكنهم يملكون حاليا سبعة مستودعات و46 محلا تجارية وسط المدينة، أما الهنود فعددهم يتجاوز 120 تاجرا يختصون في بيع الأثواب والعطور ويملك بعضهم وكالات أسفار ومطاعم.
وتقدر السلطات الإسبانية عدد المغاربة الذي يعبرون يوميا إلى سبتة في إطار ما يسمى “التهريب المعيشي” ب4500، بينما يعبر من إسبانيا إلى المدينة المحتلة في اليوم أزيد من 7200 إسباني وأوربي، أغلبهم يمتهنون التجارة.
وتشجع الحكومة المحلية بسبتة التي يسيطر عليها الحزب الشعبي اليميني، الذي يحكم المدينة منذ أزيد من ثلاثة عقود، التجار الإسبان وحملة الشهادات المقيمين في مدن الجنوب الإسباني للعمل أو إقامة مشاريع بالمدينة المحتلة، وهو أمر لفت انتباه الجمعيات الإسلامية السبتاوية التي لاحظت في ذلك تمييزا عنصريا ضد المغاربة، ومحاولة ل”أسبنة” اقتصاد المدينة، على حد تعبيرها.
وتسللت “الصباح” إلى داخل بعض مستودعات “طارخال” والتقطت صورا لمواد استهلاكية فاسدة يزيف تاريخ انتهاء صلاحيتها وتهرب عبر باب سبتة من طرف مهربين يعبرون يوميا من المعبر المشار إليه، دون أن ترصدهم مصالح الجمارك للتدقيق في المواد المهربة أو إحالة عينات منها على المختبرات المختصة.ولدى عبورنا من “باب سبتة” وقفنا على السبب الرئيسي الذي يمنع الجمركيين من تفتيش السيارات الحملة بالبضائع الفاسدة، ويكمن في أنهم يركزون على تفتيش نساء “التهريب المعيشي”، وهو ما علقت عليه إحداهن بالقول “شوفو الريوسة أما حنا غير وليات”.

إنجاز: رضوان حفياني (موفد الصباح إلى سبتة)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى