fbpx
ربورتاج

معاصر الزيتون تنعش جهة بني ملال

“الصباح” زارت حقول الزيتون وعاينت كل مراحل الإنتاج ووقفت على أسباب ارتفاع الأسعار

كلمة السر بمنطقة بني ملال، خلال هذه السنة، تتلخص في جملة واحدة “زيت الزيتون”… مئات المعاصر، سواء التقليدية أو العصرية، لا تتوقف عجلاتها عن الدوران، ووفود من الزوار المحملين ببراميل مختلفة الأحجام تتسابق لاقتناء “الذهب الأخضر”، وشاحنات تجوب الحقول والطرقات، وعمال وعاملات وسط البساتين يجنون غلة الزيتون… مشاهد تؤنس السائقين بالطريق الرئيسية بين بني ملال والفقيه بنصالح.

إنجاز: خالد العطاوي – تصوير: (أحمد جرفي)

تروي كتب التاريخ أن “الملاليين” وسكان المناطق المجاورة لهم يشتهرون بالكرم، وإذا قصدت منزلا ما فلا شك سيستقبلك أصحابه بحفاوة، محملين بآنية مملوءة بالزيت الزيتون، حينها تكتشف “اكسير حياة” الملاليين، إذ لا يخلو تناول وجبة ما من زيت الزيتون، ونقاش حول فوائدها الصحية.

العرض والطلب

خلال هذه السنة شهدت أثمنة زيت الزيتون ارتفاعا كبيرا، فثمن اللتر الواحد وصل إلى 60 درهما مقابل 40 خلال الموسم الماضي، وذلك بسبب تراجع إنتاج الزيتون بأزيد من 40 في المائة مقارنة مع الموسم الماضي، وأصبح ثمن الكيلوغرام الواحد من الزيتون يتراوح بين 8 و9 دراهم، في حين لم تتجاوز المردودية 14 لترا في القنطار الواحد بعد أن تجاوزت السنة الماضية 20 لترا.

 استمعت “الصباح” إلى رأي بعض الفلاحين، سواء بالفقيه بنصالح أو بني ملال، ومسيري معاصر حديثة، ورافقت إنتاج زيت الزيتون من الجني إلى إنتاجه بمعصرتي “تعاونية الكرامة الفلاحية لتثمين الزيتون” ومعصرة عين أسردون””.

يؤكد كل ممتهني استخراج زيت الزيتون  أن القطاع بجهة بني ملال خنيفرة يضطلع بدور اقتصادي واجتماعي مهم، إذ يساهم بنسبة تقدر ب 16 بالمائة من الإنتاج الوطني، أي بمردودية تتجاوز ثلاثة أطنان مقابل 2.7 طن للهكتار خلال الموسم الماضي.

 وتفيد معطيات أن إنتاج الزيتون على مستوى الجهة حقق، خلال الموسم الفلاحي، ما يناهز 180 ألف طن، مسجلا بذلك ارتفاعا بنسبة 12 بالمائة مقارنة مع الموسم قبله، في حين تقدر مساحة أشجار الزيتون بالجهة ب 76 ألفا و845 هكتارا، منها 55 ألف منتجة، وتمثل فيها الاستغلاليات الصغرى 75 في المائة.

ويظل هاجس المحافظة على البيئة من مخلفات معاصر الزيتون “مادة المرجان” التي تسبب في تلوث مياه الأنهار والسدود بحوض أم الربيع (أكبر خزان للمياه على المستوى الوطني) حاضرا لدى المهتمين الذين يؤكدون على ضرورة تثمين هذا القطاع من أجل إنتاج زيت ذي جودة عالية، وتشجيع التسويق وحماية المستهلك والبيئة.

جني الزيتون

 في حقل بالفقيه بنصالح ينهمك بعض العمال في غلة الزيتون، إذ يتقاضى العامل 100 درهم يوميا، مقابل العمل من الثامنة صباحا إلى الثالثة بعد الزوال، أما النساء المكلفات بجمع حبات الزيتون من الأرض، فيصل أجرهن اليومي 60 درهما، علما أن عدد العمال الموسميين يرتفع، خلال هذه الفترة، ويصل عددهم بمنطقة بني ملال إلى ثلاثة ملايين ونصف عامل سنويا.

ورغم أن نشاط استخراج زيت الزيتون موسمي، إلا أنه حيوي في توفير مادة غذائية محلية واستهلاكية تفي بالحاجيات الداخلية للمنطقة، بل أصبح يصدر إلى خارج تراب الجهة، بعد تزايد أغراس الزيتون التي تحتل الصدارة بين المغروسات بالجهة، وتمثل حوالي 60 في المائة من الأشجار المثمرة، دون الحديث عن دور الشجرة في حماية البيئة والمحافظة عليها، والمنافع الغذائية والصحية للزيتون في الوقاية من مجموعة من الأمراض.

 وتتحدد جودة زيت الزيتون بعدة عوامل،كما يؤكد عبد الكريم نازي، رئيس تعاونية الكرامة الفلاحية لتثمين الزيتون، إذ عادة يتم المزج، في عملية استخراج الزيت، الزيتون الأخضر اللون بالزيتون أحمر اللون، فالأول يمنح لونا ناصعا للزيت، أما الثاني فيضمن عذوبة طعمها.

وتشتهر المنطقة بنوع “المنارة والحوزية”، وهو من الأنواع الجيدة جدا، ويخضع جنيه لنظام صارم جدا، سواء من ناحية مدة بقائه عرضة للشمس أو نسبة حموضته التي يمنع أن تتجاوز 3 في المائة.

من جهته يؤكد عبد اللطيف العلالي، المسؤول التقني عن “معصرة الزيتون عين أسردون” ببني ملال أن  معصرته تستقبل حوالي 15 طنا من الزيتون، يوميا، من دير المنطقة، خصوصا  من “فم العنصر” و”تاغزيرت” و”لقصيبة” و”البرادية” وأفورار”. كما يشتغل بالمعصرة حوالي 40 عاملا بنظام المناوبة، فالمعصرة تعمل 24 على 24 ساعة، وذلك من أجل تفادي فقدان الزيتون لخصائصه المميزة والحصول على جودة عالية، ثم خزنه في صهاريج “أرضية” كبيرة جدا لا تتجاوز درجة حرارتها 13 درجة.

وتستقبل معصرة “عين أسردون” حوالي 300 زبون يوميا، سيما أنها تشتهر بإنتاج زيت الزيتون الطبيعي، إضافة إلى تصبير عدد من الخضروات والتوابل والعسل وفق النظام نفسه.

في أعلى قمة جبل بني ملال يوجد “قصر” يقصده الزوار للاستمتاع بمنظر المدينة التي تحفها أشجار الزيتون، ويتحسرون، أيضا، على زحف العمران على البساتين والمروج.

النازي… من عاطل إلى مسيرقال عبد الكريم النازي، رئيس التعاونية الفلاحية الكرامة المنبثقة عن جمعية الكرامة للمجازين المعطلين بالفقيه بنصالح، إن التعاونية تأسست سنة 2011، بعد الاستفادة من مشروع إنجاز تعاونية لاستخراج زيت الزيتون في إطار التشغيل الذاتي، فأعضاؤها هم مجازون معطلون قرروا تأسيس تعاونية من 7 أفراد.

وأوضح النازي أن أعضاء التعاونية لاحظوا أن المادة الأولية متوفرة في المنطقة، فقرروا ولوج مجال استخراج الزيتون، قبل الانتقال إلى إنتاج مواد أخرى. وقال:”لم نقتصر، فقط، على اقتناء الزيتون واستخراج زيته، بل حاولنا تحديد المشاكل التي تعرفها المنطقة في هذا المجال، فهناك مشكل المخلفات الذي نسعى إلى إيجاد حل له، بجمع كبير من أصحاب المعاصر بالمنطقة داخل جمعية هدفها استغلال مخلفات الزيتون، سيما أننا تلقينا عدة تكاوين مع الغرفة الفلاحية، وقمنا بزيارات ميدانية بتأطير وشراكة مع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية والمكتب الشريف للفوسفاط، والمكتب الجهوي الفلاحي. كما شاركنا في عدة ندوات حول التسيير وجودة زيت الزيتون، وكيفية استغلال انتاج الزيتون، ضمانا للجودة”.

وذكر النازي أن التعاونية شاركت في عدة تظاهرات وطنية لإبراز أهمية المنطقة، دون نسيان أهمية خلق مناصب الشغل، سواء موسميا أو بصفة دائمة،  فالتعاونية تشتغل بها نسوة في مواسم استخراج زيت الزيتون، إضافة إلى ستة رجال متخصصين في إدارة المعصرة، مما مكنها من الحصول على شهادة الجودة. كما سعت التعاونية إلى تنويع منتوجاتها، وذلك ب”دمج” الزيت الطبيعي مع منتوجات فلاحية أخرى في تصبير الخضر، و إنتاج “أملو” بزيت الزيتون و”زبدة كاوكاو”.

وتأسست التعاونية بعد الاستفادة من أراضي في ملكية الدولة وشراكات مع مجموعة من الممولين، مثل المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وجماعة أهل مربع، والمكتب الشريف للفوسفاط، والغرفة الفلاحية، والمكتب الجهوي للاستثمار الفلاحي.

وتتميز معصرة الكرامة في اختيار نوعية الزيتون، فالمنطقة تشتهر بنوع “بيشولين ماروكان” وهو نوع جيد، كما يحرص المسيرون على التعامل مع الفلاحين الذين لا يستعملون الأسمدة والمواد الكيماوية، وذلك احتراما لمعايير الجودة، ومجرد وصول الزيتون إلى المعصرة  يعبأ في أكياس خاصة والحرص على استغلاله في وقت لا تتجاوز 72 ساعة، حفاظا على مكوناته الطبيعية، وفي الوقت نفسه عدم تعرضه للشمس ودرجة حرارة مرتفعة.

ويتلخص طموح النازي في الحصول على ضيعة لأشجار الزيتون، وذلك لانتاج زيت زيتون طبيعي مائة في المائة إضافة إلى الحصول على مردودية مرتفعة، وتوفير مناصب شغل جديدة.

ولم يفت النازي أن يشكر كل من ساعد التعاونية بدءا من جمعية المعطلين، وعامل الإقليم، إضافة إلى الجماعة القروية، والمسؤولين عن الأملاك المخزنية، والمهندس ومقاول بناء الذين تعاطفوا مع المجازين وساعدوهم في تحقيق أحلامهم.

معصرة نموذجية

يرى عبد اللطيف العلالي، المسؤول التقني عن “معصرة الزيتون عين أسردون” ببني ملال، أن طموح المسؤولين عن المعصرة يتلخص في  توفير زيت الزيتون بجودة عالية جدا، بدءا من نوعية الزيتون إلى استخراج زيته، إضافة إلى تخزينه.

وأوضح العلالي أن المعصرة تلبي رغبات زبنائها وتضمن لهم زيتا طبيعيا مائة في المائة، إضافة إلى منتوجات فلاحية أخرى عالية الجودة. وقال:”نتوفر على عدة منتجات، رغم أن زيت الزيتون هو المنتوج الأساسي، فمنتجات المعصرة تشترك في أنها طبيعية، مثل زيت أركان، والعسل الحر، و”أملو”، وبعض الفواكه الجافة.

وكشف العلالي أن المعصرة حركت رواجا اقتصاديا في منطقة بني ملال، علما أن المنتوج الفلاحي الأول بالمنطقة هو زيت الزيتون الذي يوفر حوالي ثلاثة ملايين ونصف مليون يد عاملة سنويا، وتخلق أنشطة فلاحية على امتداد السنة.

استثمار المخلفات

يشتكي أغلب الفلاحين وأصحاب المعاصر من الآثار السلبية لمخلفات زيت الزيتون على البيئة.

ويخلف استخراج زيت الزيتون مادة يطلق عليها “المرجان” التي تلحق ضررا كبيرا على الفرشة المائية والبيئة، كما تنبعث منها روائح كريهة، وتساهم في انتشار الحشرات.

وفكرت تعاونية الكرامة في خلق أحواض كبيرة لتبخر المرجان بطرق عصرية بشراكة مع كلية العلوم ببني ملال هدفها إنجاز بحوث علمية في المجال بشراكة مع المجلس الإقليمي ومجلس الجهة، سيما أمام وجود عدد كبير من المعاصر بالمنطقة التي يفوق عددها المائة.

أما المادة الثانية فيطلق عليها “الفيتور” التي تحتاج إلى آلات خاصة لمعالجتها وجعلها صالحة في صناعة مواد التجميل، وبالتالي خلق صناعة بالمنطقة يمكن أن تشغل عاطلين عن العمل.

فوائد صحية

كل الأبحاث الطبية تشير إلى أن لزيت الزيتون فوائد هائلة، فهو يحتوي على 85 % من الأحماض الذهنية غير مشبعة، و 1 % أحماضا ذهنية مشبعة. كما يحتوي كذلك على مجموعة هامة من الفيتامينات (A , D , E , K)، ويحتوي على نسبة كبيرة من المواد المضادة للأكسدة، علاوة أيضا على وجود مركب ” أوميجا – 3 و أوميجا – 6 ” ، الأمر الذي يساعد على إنقاص وتقليل نسبة الدهون الثلاثية والكوليسترول الضار بالجسم.

 ويعمل زيت الزيتون على رفع وزيادة كفاءة الجهاز المناعي والوقاية من الأمراض ، سيما الأورام السرطانية كسرطان الثدي والرئة وسرطان القولون، ويساعد على تحسين أداء ووظائف الكبد ورفع كفاءته، وإنتاج الصفراء بشكل متوازن، كما يعمل على تنشيطه وتخليصه من أي دهون أو سموم تتراكم في خلاياه، كما أنه يحمي الكبد من الأمراض التي تصيبه من آثار الأكسدة.

ولزيت الزيتون تأثير إيجابي وفعال على  الجهاز الهضمي بكامل طولها وأعضائها، إذ يعمل على الوقاية من الإصابة بفرط وإرتفاع حموضة المعدة، كما يساعد أيضا في الوقاية من التهاب الجدار الغشائي المخاطي للمعدة .. كذلك يمكن استخدامه لعلاج حالات التهاب القولون التقرحي. ويستخدم زيت الزيتون كذلك علاجا موضعيا، سيما فى حالات إلتهاب المفاصل الروماتيزمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق